Close ad

ذكريات الدستور ـ 1

21-6-2020 | 19:44

أذكر أن مداولات لجنة الدستور الإخواني بقيادة المستشار حسام الغرياني، انتهت لكتابة دستور أقل ما يوصف به أنه تعبير عن مطامح جماعة دينية تسعي لتأسيس دولة دينية. ورغم كل المحاولات التي بذلتها المجموعات المدنية والوطنية والليبرالية لإبطاء العجلة المتسارعة لتلك المحاولات، فإن الدستور انتهت صياغته وأعلنه المستشار حسام الغرياني الذي تقدم به إلي محمد مرسي. فكان ذلك الدستور في نصوصه تجسيدًا واضحًا لأحلام تأسيس دولة دينية ذات مضمون مدني براق وخادع. ولكن سرعان ما كشف الشعب المصري الشراك الخادعة لهذا الدستور. ومرت الأحداث المتسارعة وانتفضت إرادة الشعب ضد حكم الإخوان، واكتملت الثورة في الثلاثين من يونيو 2013 بالعودة إلي نظام جديد يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية حديثة، وذلك إلي الدرجة التي دفعت الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه إلي التأكيد بعد ذلك مرات في مناسبات عديدة أننا نسعي لإقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة.

وعندما تأسست اللجنة الجديدة لصياغة الدستور برئاسة السيد عمرو موسي، أمين جامعة الدول العربية الأسبق، والمرشح الأسبق أيضًا لرئاسة الجمهورية، كنتُ أتوقع أن تحسم اللجنة أمرها، وتصنع قطيعة جذرية مع الدساتير التي سبقتها، خصوصًا دستور الإخوان. وللأسف فإن اللجنة لم تفعل ذلك، ووضعت أمامها دستور71 من ناحية، ودستور الإخوان الذي شارك في صياغته عمرو موسي نفسه من ناحية ثانية. وهكذا فوجئنا بأن المادة الثانية التي قام السادات بتعديلها إرضاءً لجماعات الإخوان، أو تحالفًا مع تيارات الإسلام السياسي لا تزال باقية. وهي المادة التي تنص علي: إن دين الدولة هو الإسلام، وإن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وكأن لجنة عمرو موسي لم ترَ خطرًا في هذه المادة، خصوصًا بعد أن أكدت المحكمة الدستورية العُليا برئاسة المستشار عدلي منصور أن المقصود بـ مبادئ الشريعة الإسلامية في النص، هو: المبادئ والقواعد الكلية، وليست الجزئيات التفصيلية المرتبطة بهذا الغرض أو ذاك من الناحية التاريخية.

ولم تكتفِ لجنة الدستور التي ترأسها عمرو موسي بذلك، بل إنها أخذت المادة الخاصة بالأزهر من دستور الإخوان، واستبقتها في صياغة الدستور الجديد، وهي المادة التي تنص علي أن: الأزهر الشريف هيئة إسلامية مستقلة جامعة، يختص دون غيره بالقيام علي كافة شئونه، ويتولي نشر الدعوة الإسلامية وعلوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم. ويؤخذ رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف في الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية. وتكفل الدولة الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه. وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، يحدد القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء. وكل ذلك علي النحو الذي ينظمه القانون، وكان هذا في حد ذاته أمرًا مثيرًا للاستفهام والتعجب. فلماذا الجمع بين المادة السابعة والمادة الثانية اللتينِ تبدوان كأنهما وجهان لعملة واحدة، يتأكد بحضورهما المادي أننا نمضي في طريق تأسيس دولة دينية. ولم تبالِ لجنة عمرو موسي باعتراض المعارضين من خارج اللجنة، بل مضت في طريقها، متجاهلة أهم ما كان ينبغي عليها القيام به، وهو النص علي أن مصر دولة مدنية ديمقراطية حديثة، أو أن مصر دولة وطنية دستورية ديمقراطية حديثة، وهذا ما نصت عليه الوثيقة الأولي التي أصدرها الأزهر يوم 20 يونيو سنة 2011م.

والحق أن تجاهل الدولة المدنية من الدستور كان أمرًا لافتًا، وذلك إلي الدرجة التي دفعت بي إلي أن أكتب مقالًا في «جريدة الأهرام» في 20 نوفمبر سنة 2013 بعنوان: مدنية.. يا لجنة الدستور!. وكنتُ أقصد تنبيه المشاركين في صياغة لجنة الدستور إلي ألا يقعوا في شراك الخطاب النقيض، فيتأثرون دون دراية بالشراك الخادعة التي كان ينطوي عليها دستور الإخوان، أو مثلًا دستور السادات (1971) الذي كُتِب في سياق التحالف مع جماعات الإسلام السياسي. وبعد زوال هذين العاملينِ في دستور عمرو موسي، فقد كان واضحًا أن الذين صاغوه وقعوا في الشراك تحت تأثير المجموعات الدينية والأزهرية والسلفية، المُشارِكة في صياغة الدستور، والتي شكلت منذ البداية تحالفًا مؤثرًا زاد من تأثيره، حرص عمرو موسي علي ما سماه: سياسة التوافق. وكانت النتيجة أن أصبح الدستور الجديد (الدستور الحالي المعمول به منذ سنة 2014) علي ما هو عليه. أعني دستورًا يتضمن مادة تأسيسية منقولة من دستور71، وهي المادة التي تنص علي أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع. فضلًا عن المادة السابعة التي أُضيفت، الخاصة بالأزهر.

ولم تذكر كلمة واحدة تشير إلي مدنية الدولة في الدستور إلا من خلال السياقات المُضمرة للمواد، فأغلب المواد لا يكتمل معناها إلا في وجود دولة مدنية ديمقراطية حديثة كما يؤكد دائما الرئيس، لكن الواقع الفعلي أن كلمتي: دولة مدنية تم تعمد إلغائهما من الدستور. وعندما انتبه الجميع إلي ذلك جاء الحل توافُقيًّا كالعادة، وطُلِب من صديقنا المرحوم الشاعر سيد حجاب أن يكتب ديباجة للدستور تنص علي أن حكومة الدولة التي يحدد قواعد الحكم فيها هذا الدستور هي حكومة مدنية. ولم يُرض هذا بالطبع أنصار الدولة المدنية، ورأوا فيه انحيازًا إلي الجانب الذي يريد تديين الدولة المصرية، بل ذهب البعض إلي أن دستور سنة 2014، هو أقل جذرية من دستور 1923 الذي لم ينص علي الدين إلا علي سبيل المجاز الذي يجعل من الأغلبية أساس الوصف. وكان هذا الوضع طبيعيًّا نتيجة للتماسك الشديد لأنصار الدولة الدينية داخل لجنة الخمسين من ناحية، وإصرار عمرو موسي علي إعمال مبدأ التوافق من ناحية أخري. وهكذا خرج الدستور الحالي بصيغته التي نقرأه فيها، وبعيدًا عن ديباجته في أغلب الأحوال. فالحكم في الدستور أو بالدستور هو مواده الفعلية أو التأسيسية، وليست ديباجته التي لا يُعتد بها في آخر المطاف، رغم صياغتها الرائعة التي أنجزها المرحوم سيد حجاب. وهكذا تم الفصل الأول من قصة الدستور الحالي. (وللحديث بقية)


نقلا عن صحيفة الأهرام

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
المادة السابعة من الدستور

سبق أن كتبتُ رأيى فى هذه المادة فى هذه الجريدة عبر مجموعة من المقالات تحت عنوان: ذكريات الدستور، وكان ذلك فى 21/6/2020 على وجه التحديد. وفيها علَّقت بأن

استفتِ قلبَك

كان من الطبيعي أن يتطرق الحوار بيني وبين الإعلامي عمرو أديب إلى مسألة الفتوى. وكان من الطبيعي أن يسألني عمرو أديب عن حقيقة الفتوى، وهل من حق أي مسلمٍ أن

حوار عمرو أديب

منذ صدر كتابي: «دفاعًا عن العقلانية» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في أواخر العام المنصرم، وتأتي إلىَّ أصداء أفكاره من القراء والمُهتمين بموضوعاته. وكان