آراء

ثورة الفـن .. وثورة يونيو!

30-6-2020 | 12:59
Advertisements

أكتب إليكم كلماتي .. مع رشفاتٍ هانئة من فنجان قهوتي المُفعمة بطعم الهيل؛ وأنا بحجرة مكتبي وحولي صحبتي وأصدقائي الأعزاء من أمهات الكتب التي صنعت الوجدان المصري وقوته الناعمة.


وأحمد الله أنني لا أكتب من مخيمٍ للاجئين على أطراف صحراء المقطم أو الصحراء الشرقية؛ ولا أنتظر حفنة "أرز" مسلوق كوجبة غذائية تمنحها منظمات الأمم المتحدة ـ ولا أعرف متحدة على إيه بالضبط ـ وهي المنظمات التي "تقتُل القتيل .. وتمشي في جنازته" !

والحق أقول: إنه لولا انتصار ثورة الثلاثين من "يونيو" ومساندة الجيش لنداء الشعب المصري العظيم؛ ما كانت جلستي تلك لأكتب ما يجول بخاطري تجاه علاقة الفن بالثورة، وعلاقة الثورة بالفن! فالجوانب السياسية لها فلاسفتها ومنظروها ورصدة أحداثها الموَّارة حتى وصولنا إلى بر الأمان؛ وانتصار إرادة الشعب على جحافل الشر والإرهاب؛ ليُتمم كتابة سطور نهاية حكم جماعة أهل الشر وخدامه، التي ارتكبت من الخطايا ما قاد الشعب للسير في طريق الحرية المخضب بالدماء.. للوصول إلى الثلاثين من "يونيو"، ولقناعتي أن "الفنون" ـ وبخاصة الأغاني ـ هي التي تشكل وجدان الأمة في عنفوان أزماتها؛ بداية من بسطائها وفلاحيها وعمَّالها ومثقفيها وسياسييها؛ كما قام خالد الذكر "سيد درويش" باستنهاض عزيمة الشعب صارخًا بلحنه الخالد: "قوم يا مصري .. مصر دايمًا بتناديك"!

والآن .. أترقَّب وأصيخ السمع لعلِّي أجد رجع الصدى؛ لأغنيات جديدة تقدم ترجمة حقيقية صادقة لهذه الثورة الشعبية الكبرى في تاريخنا المعاصر؛ فلا يصل إلى مسامعي المرهفة سوى "قرقعات" مفلسة؛ تلعب على أوتار مهترئة لألحان قديمة ـ كانت ناجحة في زمانها ـ لم تصل إلى أعماق وجدان الشعب الذي خرج إلى الشوارع والميادين هاتفًا باجمل ألحان الخلاص: إرحل .. الشعب يريد ... ! وبعدها .. كأن مصابيح شارع الفن قد انطفأت؛ اللهم إلا ذؤابات واهنة خافتة تحاول جاهدة أن تضيء العقل والوجدان؛ ولكنها لم تستطع أن ترتقي إلى مستوى هذا الحدث الجلل الذي صنعه الشعب المصري بفطرته الفنية الرائعة؛ منذ نقش أوتار "القيثارة" وأغاني الأفراح والجنازات والمعارك الحربية على جدران المعابد وصدر المحاربين.

إنها دعوة إلى استنهاض وتنشيط خيال الشعراء وكتاب الأغاني؛ إلى تصوير ملاحمنا الوطنية الشعبية؛ للارتقاء إلى مستوى الأحداث القومية المؤثرة التي يقف لها التاريخ تعظيمًا وإجلالاً؛ وليبقى سجل "الفن" ذخرًا للأجيال القادمة؛ تؤرخ لأحداثه بالأغنيات والتراتيل التي ترصد الحدث بنظرة قومية موضوعية لا لبس فيها؛ ولا تترك الثغرات التي ينفذ منها من يريد كتابة التاريخ بحسب أهوائه ومن وجهة نظره المعاكسة والمغايرة لمجريات الأحداث العظام. فلا جدال أن الفن يُعد شهادة توثيق لميلاد الأمم العظيمة ومسيرة حياتها؛ ويعكس كالمرآة الشفافة الصور التلقائية العفوية الصادقة لحياة الشعوب وتأثيرها وتأثُّرها فيمن حولها وبمن حولها!

هل انصرف جهابذة الشعر والموسيقى في مصر المعطاء و"الولاَّدة" ـ كما يقولون ـ إلى كتابة وتلحين الأغاني التي تلبي رغبات مرتادي "علب الليل" من أهل الطبقة التي طفحت ـ في غفلة من الزمن ـ على سطح المجتمع بفعل التجريف الممنهج في بعض الحقب التاريخية القريبة؛ من أجل استنزاف جيوبهم وعقولهم بما لايعود بالنفع إلا على طالبي العوائد المادية السريعة، دون الأخذ في الحسبان مصلحة الوطن وعقل ووجدان المواطن؟

ربما يكون لهؤلاء بعض العذر لمواجهة المتطلبات الحياتية الضاغطة؛ ولكن "الوطنية والانتماء" لابد أن تكون نابعة من ذات الفنان الشاعر والملحن؛ ولا يتم الاستجداء لها من الغالبية الشعبية أصحاب المصلحة الحقيقية.

وهنا .. نلقي بالتبعة والمسئولية على "الدولة" ومؤسساتها المشرفة على شئون الثقافة والفنون بوجهٍ عام، وضرورة القيام بواجباتها نحو توفير التمويل الكافي للإنتاج الفني في كل المجالات؛ فلن يُبدع أي من هؤلاء وهو يستنزف جهده ومشاعره ويجري خلف توفير "حد الكفاف" له ولأسرته!

وتلك قضية شائكة أخرى!

إنني أهيب بجموع الفنانين الذين وقفوا وقفة حضارية رائعة؛ و"سدًا منيعًا" أمام وزارة الثقافة أيام إرهاصات ثورة يونيو؛ كي لا يطأها بقدمه ـ للحظة واحدة ـ من جاءوا به ليكون "مُستوزرًا" لثقافة الإخوان؛ وكيف كانت مشاركتهم الإيجابية الفعالة في صناعة الثورة الحقيقية بالتفاف الجماهير الواعية من حولهم، فأتعجب من عدم استمرارية هذا الزخم الوطني الجيَّاش وفقدان توظيفه في إنتاج إبداعات تعكس دور الفن في أحداث الثورة؛ ودور الثورة في إبداعات الفن! فهذا هو الدور الحقيقي المنتظر من كل فنانٍ صادق يحمل على كتفيه أعباء مسئولية إثراء الذائقة الجمالية؛ والتأريخ بالفن للحراك الشعبي الذي صنع تلك الثورة؛ ودفع من دمائه ثمنًا غاليًا لما نحن فيه الآن تحت مظلة الأمن والأمان، ولم يسمح لعصابات الغدر أن تفتك بأحلامه في الحرية وتحديد المصير.

لا نريد أن تتهمنا الأجيال القادمة بأننا تقاعسنا عن واجبنا القومي في توثيق الأحداث، ونريد البدء فورًا في "ثورة فنية" يُكتب لها الخلود؛ لتضارع "ثورة الشعب" الذي انحنت له قامة التاريخ تعظيمًا وإجلالاً!

وفي ذكري ثورة يونيو .. تعالوا لنرتشف سويًا فنجان قهوتنا الصباحية على أنغام أغنيات الأمل .. كما تعودت أجيالنا في براح الزمن الجميل! …………………………
أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
Advertisements
د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: التحرش .. وقرارات الرئيس

لا يخفى علينا المعنى الذي ينطوي عليه مصطلح التحرش الجنسي فهو يستمد معناه بوصفه تنمرًا يتمثل في إكراه شخص على فعل جسدي، أو وعد غير لائق بمكافآت مقابل خدمات جنسية.

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة