آراء

بيروتشيما: وداعا للمدينة التى نعرفها!

10-9-2020 | 14:32

عندما تستدعى الذاكرة والوعى التحديث والحداثة وما بعد بعدهما، تطفو بجلال المدن والثورات الصناعية من الأولى إلى بشائر الرابعة. السجالات والجدالات الكبرى فى عالمنا، دارت فى المدن الحديثة وفضاءاتها السياسية والثقافية وجامعاتها، ولا تزال حتي اللحظة في عصر الرقمنة والذكاء الصناعى والثورة الصناعية الرابعة. من هنا شكلت المدن الحديثة قاعدة الأساس فى بناء الدولة الحديثة فى مصر، حول القاهرة والإسكندرية الكوزموبوليتانية، حتى أوائل عقد الستينيات من القرن الماضى، فى ظل حداثة مبتسرة، وسجالات محتدمة حول النهضة والتقدم .

كانت الطرز المعمارية الغربية ووظائفها الجمالية عاملا منشطا للتبادلات والتفاعلات الثقافية، وفى تيسير استمداد الأفكار الوافدة ومحاولة أقلمتها في الواقع المصري ، وفى الحوار الحى حولها. من هنا كانت المدينة الحديثة ابنة الحرية والسعى إلى التقدم. مع هزيمة يونيو 1967 تزايدت معدلات وموجات الترييف للقاهرة والإسكندرية وغيرهما من المدن الكبري، وهجرة بعض من المتمصرين والمصريين إلى أوروبا والخارج بعد التأميمات والإصلاح الزراعي، وأدت سياسات نظام يوليو إلى فرض عديد القيود على الحريات السياسية، وهو ما أدى إلى تنشيط وحيوية مدينة بيروت الكوزموبوليتانية - ست الدنيا- التى مثلت إحدي المدن العربية الحديثة الحاملة لروح الحداثة الفكرية والانفتاح على أوروبا والعالم، مع هامش من الحريات سمح به النظام الطائفى، لاسيما فى حريات التعبير والرأى حول الصحف، ودور النشر، على نحو أصبحت معه عاصمة النشر العربى. كانت المطاعم والمشارب تعبيرا عن ثقافة الخدمات، والريع الاقتصادى، وكانت بيروت تعبيرا عن أفق الحرية الذى لا يلامس طبيعة الدولة الهشة والنظام الطائفى وفساداته ووراثي مواقع القوة وتوزيعاتها داخل بيوتاته الكبرى ثم تحولات القوة بعد الحرب.

كانت ثورة عوائد النفط، عاملا مؤثرا مع تحويلات اللبنانيين فى الخارج، في تنشيط دور بيروت كميناء، ومصرف، وفضاء للراحة والاستجمام، لعرب النفط وأثريائهم، ثم تحولت الأمور بعد الحرب الأهلية، حيث تطورت البنى الأساسية فى إقليم النفط، بدءا بالبحرين حيث المصرف والاستجمام، ثم تغيرت الخدمات في كل بلدان المنطقة، وتحولت السياحة إلى ورقة ضغط سياسية بعد بروز الدور المحوري لحزب الله في التركيبة الطائفية، وانتقلت السياحة الخليجية والسعودية إلى مناطق أخرى فى المنطقة والعالم. تغيرت بيروت مع الترييف الذى بدأ مع حركة المحرومين، وتشكل الضاحية الجنوبية، بالنظر إلى تهميش الجنوب تنمويا وتاريخيا، وبعد ذلك ظهر حزب الله بوصفه القوة الأكبر الموازية للدولة. ادي ذلك الي موجات وراء أخري من الهجرة للخارج .

تزايد الطابع الريعى للمدينة، وأخذت روح بيروت العفية فى الانزواء، وبدأت تلوح انقسامات المكونات الطائفية فى شوارع المدينة، من حيث أنماط الاستهلاك اليومى من السلع والخدمات لاسيما فى أنظمة التعليم الأجنبى باهظة التكلفة، وفى أنظمة الزى المتعددة والمتنافرة، لكن بقايا روح بيروت والتعايش والحوار كانت حاملة لهذا التعدد فى الزى ما بين النمط الدينى المحجب، والنمط الأوروبى، وجعلته سائغا على الرغم من أنه يتنافى مع الإرث البيروتى فى نمط الحياة اليومية. منذ تحولات وسط المدينة، وشواطئ بيروت، أخذ المعمار ما بعد الحداثى على نمط الكيتش الخليجى والنفطى، يغزو عمران المدينة وطرزها، وتتباعد الموروثات المعمارية البيروتية والعثمانية إلى الظل، في أجواء من ارتفاعات هائلة لأسعار السكن تتجاوز الدول الأوروبية .

مع رفع دول الخليج دعمها للبنان، بسبب هيمنة حزب الله ودور إيران فى السياسة اللبنانية، وضعف الطائفة السنية وقادتها وهامشية دورهم فى اللعبة السياسية، تزايدت الضغوط، ومعها غياب الأمل، وموجات الهجرة، وتزايد معدلات البطالة والفقر الذى وصل إلى أكثرمن 45% من مجمل السكان.أدت هذه التراكمات إلى تآكل الطبقة الوسطى البيروتية وانهيارها، ومعها العصر البطولى التاريخى لها فى مجال الثقافة والتعليم، ودورها فى ثقافة الخدمات الريعية. تبدو الطبقة الوسطى المدينية فى حالة صراع مع الحياة ومصاعبها، فى نزعة كفاحية خلاقة ومؤلمة، فى ظل انهيارات الاقتصاد، وتبدو وكأن بعضها يتحرك ويفكر فى ظل الأقفاص والمعتقلات الطائفية، التى كسرت بعضا من عنفوانها وحيويتها وانطلاقها.

بعض الحيوية السياسية والفكرية العابرة للطوائف، ظهرت مع الحراك السياسى وانتفاضاته ضد الطبقة السياسية الطائفية الفاسدة محدودة الكفاءة والخيال السياسى.

تراجع فضاء المدينة، وأغلقت مرابعها ، وتحولت المقاهى في شارع الحمرا وغيره إلى مقاه على النمط الأمريكى، أو لتعاطى النارجيلة، وأنماط جيلية مختلفة تجلس وأمامها أجهزة اللاب توب، أو الموبايل، ولا تستطيع إلا نادرا أن تجد وجه المدينة القديم الذى يبدو شاحبا بعد انفجار الميناء. كانت بيروت فضاء حرا لتجديد اللغة العربية، وتلقيحها بالمفردات الجديدة المعربة، كانت مدينة للغة والمعنى والخيال، لكن ترهلت مع موت اللغة السياسية الخشبية على نحو ما تستخدم فى الخطاب السياسى اليومى. وداعا لبيروت التى نعرفها!

نقلا عن صحيفة الأهرام

أزمات الهوية والحروب الأهلية

استخدمت أنظمة ما بعد الاستقلال التسلطية فى العالم العربى، تحديدها للهوية الوطنية، كسردية كبرى للتعبئة السياسية وراء سياسات السلطة وكأداة لبناء شرعياتها

انشطارات الهوية الوطنية والانفجار الهوياتي

أسهمت سياسة اللا سياسة وموت السياسة التى اعتمدت على القمع المادى والأيديولوجى والرمزى فى إحداث حالة من الإنكار للواقع الموضوعى المتعدد فى تكوين غالب المجتمعات

الدولة الريعية.. وهوياتها الهشة

أدى تدفق دماء الشهداء المصريين والسوريين في حرب التحرير الوطنية -6 أكتوبر 1973- للأراضي المحتلة من قبل العدوان الإسرائيلي، إلى انفجار عوائد النفط على نحو

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة