كتاب الأهرام

مُعارَضة تلهث وراء الحكومة

29-8-2020 | 01:04

كان فنان الكاريكاتير العظيم حجازى قليلَ الكلام، وكان يختصر رأيه مثل تعليقاته على رسومه، حيث يجمع معانى كثيرة عميقة ويُغلِّفها بالسخرية.

كنا مجموعة صغيرة نلتقى فى منزله فى يوم محدد أسبوعياً فى بداية التسعينيات، قال مرة تعليقاً على كلام دائر إن مصر مبتلاه بفئتين: أولاهما الفئة المعروفة التى تضم المؤيدين دائماً للحكومة، وأى حكومة سابِقة أو لاحِقة، وهم بلا برنامج معلن وليس لهم رؤية سياسية أو فكرية يمكن رصدها، يلهثون وراء الحكومة لتأييد كل ما يبدر منها، وقد يجتهد بعضهم فى تحليلاته المؤيدة فيشهد للحكومة زوراً بأنه علم من مصادره أنها سهرت الليالى وجمعت الخبراء ولم تدع تفصيلة واحدة قبل اتخاذ قرارها حرصاً منها على النفع العام والمصلحة الوطنية.

أما الفئة الثانية، كما قال حجازى، فإننا، للأسف، لا نوليها الاهتمام الذى تستحقه، لأن فيها أيضاً من يلهثون وراء الحكومة، ولكن لمعارضتها! وهؤلاء غير المعارَضة الأساسية لأى نظام ديمقراطى، لأنهم أيضاً بلا برنامج ولا أفكار ولا رؤية سياسية، ولكنهم ينتظرون أى قرار من الحكومة ليعارضوه!

وقال إن مجموعة من هؤلاء الأخيرين لا يتصرفون هكذا لتحسين شروطهم فى التفاوض مع الحكومة على مكاسب خاصة، وإنما هم متمسكون بآرائهم وعلى استعداد لدفع ثمن ما يقولون إنه موقفهم المبدئى، بل إنهم لا يعبأون أن تبدو آراؤهم كوميدية، ضد المنطق، بل إنهم يُحرِّمون على أنفسهم وعلى غيرهم موافقة الحكومة على قرار صائب، ويعتبرون هذا تقاعساً عن دورهم التاريخى!

وأحس حجازى أنه تحدث كثيراً فسكت! وظل هذا المعنى فى رأسى، يطل من آن لآخر، خاصة هذه الأيام التى تشهد أوضح أمثلة على هؤلاء المستعدين على وضع أنفسهم فى مواقف كوميدية، وهم يتصورون أنهم يؤكدون موقفهم المبدئى الذى لا يلين فى معارضتهم للحكومة، فيرفضون كل شىء وأى شىء، حتى المشروعات العملاقة التى كانوا فى السابق يحلمون بها، عندما كانت تتجاهلها حكومات مُتعاقِبة، مثل الطرق والكبارى والأنفاق، التى تربط أحياء القاهرة، وتُقرِّب أطراف البلاد، وتُوصِل سيناء بالوطن برياً لاول مرة..إلخ!

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة