آراء

زياد عقل

13-9-2020 | 07:07

العلاقة بين الباحث في العلوم الاجتماعية والظواهر الاجتماعية تأخذ ثلاثة أنماط مختلفة:


الأول أن يقوم تخصص الباحث في إحدى هذه الظواهر على متابعة سلوكيات وأدبيات الظاهرة موضوع تخصصه، وبناء تراكم علمي في قضايا محددة، إلى المستوى الذي يسمح له بالقدرة على تحليل الظاهرة الاجتماعية ومكوناتها، وصولا إلى إمكانية استشراف مساراتها. وينتمي إلى هذه الفئة النسبة الأكبر من الباحثين في العلوم الاجتماعية.

النمط الثاني، أن تتجاوز علاقة الباحث بالحقل المعرفي الذي يعمل عليه حدود المتابعة من خارج الظاهرة، ليصبح جزءا منها، ما يؤدي إلى تحول الباحث في بعض الحالات إلى "ناشط". هذا المستوى قد يسمح للباحث بفهم دقيق للظاهرة أو القضية التي يعمل عليها، لكن ذلك قد يُوْقِعهُ في شَرَكْ "التماهي" مع الظاهرة، حيث نصبح هنا أمام باحثين "مؤدلجين" بالمعنى الاجتماعي أو السياسي، وتضيع لديهم القدرة على التمييز بين العمل السياسي وفهم وتفسير الظاهرة موضوع الاهتمام. هذا النوع من الباحثين غالبا ما يَفْقِدْ تدريجيا القدرة على التحليل العلمي الرصين للظاهرة الاجتماعية اعتمادا على أدوات تحليلية ومنهجية، حيث تصبح مثل هذه الأدوات -من وجهة نظرهم- "ترف" منهجي وأمور شكلانية تُفْقِدْ القضية جوهرها ومعناها، أو تُفْقِدْ الباحث مصداقيته.

النمط الثالث، هو نمط من الباحثين يحقق -ببراعة شديدة ونادرة- نوعا من المزج المتوازن بين التراكم النظري والمنهجي، من ناحية، والاقتراب من الظاهرة الاجتماعية موضوع الاهتمام، من ناحية أخرى، دون التماهي معها. بمعنى آخر، هو نمط من الباحثين يدرك أن فهما أعمق للظاهرة الاجتماعية موضوع الاهتمام، وفلسفة ودينامية عملها، ونمط تفاعلاتها مع الظواهر الأخرى المحيطة، يقتضي قربا أكثر من الظاهرة والتفاعل مع بعض مكوناتها وفاعليها، لكن لديه -في الوقت نفسه- القدرة على إدراك الحدود الفاصلة بين عمله كباحث يسعى إلى فهم أدق للظاهرة وبين خطورة التماهي مع الظاهرة، أو خطورة الانتقال من موقع الباحث إلى موقع "الناشط"، ما يحفظ له القدرة دائما على إخضاع الظاهرة الاجتماعية لأدوات البحث العلمي المنهجي والموضوعي. عدد قليل من الباحثين هم الذين يندرجون ضمن هذا النمط الثالث. زياد عقل كان من بين هؤلاء.
زياد عقل اختار العمل على ظواهر اجتماعية تقع بطبيعتها في منطقة وسط بين علم الاجتماع وعلم السياسة، أو ما يُعرف بعلم الاجتماع السياسي.

وهي ظواهر بطبيعتها تتسم بدرجة كبيرة من التعقيد، والحاجة لإخضاعها لعدد كبير من الأدوات التحليلية والاقترابات المنهجية العابرة للحقول المعرفية. زياد عقل أبدى قدرة هائلة على توظيف واستخدام هذه الأدوات والاقترابات، لكنه لم يكتف بذلك أبدا، فقد كان حريصا على الاقتراب من الظواهر التي عمل عليها دون أن يكون جزءا منها، ما مكنه من طرح مساهمات وأطروحات شديدة التميز في معالجة ظواهر لا يسمح إخضاعها لمناهج وأدبيات العلوم السياسية فقط بالوقوف على كامل أبعادها. وهكذا، استطاع زياد طرح مساهمات غير تقليدية لفهم ظواهر مثل ما عُرف اصطلاحا بموجة "الربيع العربي"، والحركات الاحتجاجية.. إلخ.

واستطاع أن يحول "كرة القدم" إلى موضوع للتحليل الاجتماعي والسياسي، فقدم سلسلة من التحليلات غير التقليدية حول العلاقة بين "الدولة والجماهير"، والعلاقة بين البروليتاريا والبرجوازية"، ومسألة الهوية، من خلال متابعته الدقيقة لهذه اللعبة الشعبية المهمة، وإخضاعها لاقترابات علم الاجتماع السياسي.

أربعة عوامل في تقديري وضعت زياد عقل ضمن هذه الفئة المتميزة من الباحثين:

أولها، "الموهبة". البحث في العلوم الاجتماعية وظيفة لها أدواتها المنهجية التي لا تُعِين الباحث فقط على فهم وتحليل، أو حتى استشراف مسار الظاهرة موضوع الاهتمام، لكنها تعينه أيضا على تحجيم وضبط الاعتبارات الذاتية؛ فيستطيع أن يتجنب مشكلات مثل الانحياز المسبق أو التوجه الأيديولوجي. لكن مع أهمية هذه الأدوات المنهجية فإن "الموهبة" لها اعتبارها الكبير؛ الباحث الموهوب لديه قدرة أكبر على الملاحظة والمقارنة والتحليل، وقدرة أكبر على إخضاع الظواهر الاجتماعية لأدوات التحليل المنهجية والأطر النظرية. زياد عقل كان باحثا موهوبا.

العامل الثاني، هو الخلفية الاجتماعية. زياد عقل نشأ في أسرة تنحدر أصولها الاجتماعية من إحدى قرى الريف المصري (قرية بهاده بمحافظة القليوبية). ورغم أنه قد قضى معظم حياته في أحياء القاهرة، لكنه لم ينقطع عن أصوله الريفية، وظل على اتصال دائم بها. هذه العلاقة سمحت له بفهم أعمق للظواهر الاجتماعية والثقافية، وللعديد من الثنائيات المهمة (الريف والمدينة، التقليدية والتحديث، الفقر والغنى.. إلخ)، ومصادر ومظاهر الحراك والتفاعل الاجتماعي في الريف المصري.. إلخ، أو ما يعرف بعلم "الاجتماع الريفي".

العامل الثالث -وهو عامل لا يقل أهمية عن العاملين السابقين- يتعلق بالتحاقه بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، صاحب المدرسة الرصينة في التحليل السياسي والاقتصادي، لكن تخصصات العدد الأكبر من خبراء وباحثي المركز يتوزعون على حقل العلوم السياسية بفروعه المعرفية المختلفة، خاصة العلاقات الدولية والنظم السياسية، ما دفعه ربما إلى اختيار تخصص أقل شيوعا يستطيع أن يحقق فيه تميزا، فاتجه إلى دراسة علم الاجتماع السياسي. لكنه كان اتجاها وافق موهبته واستعداداته البحثية.

العامل الرابع، تعلق بعلاقته بالموت، إذ توفي أخوه الوحيد محمد في سن مبكرة، ثم أبيه، ما أدى إلى سيطرة شعور لديه بأنه سيموت هو الآخر قريبا، أو أنه "ابن موت" كما كان يقول لنا دائما. هذه الخبرة شكلت لديه فلسفة "الاستمتاع" بالحياة ولكن على طريقة الباحث في علم الاجتماع، فانفتح على فروع معرفية أخرى، مثل الموسيقى والأدب الشعبي، ليبدأ بعدها في كتابة أول رواية له، ثم كتابة أول ديوان في الموال الشعبي، لكنه يموت فعلا قبل طباعتهما.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

اقرأ ايضا:
ما بعد السلام مع طالبان

في فبراير الماضي وقعت الولايات المتحدة وحركة طالبان أفغانستان اتفاق سلام، أسس لانطلاق مباحثات سلام بينها وبين الحكومة الأفغانية، يمكن أن تنتهي بتوقيع اتفاق سلام مماثل.

حرب باردة جديدة

منذ أن بدأت حالة الاستقطاب الراهنة بين الولايات المتحدة والصين، والتي تسارعت وتيرتها عقب بدء جائحة كوفيد-19، بدأ معها سيل من الكتابات حول دخول النظام العالمى

أزمة الإعلام المصري .. مسئولية من؟

أزمة الإعلام المصري .. مسئولية من؟

من يتولى توفير السلع العامة داخل النظام العالمي؟

النظام العالمى شأنه شأن الأنظمة الاقتصادية الوطنية؛ هناك سلع عامة لابد من اضطلاع طرف بإنتاجها وتوفيرها كشرط رئيسى لبقاء النظام وعمله بفعالية.

العقيدة السياسية للسيسي

العقيدة السياسية للسيسي

المؤسسية الدولية في مفترق طرق

التحولات العالمية الكبرى دائما ما تفرض على منظري العلاقات الدولية تساؤلات جوهرية تشغل حيزا ضخما من الاهتمام لحين الوصول إلى إجابات مُرضِية لها. فقد انشغل

مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة