بات لزاما استثمار "التطور الرقمي" للوصول للجماهير تذكيرًا وتوجيهًا
موضوعات مقترحة
التطور التكنولوجي الذي شهدته جميع المجالات، يعتبر من أكثر الأمور التي تميّز بها عصرنا الحديث، خصوصاً الشبكة "العنكبوتية" التي سهّلت تبادل الأفكار والثقافات، ومتابعة الأخبار والمستجدات في جميع المجالات والميادين، فما كان بعيدًا صار بها قريبًا جدًا، وأصبح العالم قرية صغيرة، كما صار تداول المعلومات بكل أشكالها أمرًا متاحًا لكلِّ من استفاد من هذا التطوّر التكنولوجي الهائل، وبالطبع فإن مجال الدعوة ليس بمنأى عن هذا التطور، خاصة فى ظل جائحة"كورونا"، التى حجمت التواصل التقليدى بين الداعية والمتلقى، المتمثلة فى الدروس وخطب المنابر والوعظ فى المساجد.
ويقول الشيخ أسامة قابيل من شباب علماء الأزهر، إن وسائل التواصل الحديثة للتكنولوجيا بكل صورها، تعتبر "زاد" الداعية الناجح لتحقيق التواصل مع الجمهور، وسد احتياجاته من المعلومة الدعوية الصحيحة المعتدلة، خاصة فى ظل جائحة" كورونا"، مشيرا إلى إنَّ الوسائل التكنولوجية الحديثة تتغير طبيعتها بتغير استخدامها وفلسفتها، وهي وسيلة من الوسائل التي تؤدِّي إلى خدمة الدَّعوة والدِّين، ومن الخطأ أن يتم التركيز على ماهية الوسيلة، دون النظر إلى الهدف من استخدامها، والغاية التي يبتغيها الداعية منها؛ لأنَّ الوسائل الموصلة للغايات تأخذ حكم ما تؤدِّي وتفضي إليه، فما كان من الوسائل التي لا تخالف الشريعة بحقيقتها وماهيتها موصلة لمقاصد وغايات سامية، فهي تكون وسائل عظيمة ومهمّة وسامية، كما قال علماؤنا.
وتابع: من ناحية أخرى، فإنَّ الداعية الناجح يبحث دائماً عمَّا يحقِّق أكبر المكاسب الدَّعوية، والإنجازات والغايات، وكلَّما كانت الوسيلة موصلة لهذه الغايات بشكل أكبر وأسرع وأسهل، كان استخدام الدَّاعية لها أكثر وجوباً وإلحاحاً، وليس هناك أيّ تعارض بين الانتشار الأفقي والرأسي للدعوة، بمعنى آخر ليس هناك تعارض بين استخدام الوسائل التكنولوجية التي يوصل الداعية عبرها أفكاره للمدعو، وبين تحقيق آثار هذه الرِّسالة الدَّعوية في المدعو وجعله متمثلاً بصفاتها وبقيمها، بل إنَّ تهميشَ ما وصل إليه الناس من تطور، يعني التقوقع على أفراد معينين، وحصر للفكرة بين أصناف قليلة من النَّاس، وحرمان للكثير من فئات المجتمع من إيصال الرسالة الملتزمة والتي تحدث التغيير المنشود فيهم، أو على الأقل تجعلهم أكثر قابلية للاستجابة للدعوة ومناصرتها، كما أنَّ الاكتفاء بالعالم الافتراضي فقط دون متابعة، يوجد نوعاً من الضبابية لنتائج الدعوة ومكتسباتها، ولهذا لابدَّ للداعية أن يوازن بين وسائل الانتشار ووسائل تحقيق الآثار وترسيخ الأفكار.
الشيخ أسامة قابيل من شباب علماء الأزهر
الثوابت والتطور
وأضاف: إنَّ الدَّاعية لابدَّ أن يكون كالقطار الذي يسير بين سكتين لا يحيد عنهما؛ سكة الثوابت والأركان، وسكة التطور الذي يتماشى مع تغيّر الأحوال والأزمان، وفي الوقت ذاته، فإنَّ الداعية الناجح لابدَّ أن يلتزم بنفس الثوابت التي يطبقها في عالمه الحقيقي على عالمه الافتراضي، فالكثير انحرف عن مسار دعوته نتيجة تخليه عن تلك الثوابت، مما أدى إلى ضياع البوصلة والوجهة، وهو ما أدَّى إلى تحقيق نتائج عكسية على الدَّعوة، فلا بدَّ للداعية أن يركز على النظر لنتائج تصرفاته، وأن يحكم منطق العقل والحكمة، على العاطفة الجيَّاشة، والانفعال الزائد، لأن تغييب المنطق العقلاني في مثل هذه الأمور، يؤدِّي إلى الوقوع في أخطاء دعوية، كان بإمكان الدَّاعية تجنّبها، وهذا يستدعي توفر الحكمة في التصرف، والتأني والاستفادة من خبرات الآخرين، لتحقيق أفضل النتائج، وجلب أعظم المصالح الدعوية، لذا بات لزاما علينا الآن مواكبة الواقع ومستجدات العصر وكل هذه التطورات الحديثة ولا سيما في عصر الـ"كورونا"الذي ألزم الناس بالوجود في البيت أخذا بالإجراءات الاحترازية والمحافظة على النفس فنقوم جميعا بالتواصل مع الناس من خلال هذه المنصات الحديثة، وهذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ويستخدم كل الوسائل المتاحة في عصره لإيصال الدعوة إلى الناس، وقال تعالى: "فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ" أي بلغ رسالة الله الى جميع الخلق.
تأثير مباشر
وحول تأثير التكنولوجيا فى مهام الدعوة، قال الشيخ أسامة قابيل: إنَّ الشبكة العنكبوتية، وخصوصاً بعض أنواعها كمواقع التواصل الاجتماعى، صارت مرتكزاً من مرتكزات التعبئة التحرّرية، وآلية لترتيب الجهود والنهضة والتطور، ممَّا جعل أثرها أكبر من الخطب الرنَّانة، والكلمات المنمَّقة، وغيرها، ومع اتساع الرقعة السكانية حول العالم، واحتياج الأمة الإسلامية لمن يرشدها ويُعلِّمها صحيحَ الدين، واحتياج غير المسلمين من يبلغهم هداية رب العالمين، ثم مع تطوُّر وسائل الاتصال، وتطور التقنيات بشكل عام وسريع؛ لنصل إلى الإعلام الرقمي، وما يقدّمه من خدمات جليلة في مجال الدعوة الإسلامية، بات لزاما على الدعاة استثمار هذه المعطيات جميعًا، تيسيرًا لأمر الدعوة، ووصولًا لأكبر قاعدة من جماهير المدعوين؛ تذكيرًا للمسلمين، وإرشادًا لغيرهم، يقول الله تبارك وتعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"، ومن حيث إن شَباب اليوم أكثر التصاقًا بأدوات ووسائل الاتصال الحديثة، وما يصحب هذا من عدم حضور خطب ودروس المساجد، فإنه بات لزامًا على الداعية أن يكون مواكبا لهذه الوسائل ولا يكون منعزلا عما يدور حوله في العالم ويكون في طليعة مستخدمي وسائل وأدوات التواصل الاجتماعي الحديثة لمسايرة الشباب، ويجب ألا ينسى الداعية المسلم أن من أولى مهامه العمل على إعادة الشباب إلى المساجد، وأنه يجب ألا تصبح الوسائل والأدوات الحديثة بديلًا عن المساجد التي هي الأصل.
وتابع: لقد أصبحت وسائل التواصل الحديثة، والمعروفة بـ"السوشيال ميديا"، من أهم وسائل الدعوة إلى الله؛ لما لها من قوة التأثير على متابعيها؛ خاصة أنَّ مجال الدعوة ذو شقين: أولهما: سعي الدُعاة إلى تحسين التزامهم بالإسلام من خلال الوعظ والإرشاد والتعليم الذي يكشف محاسن الإسلام للمسلمين وتشكيل الصورة الذهنية الصحيحة عن الإسلام والمسلمين للعالم أجمع، والثاني: يتمثَّل في دعوة غير المسلمين من خلال هذه الوسائل وما تتيحه من برامج دعوية متطورة تجعل العالم قريةً صغيرةً وتيسر سبل الدعوة.
الشيخ أسامة قابيل من شباب علماء الأزهر
وأضاف: لقد أدَّى تنوُّع برامج التواصل الاجتماعي، وسرعة انتشارها، إلى جانب سهولة استخدامها، ومجانيتها، إلى تسهيل كبير للدعوة إلى الله تعالى، إضافةً إلى أن إقبال الناس على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي جعلهم مهتمين بمتابعة الدعاة، ولقد عملت وسائل التواصل الاجتماعي على تكثيف وتنويع المدعوين، ما بين الطبقة المثقفة أو الفئة المتعلمة الواعية، وهي وسيلةٌ دعوية متاحة للجميع تؤدي إلى مزيد من التفاعل الحقيقي بين الداعية والمتلقي، على أن التعامل مع وسائل التواصل في مجال الدعوة يجب أن يكون في إطاره السليم؛ من مراعاة أبرز الأولويات في التعامل مع هذه البرامج، من حسن توظيفها في مجال دعوي حقيقي، بعيدًا عن الملابسات المشبوهة فضلا عن المحرمات، إلى جانب مواكبة تطورات هذه الوسائل المُتسارعة، والعمل على استثمار فوائدها وإيجابياتها لتوصيل الدين، ورسالته الخالدة إلى بقاع العالم المتباعدة، مع استحضار النية الخالصة لله تعالى خلال أداء دعوي تحفه المشاكل.
وأشار إلى أن الإسلام دينٌ مُسالم وشاملٌ ومُنفتحٌ على الآخرين، وتقديم المعلومات الصحيحة والكافية عن الإسلام والاهتمام بحسن اختيار الدعاة المؤهلين علميًا ومعرفيًّا، مع ضرورة مناسبة الخطاب الدعوي للمتلقي، وتوافقه مع حاجاته، مراعياً ظروفه وأحواله، حيث تحتاج الدعوة الإسلامية إلى دعاة مدربين، مواكبين للعصر وآلياته، تقاةً في أنفسهم وفي المدعوين، وفي استثمار موارد العصر الهائلة، والمتطورة، مع تبني قضايا ذات طبيعة مغايرة مما يحتاجه المدعوون المعاصرون، ومما تعج به الساحة الدعوية من قضايا عصرية، ونجد أنَّ كثيراً من الدُّعاة في وقتنا الحالي، لم يدركوا بعد ركب التطوّر السَّريع الذي يزداد تطوراً يوما بعد يوم، في حين يقوم البعض الآخر، بمحاولة إدراك هذا القطار السريع، الذي لا يتوقف ولا يمل من السير بسرعته الفائقة، فإمَّا أن يدركه، وإمَّا أن يقع في أخطاء، وتنحرف به طريقته عمَّا خصص له ووضع له، فمثلاً نجد البعض ينشغل في حكم دخول التكنولوجيا، والفائدة منها، ويركّز على عيوبها، وينسى أنَّ هناك من سبقه بشكل كبير في هذا الميدان، بحيث بات يسيطر على المشاركين فيها، ويوصل رسالته المنحرفة للناس بكل أريحية، ليكسبهم ويسيطر عليهم، بل وينصب نفسه ناطقاً باسمهم وحاملاً لقضاياهم واهتماماتهم، وفي الوقت نفسه نجد بعض الدُّعاة يفضّلون تلك الوسائل القديمة دون إعطاء أدنى اهتمام لما استجد من أمور وتغير من وسائل، فيظن أنَّ الوسائل الأكثر فاعلية، هي الخطب والكلمات الشفوية، والوريقات ذات العبارات المرصوصة وغيرها.