آراء

لبنان والانتحار جوعا

6-7-2020 | 15:36

«لست كافرا ولكن الجوع كافر»، عبارة كتبها لبنانى على صدره حين أقدم على الانتحار فى وسط بيروت. المشهد أذهل الناس فى الداخل وفى الخارج. لم يتصور أحد أن لبنانيا نشأ على حب الحياة، والسعى الدائم وراء الرزق فى الداخل أو وراء البحار وعلى بعد آلاف الكيلومترات، قد يُقدم على فعلة الانتحار بسبب الجوع. الواقعة ليست الوحيدة التى تكشف إلى أى مدى يفعل الجوع والضائقة الاقتصادية فى نفوس الناس. والمدى الذى وصل إليه حال لبنان الدولة والمجتمع من اهتراء وضعف. هناك من وُجد فى منزله ميتا للسبب ذاته، وهناك من لجأ إلى السرقة من المنازل، وهناك من استخدم السلاح فى الصيدليات ومخازن السلع للحصول على ما يتوافر من ألبان الأطفال، أو كميات هائلة من الخبز تحسبا لوقت قد لا يتوافر فيه الطحين. وفى الخلفية أزمات فى الوقود وفى الطحين وفى الغذاء وفى الكهرباء. وأيضا مظاهرات احتجاج عن تردى المعيشة وضعف أداء الحكومة. مشاهد صادمة بكل المقاييس. تكشف عن وجه جديد وبائس للبنان الذى كان يُضرب به المثل على المجتمع الحى والمنفتح والمتعدد سياسيا وطائفيا. لبنان اليوم ليس لبنان قبل عقد واحد، كل شئ فيه أصبح مختلفا، وما يُحزن أنه انحدار إلى الأسوأ. لسنوات طويلة كانت تجربة لبنان فريدة كبلد يتعايش فيه الجميع رغم تباين وتعدد العقائد والطوائف والملل، وفق صيغة من الديمقراطية التوافقية المصحوبة بنظام اقتصاد حر، وكان سببا فى تماسك البلد رغم المحن والحروب والاعتداءات الإسرائيلية. حتى الحرب الأهلية التى استمرت خمسة عشر عاما وإن أثرت على علاقات الطوائف وجرحت الكثير من المسلمات التاريخية، لكنها كانت أقل تأثيرا على وجود مؤسسات حيوية لا تستقيم أى دولة الا بتلك المؤسسات، كالمصرف المركزى اللبنانى كمؤسسة تدير النقد وتحافظ على حرية الاقتصاد اللبنانى، واستطاع رغم كل الضغوط المحافظة على استقرار الليرة اللبنانية فى مواجهة العملات الأخرى، وبالتالى بقاء الليرة رمزا لوحدة لبنان, والآن تغير الأمر كليا.


فمنذ ما قبل جائحة كورونا المستجد، اختلط الكثير من الاوراق الاقتصادية والسياسية والمجتمعية، وجاءت الجائحة لتزيد معاناة اللبنانيين كافة ما عدا قلة من النخبة السياسية من كل الطوائف، استمرت فى واجهة الأحداث رغم مطالب الحراك الشعبى برحيلها، ورغم دورها المعروف والمشهود فيما وصل اليه لبنان من تراجع وتدهور، تعبر عنه قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الذى لم يعد موجودا حتى فى المصارف الخاصة، وبات نادر الوجود فى المصرف المركزى، ما اثر على ارتفاع هائل للأسعار وتكاليف المعيشة بوجه عام. احصاءات الفقراء رسميا زادت على 25 فى المائة من جملة الشعب، ومن انخفضت رواتبهم اكثر من الثلثين يقتربون من 30% من السكان. وصار المواطن اللبنانى البسيط بين اختيارين كارثيين, إما الموت جوعا ببطء، وإما الموت سريعا بالانتحار. فى الأسابيع القليلة الماضية وصل اختلاط الأوراق وإلهاء اللبنانيين إلى مستوى جديد من البؤس واللامسئولية من قبل أصحاب القرار سواء فى الحكومة أو فى القوى السياسية والحزبية ذات النفوذ الفائق. وجسد الجدل حول مسئولية محافظ البنك المركزى عن أزمة لبنان الاقتصادية وتحميله المسئولية عن انهيار قيمة الليرة بأكثر من 80%، ارتباكا سياسيا واحتقانا مجتمعيا غير مسبوق، فى وقت يعلم الجميع بمن فيهم رئيس البلاد ورئيس الحكومة وكل المشاركين فيها أن الأزمة الاقتصادية والمالية فى البلاد أكبر كثيرا من قدرة البنك المركزى اللبنانى وحده، وأنها تعود إلى تراكمات سنوات طويلة وممتدة جلبت الفساد وإهدار المال العام والتهريب عبر المنافذ غير الشرعية والاستدانة من الخارج بما يفوق قدرات الاقتصاد اللبنانى، وإلى غياب الإصلاحات الهيكلية وتدخلات القوى السياسية فى إدارة وزارات مهمة كوزارة المالية والصحة والصناعة وغيرهما، وأيضا فى عمل مؤسسات كبرى كالكهرباء والاتصالات والطيران، دون ان يكون للبنك المركزى أى مسئولية مباشرة فى هذا الهدر المنهجى والإفساد المنظم، مع أنه يتحمل شقا لا بأس به من تلك المسئولية لأنه لم يتخذ القرارات النقدية المناسبة فى الوقت المناسب، واستجاب لضغوط القوى السياسية النافذة. فالبنوك الخاصة هّربت مليارات الدولارات بصورة غير مسئولة وغير شرعية فى فترة وجيزة ومستغلة أجواء أزمة فيروس كورونا، والمضاربات التى تحدث بين مجموعات الصرافين غير الشرعيين بهدف رفع سعر بيع الدولار من أجل جمعه من الداخل وتهريبه الى الخارج، خاصة سوريا وايران، يُسأل عنها مؤسسات أخرى كالمالية والداخلية والقوى الحزبية التى تضفى حماية خاصة على هؤلاء الصرافين غير الشرعيين، لأن بعضهم يجمع تلك الملايين من الدولارات خدمة لهذا لحزب أو ذاك، دون مراعاة لمصالح البلاد. والمؤسف أن تكون تلك القوى الحزبية شريكا رئيسيا فى حكومة حسان دياب التى يُفترض أنها جاءت لتحقيق إصلاحات كبرى ولوقف كل المآسى الاقتصادية التى ضربت لبنان واللبنانيين. متغيرات كثيرة تحيط بلبنان، بعضها فى الداخل وبعضها فى الإقليم، تجعل أزمته الاقتصادية والمالية غير قابلة للحل ما لم تلتزم كل القوى السياسية، ولاسيما الشريكة فى الحكم، بروح المسئولية تجاه البلد ككل، وأن تفصل بين مصالح قوى وبلدان قريبة من أفكارها وأيديولوجيتها، وبين مصالح لبنان الأساسية، ودون هذه الخطوط الفاصلة ستظل الأزمة فى طور الاشتعال حتى الانفجار الذى سيضر بالجميع.

الحكايات المتناثرة بين اللبنانيين حول مسئولية حزب الله فى تهريب ملايين الدولارات التى جمعها صرافون غير شرعيين، إلى سوريا ومنها الى إيران للالتفاف على العقوبات الأمريكية والدولية بحق إيران وسوريا وحزب الله نفسه، تضع مسئولية كبرى على الحزب لكى يثبت العكس. فك الاشتباك بين مصالح لبنان ومصالح القوى الحليفة لهذا الحزب أو ذلك الزعيم مطلوب فى تلك اللحظات المليئة بعدم اليقين والسحب السوداء فى الأفق. على الجميع أن يتحلى بمسئوليته الوطنية تجاه البلد وتجاه كل فرد يعيش فيه. التملص من تلك المسئولية والانغماس فى المناورات السياسية الصغيرة المعتادة وإلقاء اللوم على الآخرين وتصور أن هذا هو طريق الخلاص الفردى، لن يمنع الكارثة. تجويع لبنان ليس حلا.


نقلا عن صحيفة الأهرام

نحو قانون يحمي المجتمع ولا يهدمه

منذ أن تعلمنا على أيدى أساتذة عظام فى القانون، عرفنا أن القاعدة القانونية تتسم بعدة سمات، أهمها الدقة فى الصياغة والوضوح فى المعنى، وعدم التضارب مع قواعد

أوهام خريطة التمدد التركي

فى عام 2009، أى قبل 11 عامًا كاملة نشر مركز ستراتفور للأبحاث الأمريكى، والذى يُنظر إليه كتابع للاستخبارات الأمريكية، كتابًا لجورج فريدمان مؤسس المركز بعنوان

الانتقادات الروسية لدمشق.. وما وراءها

الانتقادات الروسية لدمشق.. وما وراءها

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة