آراء

أيام مع نجيب محفوظ (26) والأخيرة

5-8-2020 | 00:14

لم يكن الأستاذ نجيب محفوظ يجيب أبدًا على سؤال يتعلق بما يكتب، ربما في مرات نادرة قديما وحديثا، ومن بين تلك المرات عندما سألته في مطلع العام 1994، وقبل محاولة الاغتيال، عما يكتب فقال إنها تأملات يصعب تصنيفها ضمن جنس القصة القصيرة، وإنما هي أقرب إلى "أفكار قد تصلح للنشر ونعيش عليها زمنًا" أو أنها "تخاريف عجوز"!.


وكانت "أصداء السيرة الذاتية"، التي نشرها ملحق الجمعة في "الأهرام"، وظلت مصدر قلقه وفكره، وذلك بسبب أنه، وخلافا لما تعود عليه من صرامة، كتبها بلا خطة مسبقة ومن دون أية نية في النشر.. وجاءت التأملات عاكسة لبعض مناخات من ظلال عمله الروائي "المرايا"، كما أنها تميزت "بشاعرية مرهفة"، وكل مقطوعة فيها تبدو درسًا في الكتابة الإبداعية، ما جعلها شهادة غير نهائية من محفوظ عن عالمنا الراهن.

وهكذا فإن محفوظ لا يبوح حتى بعد الكتابة بأسرار عالمه الروائي إلا ما ظهر منها أو أراد له الكشف.. ويدخل في ذلك روايات المكان عنده، فهي كما هو شائع: خان الخليلي، زقاق المدق، بين القصرين، قصر الشوق، والسكرية، لكنني قلت له ذات مرة بعد نحو سنة من فوزه بجائزة نوبل، إنني وجدت "حارة الحرافيش" التي كتبت عنها رواية "ملحمة الحرافيش".. فاندهش وسألني باستغراب عما إذا كانت هناك حارة بهذا الاسم؟!.

كنت في طريقي إلى دار المحفوظات في القلعة واختصرت الطريق من شارع صلاح سالم، حيث عرجت يمينًا داخل المقابر، وصعد بي الطريق إلى الدار، وركنت الـ128 البيضاء بجوار ساحة فارغة ملاصقة لسور القلعة، ووجدت على يميني "باب الوداع" وفي مواجهتي مباشرة حارة الحرافيش.. ولما أنكر محفوظ معرفته بهذه الحارة صممت واتفقت معه على أن آخذه إليها.. وهو الاتفاق الذي لم يتم على الإطلاق.

قرأت "الحرافيش" التي لم يضعها ناقد ضمن روايات المكان في أدب محفوظ، ووجدت أنه لم يذكر فيها اسم الحارة مطلقًا، وإنما ذكر الحرافيش في مواضع كثيرة، ليس باعتبارهم أبناء الحارة، ولكنهم الغالبية المطحونة فيما يحيط بها من خلاءات وخرابات وجحور، كما أنهم الفقراء والمهملون والمهمشون والثوار إذا سنحت الظروف.

وخلال كتابتي لتلك الأيام عن رؤيتي لنجيب محفوظ أو كما وصفها الكاتب والصديق مصطفي عبدالله بـ"أيام محفوظ في مرآة الشاذلي" حرصت على الذهاب إلى مسجد نجيب محفوظ على طريق مصر إسكندرية الصحراوي.. بعدها بأيام ذهبت إلى حارة الحرافيش، والتقطت صورة.

وفي الرواية كانت "الحارة" دائما ويتزعمها فتوات أغلبهم من أبناء وأحفاد عاشور الناجي، وكذلك "التكية" و"الزاوية" و"نقطة البوليس: و"شيخ الحارة" و"الخلاء".. وبحثا عن مكان الرواية، فيمكن ربطه بحي الحسين، لكنه ذات مرة اقترب من مكان حارة الحرافيش الحقيقية، عندما صور زفة فتوات وصلت إلى ميدان القلعة.

وعدت إلى الجزء الثاني من "الخطط الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة" تأليف (الجناب الأمجد والملاذ الأسعد سعادة علي باشا مبارك حفظه الله ـ الطبعة الأولى بالمطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر المحمية سنة 1304 هـ ).. وفي باب شارع الدحديرة صفحة 101 ذكر علي مبارك أن أوله من شارع المحجر تجاه حارات المارستان وآخره بوابة القرافة بجوار جامع الأنسي وطوله ثلاثمائة وثلاثين مترًا وبه من جهة اليسار ثلاث عطف ودروب وهي عطفة النبلة غير نافذة، عطفة الحرافيش غير نافذة أيضًا وبداخلها زاوية تعرف بزاوية الحوكاني شعائرها معطلة لتخربها ونظرها للأوقاف، وضريحان أحدهما لسيدي جعفر والآخر يقال له ضريح الشرفا، عطفة التكية بها زاوية صغيرة تعرف بزاوية الشيخ رجب لأن بها ضريحه يعمل له مولد كل سنة وشعائرها مقامة من جهة سكان هذه الجهة، درب النخلة غير نافذ.

و"ملحمة الحرافيش"، التي كتبها محفوظ في عام 1977 هي رواية تساؤلات كبرى، وبحث في العدالة والحرية، اللذين ظل محفوظ مشغولاً بهما في أدبه، وهو يراهما طريقا أكيدًا إلى عالم تسوده الديمقراطية ويقوده العلم النافع للبشرية.. وأتذكر عشية بدء القرن الحالي، وقد كتب لنا محفوظ في مجلة "الوسط" وكتاب عرب رسائل للقرن.. كتب محفوظ: "عزيزي القرن المقبل.. إنني أتوجه برسالتي إليك ليقرأها العالم العربي، وأؤكد أننا لن يكون لنا كأمة أي مستقبل من دون الديمقراطية والعلم".

ليس هذا فحسب كان نجيب محفوظ يؤمن بالأجيال الجديدة في الأدب، ولم يكن يخلو حوار له من ذكر أسماء متميزة، ورغم ضعف بصره في سنواته الأخيرة، بسبب حساسية العين، ثم الأذى الكبير بعد محاولة الاعتداء عليه، توقف عن القراءة، لكنه كان دائم السؤال عن الجديد والمتابعة من خلال السمع، وذكر لي في حوار أخير معه أن صديقًا من المغرب قال له: "الأدب الجديد يتطلب قارئا جديدا.. وهذه كلمة حكيمة".. وقال لي: "أوصي الأجيال الجديدة بالاستمرار مهما كان النقد الذي يوجه إليهم، إنهم المستقبل والغد ونحن الماضي، سوف تستمر محاولاتكم بين الرفض والقبول إلى أن تأسسوا لأنفسكم جمهورا يقرأ لكم ويتابعكم".

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (3)

احتفل الأهرام بعيد الميلاد الخمسين للأستاذ نجيب محفوظ، وكان صاحب الفكرة أحد أفراد شلة الحرافيش وهو الرسام والشاعر صلاح جاهين، لمعرفته بولع الأستاذ محمد

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة (2 - 3)

أعادتني دراسة الدكتور محمد حسام الدين إسماعيل الصحفي في أدب نجيب محفوظ (العربي للنشر 2021) إلى الأجزاء الأربعة من كتاب الناقد والمبدع مصطفى بيومي معجم

محمد الشاذلي يكتب: نجيب محفوظ والصحافة..

اقترب الأستاذ نجيب محفوظ والذي تحل ذكرى رحيله الخامسة عشرة اليوم الإثنين من الصحافة كثيرًا، وذلك من خلال كتاباته الأولى، واللقاءات والحوارات التي أجرتها

محمد الشاذلي يكتب: حادث فجر الثلاثاء على طريق دهشور

حولت الحكومة طريق دهشور المهترئ إلى طريق جميل بكل المقاييس بعد أن كان السير فيه مخاطرة كبرى، وزادت إضاءته ونظافته وجودة الأسفلت، ثم المحال التجارية من

محمد الشاذلي يكتب: انتصار للحياة..

بدا جليًا مدى الانتصار لإرادة الحياة في أولمبياد طوكيو 2020 خصوصًا مع الأيام الأخيرة في الدورة والتي تجلت فيها ألعاب القوى والسباحة والجري بمسافاته المتنوعة، وآخرها سباق الماراثون بطول 42 كم.

متحف عم مكرم لفن السينما

يملك هذا الرجل متحفًا فريدًا للسينما المصرية، يقع ويستحوذ على كل شقته في سيدي بشر بالإسكندرية، وبعد أن ضاق بمن لا يحفل به، أو يسعى لحفظه، وهو في سن الشيوخ

تونس والعون المصري

بدأت تونس في تلقي مساعدات مصرية وعربية لمواجهة تفش قاتل لوباء كورونا لم تتمكن المنظومة الطبية في البلاد من مواجهته، كما تذهب إليها مساعدات دولية وإفريقية لكن بشكل متقطع.

سد النهضة .. واجبات مجلس الأمن!

على الرغم من التصريح الصادم لرئيس مجلس الأمن السفير الفرنسي نيكولا دو ريفيير، من أن المجلس ليس لديه الكثير الذي يمكنه القيام به في أزمة سد النهضة الإثيوبي،

سد النهضة .. أسئلة جديدة

... تكلفة التعاون أرخص من تكلفة الحرب .. هكذا لخص وزير الري والموارد المائية محمد عبدالعاطي، موقف القاهرة من أزمة سد النهضة مع أديس أبابا.. وعشية مغادرته

فضيلة الإمام .. ليحتفل الأزهر بمرور ستين عامًا على تطويره

يعود الجدل مجددًا إلى قضية تطوير الأزهر، والذي بدأ مع قرار التطوير قبل ستين عامًا (القانون رقم 103 لسنة 1961م) ويريد البعض الآن عودة الأزهر إلى الدراسات

العودة إلى غزة

لم يكن تخصيص الرئيس السيسي 500 مليون دولار لإعادة تعمير غزة سوي مقاربة جديدة للدولة المصرية في هذا الملف الشائك، فقد عاد الصراع إلى غزة على خلفية أزمة

الكتاب المسموع

غيرت كورونا الكثير من عاداتنا، وسلوكياتنا، وأظهرت براعات متنوعة، لكنها في الغالب الأعم كانت تتفنن في الاحتيال على الفيروس، وليس في تقنين الاستفادة السلوكية

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة