آراء

من أين يأتي الالتزام الأخلاقي؟

25-6-2020 | 10:58

كثيراً ما طرحت على نفسي هذا التساؤل وأنا أتأمل أحوال الناس والمجتمع: من أين يأتي الالتزام الأخلاقي؟


هذا الشعور بأنني ملزمة بفعل معين حتى ولو لم يكن هناك أي مصدر خارجي لهذا الإلزام، أي رقابة على تصرفي هذا.. أو متابعة وتعقب من أحدهم.. إنني أتحدث عن فعل نابع من داخل النفس.. لم يجبرني أحد على القيام به.. أفعله من تلقاء نفسي.. عن طيب خاطر.. بعيدًا عن أي سلطة أو محاسبة قانونية.

العمل الصالح.. مساعدة الآخر.. إيثار الغير على النفس.. الصدق في القول.. إلخ، كل هذه الصفات الحميدة.. من أين تأتي؟ ومن أين يأتي الشعور بضرورة الالتزام بها؟

أليس هو الضمير؟ فكرة الضمير اليقظ تحديدًا دائمًا ما تشغل بالي.. فالضمير يردع المرء عن ارتكاب الأخطاء ويجعله يراجع نفسه في أقواله وأفعاله.. هذا الصوت الداخلي الذي يعد بمثابة محاكمة للنفس.. قبل أن يأتي المرء بفعل سيَّئ يفكر برهة ويتراجع عنه من تلقاء نفسه، إنه صوت الضمير.. أو على العكس حينما يتقاعس عن أداء عمل حسن، ويزعم لنفسه إنها ليست نهاية العالم، وأنه ليس مطالبًا به، ثم فجأة يغير رأيه من تلقاء نفسه، دون أن يجبره أحد على ذلك.. فقط لأن ضميره قد استيقظ.

لا توجد هنا عقوبة أو مساءلة قانونية، لكن العقوبة الوحيدة التى ينالها المرء في هذه الحالة هى الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير، وهي برأيي أشد وطأة وقسوة من أي عقوبة أخرى.

ولكن دعونا نتساءل أولاً هل الالتزام الأخلاقى حاسة فطرية تولد مع الإنسان، أم أنه يكتسبها على مدى سنوات عمره؟ أو ربما تفرضها الظروف عليه فيجد نفسه يقوم بها بتلقائية شديدة؟

لابد أن نوضح هنا أن الالتزام الأخلاقي غايته مراعاة الآخرين وليس الذات، فحينما أبحث عن مصلحتي الشخصية أو عن أي منفعة تخصني وتخص أسرتي على سبيل المثال فهي حتى لو كانت طيبة وخيرة، لا تعد فعلًا أخلاقيًا، لأنني من الطبيعي أن أسعى نحو الخير لنفسي ولأسرتي، حديثنا هنا إذن ليس عن "الأنا"؛ بل عن "الآخر" الذي، برغم غيابه عليَّ أن أصون له حقه.

والفعل الأخلاقي يكون دائمًا منزهًا عن المصلحة.. فأنا حينما آتي بخير ما لأحدهم لا أنتظر مقابلاً عن عملي هذا.. أنا أفعل الخير من أجل الخير.. بعيدًا عن المصلحة أو الاستعراض أو نيل المديح.. ومن هنا أيضًا تنشأ السمعة الطيبة.. فكل هؤلاء الذين يتمتعون بهذه الصفة النبيلة "السمعة الطيبة" لا يشغل بالهم كثيرًا الحديث عن فضائلهم وصنيعهم الحميد، وكل هذه الأفعال الكريمة التى قاموا بها في صمت ودون جلبة..

ونعود مرة ثانية إلى تساؤلنا الذي طرحناه في بداية المقال: ما الذي يزرع هذا الالتزام الأخلاقي في نفوسنا؟

يلعب العقل هنا دورًا كبيرًا، فقبل أن نقوم بأي تصرف، نتساءل بيننا وبين أنفسنا: هل تصرفنا هذا حميد يعود بالخير على الآخرين، ويجدر بكل إنسان أن يفعله؟ أم أنه سلوك سلبي يسبب الشر للآخرين.. ووفق إجابتنا على هذا التساؤل يأتي تصرفنا.. العقل إذن هو معيارنا للتمييز ومن ثم يملي علينا السلوك الذى سوف نأتي به.. فالمنفعة العامة إذن هي دافع من دوافع فكرة الالتزام الأخلاقي.

هناك أيضًا ميل فطري إلى فعل الخير.. فإذا رأى أحدنا على سبيل المثال حريقًا يشب فى إحدى البنايات وكان على مقربة منها، فإنه سوف يهرع تلقائياً لتقديم المساعدة والعون.. إنه هنا يتصرف دون تفكير أو إعداد.. هو سلوك عفوي وليس نتاج تفكير أو حسابات مسبقة.

والآن نأتي إلى السؤال الصعب: كيف نُدخل هذه الالتزامات الأخلاقية إلى ضمائرنا، كيف نجعلها جزءًا من شخصياتنا وملمحًا مهمًا من سلوكياتنا وتصرفاتنا؟

تأتي التربية في المقدمة، فهي مصدر الإلهام الأخلاقي، وتكون ناجحة حينما تتمكن من تحويل المثل والأخلاق وكل هذه القيم الحميدة التى نتحدث عنها إلى "طبيعة ثانية" في سلوك الإنسان.. على سبيل المثال نلتزم بإشارات المرور حتى في غياب الشرطي.. نحن نقدم على السلوك الصحيح في غياب الرقابة؛ لأنه أصبح سلوكًا طبيعيًا لدينا لا يحتاج إلى مجهود أو مران.. مثل آخر نورده هنا، في اليابان تم الاستغناء عن المراقبين أثناء الامتحانات، لماذا؟ لأن التلاميذ ببساطة شديدة لا يغشون على الإطلاق، صارت الأمانة ملمحًا من شخصيتهم، لا يغشون سواء في وجود المراقب أو في غيابه.

والتربية وسيلة مهمة بالتأكيد تسهم في بث الفضائل والقيم الأخلاقية داخل النفوس، والأسرة هنا فضلاً عن أن المدرسة تلعب دورًا أساسيًا في تأكيدها كأسلوب تربوي يعتاد عليه الطفل منذ سنواته الأولى المبكرة.. وهي تحتاج إلى مجهود ومران عبر سنوات الحياة، فهي ليست هبة تمنح هكذا، يحصل عليها الفرد بين ليلة وضحاها.. فيتمتع بالأخلاق والقيم الصالحة والضمير اليقظ، ومما يسهم في تمسك الفرد بالقيم الأخلاقية شعوره بأنها تحظى بتقدير المجتمع.

وأخيرًا إذا كان البعض يشعر أن الأخلاق قد غابت عن مجتمعنا، وأن المثل العليا توارت بعيداً، وأن اللغة الوحيدة المتداولة الآن هي لغة الأنانية والمصلحة الشخصية ومن ثم العنف والبلطجة، فهو شعور سلبي ومحبط، لكن وعينا بأننا أمام مشكلة كبيرة قد يكون من ناحية أخرى دافعًا للسعي نحو البحث عن تلك المثاليات الأخلاقية.. لعل الطمأنينة والأمان النفسي يعودان إلى قلوبنا ونفوسنا مرة أخرى.. أليس كذلك؟

ماما جميلة .. وبهجة الطفولة

احترت كثيرًا ماذا يمكنني أن أكتب عن أمي حبيبتي التي رحلت منذ أيام قليلة.. كيف تسعفني الكلمات والعبارات والألم موجع في القلب والنفس؟...

أدب لا ينطفئ بريقه

احتفظ أبي في رفوف مكتبته الكبيرة بمجلدات ألف ليلة وليلة.. ومن وقت لآخر كان يعيد قراءة فقرات منها بشغف ويظل يتأمل كلماتها مبتسماً ومعلقاً على أحداثها..

هل تتطور الأخلاق؟

هل يمكن أن نقول بثقة وملء الفم إن القيم الأخلاقية واحدة وثابتة، أو مطلقة وعامة لا تتطور ولا تتغير على مر الزمان والمكان؟

الأخلاق والقانون

لماذا عندما تنهار المجتمعات وتعانى من مشكلات مختلفة: سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية يقفز الاتهام الأول دون منازع صوب الأخلاق، فيقول الناس وهم يتحسرون:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة