آراء

أزمة الإعلام المصري .. مسئولية من؟

20-7-2020 | 14:56
Advertisements

فى مقاله «إنقاذ الإعلام المصري... مسئولية من؟» المنشور بعدد الأهرام، الجمعة 17 يوليو الحالي، حاول الكاتب الكبير فاروق جويدة تشخيص أزمة الإعلام المصرى وكيفية إصلاحه، داعيا إلى مراجعة ما وصفه بجوانب القصور. قضايا كثيرة طرحها الأستاذ جويدة تثير النقاش والجدل. لكن ما دفعنى للكتابة هنا أهمية الموضوع أولا، وما تضمنه المقال من بعض الفرضيات التى أراها ليست فقط غير دقيقة، ولكن عدم الرد عليها قد يكرس استنتاجات خاطئة لن تساعدنا فى تشخيص دقيق لطبيعة مشكلة الإعلام المصرى ومصادر أزمته الراهنة، ما يستوجب عرض وجهة نظر أخرى حول بعض هذه الفرضيات.

 
فى تشخيصه لأزمة الإعلام المصرى لم يشر الأستاذ جويدة إلا إلى سبب واحد تقريبا فى هذه الأزمة وهو الدولة، وهو ما عبر عنه بقوله «إن الدولة أهملت إعلامها الحكومى وتركته يعانى ما بين الإفلاس والإهمال وغياب الهدف»، وفى ذلك اختزال شديد فى فهم طبيعة الأزمة الراهنة التى يمر بها الإعلام المصرى والصحافة القومية. أزمة الإعلام المصرى هى أزمة مركبة شديدة التعقيد، ساهمت فيها تحولات ضخمة تتجاوز دور ومسئولية الدولة بالتأكيد. هذه الأزمة هى نتاج لتحولات ضخمة، بدءا من التحول العميق فى سوق الإعلان واقتصاديات الإعلام بشكل عام، ما أدى إلى تبعات سلبية ومؤلمة على موازنات وهياكل إنفاق وإيرادات المؤسسات الإعلامية والصحفية. أضف إلى ذلك التطور المتسارع فى تكنولوجيا المعلومات وما إتاحته من تقنيات وأدوات إعلامية ليس من اليسير تأقلم الإعلام التقليدى معها، وهو تأقلم يحتاج إلى وقت، وإلى قدرات مالية ضخمة، فضلا عن حاجته إلى كوادر مهنية لديها القدرة على تحقيق هذا التأقلم وإدارته. الإعلام المصرى يمتلك بالتأكيد هذه الكوادر لكنها ليست العنصر الوحيد فى معادلة الإصلاح. هى أزمة ترتبط أيضا بطبيعة الهياكل المالية للمؤسسات الإعلامية والصحفية فى مصر. لقد بُنيت هذه الهياكل المالية فى ظل مرحلة من الوفرة المالية التى تمتعت بها هذه المؤسسات، ما أدى إلى توسع القائمين عليها آنذاك فى جوانب الإنفاق (التوسع الأفقى فى شكل القنوات والإصدارات الورقية، التوسع فى التعيينات دونما اعتبار لعامل الكفاءة.. إلخ).
 
هذه فقط بعض أمثلة على مصادر هيكلية لأزمة الإعلام المصري، تجعل من الصعب ليس فقط اختزالها فى متغير أو عامل واحد، لكن من الظلم وعدم الموضوعية تحميلها للدولة وحدها. الأخيرة ليست سوى الوريث لماكينة ضخمة كانت تعمل بكفاءة عالية فى مرحلة مضت، وما أن بدأت أمراض وأعطال الماكينة فى الظهور حتى بدأنا فى البحث عن مالكها، نطالبه بإصلاحها وإعادتها إلى سابق عهدها.
 
هذا لا يعنى عدم مسئولية الدولة عن عملية الإصلاح، أو التأسيس لتنصلها من هذه المسئولية، لكن لابد من وضع قضية الإصلاح تلك فى سياقها السليم. ويمكن الإشارة هنا إلى عدد من النقاط.
 
الأولي، أن إصلاح الإعلام المصرى ليس سوى أحد الملفات المهمة التى ورثتها الدولة المصرية بعد يوليو 2013، بجانب ملفات أخرى عديدة (بنية تحتية قديمة ومتهالكة، تعليم يحتاج إلى تطوير لوضعه على الطريق الصحيح وفقا للمعايير الدولية، قطاع صحة يقوم على مفاهيم قديمة وبنية تحتية غير مواتية، بيئة إقليمية معقدة مُولٍدة للأزمات والتحديات.. إلخ)، وهو ما كان يقتضى العمل وفق أولويات محددة. ومع ذلك، فإن الدولة المصرية لم تغفل قضية إصلاح الإعلام، بل كانت القضية حاضرة وبقوة فى الخطاب السياسي، كما أشار الأستاذ جويدة. الثانية، وانطلاقا من تعقد أزمة الإعلام ومن ثم تعقد عملية الإصلاح، فإن الأخيرة كان لابد أن تتسم بالشمول؛ فالإصلاح الحقيقى ليس فقط عملية مالية، لكنه عملية مالية وإدارية، وهى قبل ذلك كله عملية دستورية بالنظر إلى طبيعة نمط ملكية المؤسسات الإعلامية والصحفية القومية، والتى أثارت تساؤلات كبيرة حول طريقة إدارتها عقب إلغاء مجلس الشورى فى دستور 2014 والأخذ بنظام الغرفة البرلمانية الواحدة، الأمر الذى استوجب بناء إطار متكامل يعنى بعملية الإصلاح والإشراف عليها. ومن ثم، فإن عملية الإصلاح بدأت بالفعل مع المراجعة الدستورية التى انطلقت عقب ثورة يونيو 2013، والتى انتهت باستحداث ثلاث مؤسسات (المجلس الأعلى للإعلام، الهيئة الوطنية للصحافة، الهيئة الوطنية للإعلام)، حيث منحها الدستور صلاحيات محددة فى التعامل مع هذا الملف بجوانبه وأبعاده المختلفة، وضمن لها الاستقلال الفنى والمالى والإدارى والموازنة المالية المستقلة. لقد مرت دورتان من عمر هذه المؤسسات الثلاث، لكن لا يمكنها بأى حال من الأحوال إنهاء عملية الإصلاح تلك بين يوم وليلة، فما تراكم من أزمات عبر عقود لا يمكن حله فى سنوات معدودة.
 
قضية إصلاح الإعلام المصرى كما سبق القول هى قضية شديدة التعقيد، ذات أبعاد مالية وقانونية وإدارية. ويكفى أن نشير هنا إلى العلاقة المعقدة بين المؤسسات الإعلامية والموازنة العامة للدولة، فالهياكل المالية للمؤسسات الصحفية على سبيل المثال ليست جزءا من هذه الموازنة، كما أن العاملين بها ليسوا من بين الموظفين الحكوميين أو الجهاز الإدارى للدولة، وذلك رغم أنها مؤسسات قومية مملوكة للدولة. هذه الإشكالية تُرتبْ تعقيدات ضخمة فى أى عملية إصلاح، وتثير وجهات نظر متضاربة بشأن الكثير من القضايا والمشكلات، بدءا من الخلاف حول طبيعة وظيفة الإعلام الرسمى (المرئى والمكتوب والمسموع) وعلاقته بالدولة، حيث يرى البعض أنه يجب معاملته كخدمة مدفوعة من الدولة، بينما يرى آخرون أنه يجب أن يخضع لاقتصاديات السوق بشكل كامل، وانتهاء بإشكالية الديون القائمة على المؤسسات الإعلامية والصحفية التى يأخذ بعضها شكل الديون السيادية التى لا يمكن تحرير المؤسسات منها بقرارات حكومية. وبين هذا وذاك، هناك قائمة لا حصر لها من الخلافات ووجهات النظر. بمعنى آخر، فإن قضية الإصلاح هنا تتطلب إجابات تفصيلية على كم هائل من الأسئلة الشائكة. وأحسب أن الهيئات الصحفية والإعلامية الثلاث قد بلورت إجابات محددة على الكثير من هذه الأسئلة خلال دورتها الأخيرة المنتهية فى يونيو الماضي، والتى سيتم البناء عليها واستكمالها فى الدورة الحالية بالتأكيد.
 
النقطة الثالثة، أنه خلال السنوات الأخيرة، وقبل أن تأخذ خطة الإصلاح شكلها النهائي، لم تتأخر الدولة فى ضخ رؤوس الأموال فى الهياكل المالية للمؤسسات الإعلامية والصحفية القومية، من خلال الهيئات الإعلامية المنوطة. ودون هذه المساعدات لم يكن لهذه المؤسسات القدرة على الاستمرار فى ظل هذه التحديات. بعض المؤسسات الصحفية المهمة استطاعت أن تدشن تجربتها فى إصلاح هياكلها المالية، لكن هذه المساعدات كانت شديدة الأهمية فى حالة الكثير من المؤسسات الأخرى. حجم المساعدات المالية التى تم ضخها فى الهياكل المالية للمؤسسات الإعلامية والصحفية خلال السنوات الست الأخيرة يدحض أى حديث عن إهمال الدولة «إعلامها الحكومى وتركته يعانى ما بين الإفلاس» كما ذهب الأستاذ جويدة.
 
النقطة الرابعة، تتعلق بما أشار إليه الأستاذ جويدة حول مسئولية الدولة عن مضمون الإعلام، أو كما قال: «ومضى الإعلام المصرى ما بين التخبط والعشوائية فى الفكر والهدف، وكانت النتيجة ما نراه الآن، حيث غابت القضايا الحقيقية التى يعيشها المجتمع وتسطحت عقول الناس حتى وصلت إلى درجة من البلاهة والسذاجة»، وهو استنتاج يثير فى الحقيقة سؤالا مهما حول صناعة الرسالة الإعلامية، والمنتجات الإعلامية بكل أشكالها؟ هل الدولة هى المسئولة عن صناعة هذه الرسالة وهذه المنتجات؟ إن تحميل الدولة هذه المسئولية بشكل كامل هو اختزال آخر وقع فيه الأستاذ جويدة. الرسالة الإعلامية -بكل أشكالها- هى نتاج عوامل عدة، من بينها المجتمع نفسه، الذى أصبح عنصرا مهما فى هذه الصناعة. التحولات المجتمعية، خاصة على المستويين الثقافى والاجتماعي، كان لها تأثيرها فى طبيعة الطلب على سمات وخصائص السلع والمنتجات الإعلامية، ما أدى إلى تغير فى طبيعة العرض المتاح من هذه السلع. هذا لا يعنى التسليم بأن يكون العرض المتاح هو استجابة لطبيعة هذا الطلب. وأعتقد أن هذا يحدث بالفعل، بدليل وجود سلع ذات مواصفات راقية مثالها المهم مسلسل «الاختيار» الذى عُرض خلال شهر رمضان الماضي، والذى وافق طلبا رشيدا وراقيا داخل المجتمع. لكن ستظل هناك بعض أوجه القصور التى لن يقبلها الأستاذ جويدة وكل من يحلم بمنتج إعلامى راق، وهو حلم لن يتحقق حتى يتجاوز المجتمع المصرى كل آفات التحولات الاجتماعية التى كان لها تأثيرها على نمط الشخصية المصرية. الدولة قد تكون قد دخلت سوق الإنتاج كما أشار الأستاذ جويدة، لكنها ليست اللاعب الوحيد فى هذه السوق، فهل إعلام الدولة فقط هو الذى يعانى المشكلات التى أشار إليها الأستاذ جويدة؟ أم أن القضية أشمل وأعم وأعمق من ذلك بكثير، وتتعلق بواقع الإعلام، وتحولات اقتصادياته فى مصر والعالم؟ وإلا لماذا لم يقدم الإعلام الخاص تجربته الرائدة بعيدا عن الدولة؟! قضايا كثيرة يثيرها مقال الأستاذ فاروق جويدة تحتاج إلى جدل ونقاش. لكن هذا ما تسمح به المساحة المتاحة.
 
* نقلًا عن صحيفة الأهرام

اقرأ أيضًا:
Advertisements
ما بعد السلام مع طالبان

في فبراير الماضي وقعت الولايات المتحدة وحركة طالبان أفغانستان اتفاق سلام، أسس لانطلاق مباحثات سلام بينها وبين الحكومة الأفغانية، يمكن أن تنتهي بتوقيع اتفاق سلام مماثل.

زياد عقل

العلاقة بين الباحث في العلوم الاجتماعية والظواهر الاجتماعية تأخذ ثلاثة أنماط مختلفة:

حرب باردة جديدة

منذ أن بدأت حالة الاستقطاب الراهنة بين الولايات المتحدة والصين، والتي تسارعت وتيرتها عقب بدء جائحة كوفيد-19، بدأ معها سيل من الكتابات حول دخول النظام العالمى

من يتولى توفير السلع العامة داخل النظام العالمي؟

النظام العالمى شأنه شأن الأنظمة الاقتصادية الوطنية؛ هناك سلع عامة لابد من اضطلاع طرف بإنتاجها وتوفيرها كشرط رئيسى لبقاء النظام وعمله بفعالية.

العقيدة السياسية للسيسي

العقيدة السياسية للسيسي

المؤسسية الدولية في مفترق طرق

التحولات العالمية الكبرى دائما ما تفرض على منظري العلاقات الدولية تساؤلات جوهرية تشغل حيزا ضخما من الاهتمام لحين الوصول إلى إجابات مُرضِية لها. فقد انشغل

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة