آراء

يحدث في أمريكا .. "لا أستطيع التنفس"

1-6-2020 | 11:00

على الرغم من أن الدستور الأمريكي يمنع التفرقة بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو الدين أو غير ذلك، فإن العنصرية مغروسة في قلب معظم الأمريكيين، وما تسبب فيه مقطع فيديو لشرطي أمريكي أبيض - في مدينة مينيابوليس - وهو يحتجز رجلًا من أصول إفريقية يٌدعى "جورج فلويد"، وهو يضع ركبته على رقبته والضحية تصرُخ "لا أستطيع التنفس" وبعد أن شهد تداولًا واسعًا على السوشيال ميديا وباقي وسائل الإعلام التقليدية، وخاصة بعد الإعلان عن وفاة الضحية "جورج فلويد" في وقت سابق، وأن المباحث الفيدرالية الأمريكية مازالت تٌحقق في مٌلابسات الحادث..

وأن الأحداث دائمًا تثبت بذور العنصرية، وأنها ما زالت كامنة في النفوس، وأن جذورها أعمق من أن تنتزع برغم كل قوانين المساواة والحرية واحترام حقوق الإنسان، فيمكن للعنصرية أن تحرك هذه الكوامن لتصبح ربيعًا أمريكيا..

نعم لقد تشكلت الولايات المتحدة الأمريكية في بدايتها من عناصر أوربية كان الغالب عليها هو العرق الأبيض، شنت هذه العناصر حملة إبادة شاملة ضد سكان القارة الأصليين من الهنود الحمر، وفي الوقت الذي كان فيه المقاتلون الأنجلوساكسون يتنافسون على من يقتل أكثر من الهنود الحٌمر، كان أقرانهم من التجار والبحارة يجوبون شواطئ إفريقيا لاختطاف أكبر عدد من الرجال السود الأشداء.

وهكذا فإن الولايات المتحدة قامت أساسًا على إبادة السكان الأصليين لإفساح المجال أمام المستوطنين الجدد من ناحية، وجلب أكبر عدد من الأفارقة وتحويلهم إلى عبيد لتعمير القارة الجديدة من ناحية أخرى؛ أي إن الإمبراطورية الأمريكية ارتوت من منبعين الأول هو دماء الهنود الحمر والثاني هو عرق الأفارقة؛ فالطريقة التي شُحن بها الأفارقة كالحيوانات في السفن - والتي كانت تتسبب في وفيات تزيد على ٥٠% - ترمى جثثهم في المحيط، ثم بيع من بقي حيًا منهم، وتم استعباد أطفالهم وقٌتل كبار السن الذين صاروا عديمي الفائدة، وتم استخدام فتياتهم للمتعة.. كلها نماذج من العنصرية المٌتجذرة في الشخصية الأوروبية..

ويعتقد البعض أن العٌنصرية انتهت مع تحرير العبيد أيام "أبراهام لنكولن"، لكن الحقيقة أن العنصرية لم تنته رسميًا وقانونيًا إلا بعد حملة الحريات المدنية بقيادة "مارتن لوثر كنج" في ستينيات القرن الماضي؛ حيث كانت تتم معاملة المواطن الأمريكي الأسود كمواطن من الدرجة الثانية بعد تحريره من العبودية إلى أن تم إلغاؤها منذ 50 عامًا..

ما شهدناه في الشارع الأمريكي خلال اليومين الماضيين هو مجرد أحداث تأخذ مجراها في الشارع الأمريكي، وتروي ظاهرة واضحة حول العنصرية التي مازالت تمارس ضد السود من جهاز الشرطة أو الأجهزة الحكومية الأخرى، ولم تكن حوادث من أمثال "رادني كينغ"؛ التي حدثت في مطلع التسعينيات في لوس أنجيلوس، والتي سببت مظاهرات في أكثر من 28 مدينة أمريكية عكست في مجملها الصورة التي تعاني منها الأقليات في الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى حوادث عنف مشابه حدثت في ميامي عام 1980 وسببت دمارًا اقتصاديًا هائلًا، وحوادث 1967 في ولاية نيويورك وأحداث فيغرسون 2014، وآخرها أحداث بالتيمور 2015.. إذ يعتقد كثيرون من الأمريكيين السود أن الحقوق المدنية التي حصلوا عليها في أواخر الستينيات لم تٌغير من وضعهم بشكل جذري، وربما أن المستفيد الوحيد لذلك هم السود من الطبقة المتوسطة، لكن الباقي ظلوا يعانون من العنصرية والفقر والبطالة والأمراض الاجتماعية، وبمجرد النظر إلى الإحصائيات نرى أن السود مازالوا يعانون نفس المشكلات التي عانى منها أجدادهم، فبرغم أن 40% من مجموع الشرطة هم من السود منذ عام 1970، فإن الوضع لم يتغير بالنسبة للعلاقة بين السود ورجال البوليس..

أما من ناحية الوظائف فنسبة بطالة السود تٌقدر بثلاثة أضعاف البيض، وبالنسبة للمدن الكبيرة نرى أن الفقر المدقع من نصيب السود.. فثلث السود في الولايات المتحدة يعيشون تحت خط الفقر الذي سنته الحكومة, وأما من ناحية الأجور فالسود يتقاضون أجرًا أقل من البيض بمعدل 58%, هذا يعني إذا حصل الأبيض على 100 دولار فالأسود يحصل على 42 دولارًا فقط؛ ونتيجة لهذه الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية نرى أن الكثير من السود يعيش في الشارع؛ مما يؤدي به الأمر إلى السقوط في الجرائم والسجن..

فبرغم أن السود يمثلون 15% فقط من عدد السكان، لكن في السجون يمثلون النصف أو أكثر، وبالإضافة إلى كل ذلك فإن السود تكثر فيهم الأمراض بمقدار ثلاثة أضعاف البيض، ولم يعد من المستغرب أن مناطق السود في الولايات المتحدة - وهي الدولة العظمى - لا تزال أتعس وأفقر من أي دولة في العالم الثالث .. وللحديث عما يحدٌث في أمريكا بقية..

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
عٌثمان فكري يكتب: نجوم مصرية في سماء شيكاغو (2-3)

أشرت في مقالي السابق إلى المكالمة الهاتفية التي تلقيتها من معالي السفير الدكتور سامح أبوالعينين القنصل المصري العام في شيكاغو، ووسط غرب الولايات المتحدة

عثمان فكري يكتٌب من أمريكا: نٌجوم مصرية في سماء شيكاغو (1 - 3)

في اتصال هاتفي مع معالي السفير الدكتور سامح أبوالعينين أحد نجوم الدبلوماسية المصرية العريقة هٌنا في الولايات المتحدة الأمريكية والقٌنصل المصري في شيكاغو

عثمان فكري يكتب من أمريكا: الحكاية فيها "تسلا"

القيمة السوقية لشركة تصنيع السيارات الكهربائية تسلا ارتفعت في ظرف 24 ساعة، وتخطت التريليون دولار يوم الإثنين الماضي عقب تلقيها أكبر طلبية على الإطلاق

عثمان فكري يكتب من أمريكا: لوبي مصري - أمريكي (3-3)

ومن الروافد الحيوية للوبي المصري - الأمريكي.. العٌلماء والباحثون والأكاديميون الذين تألقوا في الجامعات الأمريكية ومراكز أبحاثها ومعاملها ومنهم الباحث زايد عطية..

عثمان فكري يكتب من أمريكا: اللوبي المصري - الأمريكي (2 - 3)

وأكبر دليل على ما ذكرته من أن المصريين الأمريكان (المصريين الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة واستقروا فيها وحققوا نجاحات كبيرة في شتى المجالات) يساهمون

عثمان فكري يكتب من أمريكا: اللوبي المصري - الأمريكي (1- 3)

تٌشير الأرقام الى أن أعداد المصريين بالخارج قد تجاوزت الــ 10 ملايين مواطن مٌوزعين في معظم دول العالم؛ وذلك وفقاً لإحصاء عام 2017، وهو آخر إحصاء لتعداد

عثمان فكري يكتب: مصر هي العنوان (3-3)

دوماً يُسعدني أن تكون مصر هي العنوان هٌنا في أمريكا وفي أي مكان، وأينما ذهبنا ستظل مصر هي العنوان وصاحبة القوة الناعمة الأقوى في الإقليم والمنطقة العربية،

عثمان فكري يكتب من أمريكا: مصر هي العنوان (2 - 3)

مصر هي العنوان.. كانت وستظل دومًا؛ سواء هٌنا في أمريكا أو غيرها.. مصر حاضرة هذا الأسبوع في نيويورك على المستوى السياسي والدبلوماسي؛ حيث زارها هذا الأسبوع

عثمان فكري يكتب: مصر هي العنوان (1 - 3)

مصر هي العنوان والحاضر الغائب دوماً في أي لقاء مع الأصدقاء العرب أو الأمريكان هٌنا في أمريكا، وبٌمجرد أن يعرف أحدهم أنني صحفي مصري وتتشعب الأحاديث والمٌناقشات

عثمان فكري يكتب: يحدث في أمريكا .. الذكرى العشرون

أول أمس السبت أحيت الولايات المتحدة الذكرى الــ 20 لاعتداءات 11 سبتمبر في فعاليات رسمية عند النٌصب التذكاري للضحايا هٌنا في نيويورك كان الوقوف دقيقة في

عثمان فكري يكتب: يحدٌث في أمريكا .. إيدا وبايدن وبارادار

تراجعت شعبية الرئيس جو بايدن بشكل كبير على خلفية الانسحاب الأمريكي المُزري من أفغانستان كما ذكرنا سابقاً وسارعت كٌبريات المؤسسات الإعلامية الأمريكية ومنها

عثمان فكري يكتب: انتهى الدرس يا "جو"

الهزيمة الكبيرة التي مٌنيت بها الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان تجسدت كما ذكرت في مقالي السابق بالانسحاب المٌزري وغير مدروس العواقب والتداعيات والصعود

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة