لا أحد يستطيع أن ينكر أو يغفل عن بصمة المرأة في التاريخ على مر الزمان، ابتداء من أمنا حواء، وحتى هذه اللحظة؛ فقد جعل الله التاريخ يتغير ويتبدل على يد بعض النساء؛ ولذلك خلدهن التاريخ، ومن هؤلاء النساء "سودة" بنت زمعة.
موضوعات مقترحة
من هي "سودة"
هي: "سودة" بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية، ولدت في قريش بمكة، وكانت صحابية جليلة فاضلة ذو حسبٍ ونسبٍ، هي أول من تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها، وكانت "سودة" قد تزوجت أولاً من السكران بن عمرو وأمنت هي وزوجها بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم هاجروا إلى الحبشة وتوفي زوجها - قيل في الحبشة، وحين تزوجها النبي كانت تبلُغ من العمر أكثر من خمسين عاما وهي صاحبة بشرة شديدة السواد، فهي امرأة غير مطلوبة للزواج.
وهذه الزيجة تُدحض أقوال المُغرضين وأكاذيبهم في تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي زُوِج بأمر من الله تعالى وليس حُباً في الزواج من النساء، وقد روي عنها خمسة أحاديث في "الصحيحين والبخاري".
قصة زوج "سودة" من النبي:
عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال : قالت عائشة رضي الله عنها " :لما تُوفيت "خديجة" رضي الله عنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم كان مهموما حزينا علي فُرقها جاءت "خولة" بنت حكيم ورفيقة "سودة" أثناء الهجرة في الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله مالي أراك قد دخلتك خُلة وحزنا لفقدك "خديجة" رضي الله عنها، قال لها: نعم هي أم أبنائي- وربة البيت، فقالت: ألا أخطُب لك؟، قال بلى فسألها ومن؟ قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا،
فقال: من البكر ومن الثيب؟... فذكرت له - عائشة بنت أحب خلق الله إليه وهو "أبوبكر" - بكرًا، وسودة بنت زمعة آمنت بك واتبعتك، وهي ثيب قال: اذكريهما علي: قالت: فأتيت أم رُومان فقلت: يا أم رُومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة! قالت: ماذا ؟ قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكُر عائشة. قالت: انتظري فإن أبا بكر آت.
ولقد كان المطعم بن عدي خطبها لابنه،... ووالله ما أخلف وعدا قط، تعني أبا بكر – قالت: فأتى أبو بكر المطعم فقال: ما تقول في أمر- عائشة، قالت: فأقبل على امرأته فقال لها: ما تقولين؟ فأقبلت على أبي بكر فقالت: لعلنا إن أنكحنا هذا الفتى إليك تُدخلهُ في دينك، فأقبل عليه "أبوبكر" فقال: ما تقول أنت؟ فقال: إنها لتقول ما تسمع، فقام أبوبكر وليس في نفسه من الوعد شيء، فقال لها: قولي لرسول الله "صلى الله عليه وسلم" فليأت، فجاء رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فخطبها ولم يدخُل بها.
قالت: ثم انطلقت إلى بيتُ "سودة" بنت زمعة، وكان أبوها شيخًا كبيرًا فحيته بتحية أهل الجاهلية، قال: من أنت؟ قلت: خولة بنت حكيم، فرحب بي وقال: وماذا تُريدين، قلت: محمد بن عبد الله بن عبدالمطلب يذكر "سودة" - قال: كفء كريم، وماذا تقول صاحبتك؟ قلت: أتُحبِ ذلك – قالت: نعم - فقال لها: قولي له فليأت.
قالت: فجاء رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فخطبها – قالت: وقدم عبد ابن زمعة أخو سودة فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: إني لسفيه يوم أحثو على رأسي التراب أن تزوج رسول الله "صلى الله عليه وسلم" "سودة".
فكانت "سودة" سيدة فاطنة وذات عقلٍ راجح، وظلت في كنفه أكثر من ثلاث سنوات حتى دخل النبي بعائشة رضي الله عنها فكانت "سودة" بنت زمعة خفيفة الظل وكثيرًا ما كانت تُضحك النبي "صلى الله عليه وسلم"، فكانت تقف خلف النبي وهو يصلي فكان يُطيل الركوع فتقول أمسكت بأنفي حتى لا يقطر دمًا فضحك النبي.
وفي يوم أرادت السيدة عائشة والسيدة حفصة رضي الله عنهما المزاح معها فقالا ظهر الدجال فخافت واختبأت في غرفة ولما خرجت وعليها الغبار ضحكا فلما أتي النبي قال: ما يضحكما فحكا له فضحكَ، كبُرت "سودة" ولما أراد النبي أن يُطلقها جلست على الطريق وقالت: يا رسول الله أُناشدُك الله أن تُبقيني معك وتستعطفه وتقول أنا كبيرة في السن وما بي رغبة في الرجال، وأحب أن أُبعث في أزوجك فأرجعني.
وقالت: إني وهبت يومي لعائشة فاستجاب النبي فرجعها، وهاجرت معه إلى المدينة وظلت حتى وفاته، وفي يوم أعطاها الخليفة "عمر بن الخطاب" سُرة من المال فقامت بتوزيعها على الفقراء والمساكين فكانت ذا سخاءٍ وكرم.
قالت عائشة: رضي الله عنها ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة، من امرأة فيها حدة، قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله لعائشة، قال ابن الأثير: كأنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها، قال عنها بن عباس: توفيت في أواخر خلافة "عمر بن الخطاب" رضي الله عنهما.