آراء

عن الدراما .. والمسئولية الوطنية!

26-5-2020 | 13:13

أغلب الظن أن الفنانين من صناع الدراما في التليفزيون المصري؛ سيتوقفون طويلا - بالنقد والتحليل - أمام تداعيات رجع الصدى في الإحساس الجمعي المصري والعربي؛ عما قدموه للمُشاهد من وجبات فنية على مائدة الإبداع في شهر رمضان هذا العام؛ مع الأخذ في الحُسبان أن ارتفاع نسبة المشاهدة الإجبارية؛ جاءت في ظل حصار الضيف الثقيل "كورونا" على البيت المصري والعربي؛ تحقيقا للمثل المتداول والسائد الذي يقول: "مكره أخاك.. لا بطل"!


والذي يهمني في هذا الصدد؛ هو معرفة الرأي والرؤى الانطباعية لرجل الشارع العادي - قبل رأي المثقف الواعي أو الفنان المتخصص - لأنه بالضرورة هو المستهدف بالمواد المتعددة التي تُقدم إليه: تراجيدية أو كوميدية أو ترفيهية؛ واستبيان مدى تأثيرها الإيجابي المُتوقع أو المُنتظر في إشباع ذاته الفنية وإثراء ثقافته المعرفيه وذائقته الجمالية؛ وإلا ستكون هذه الوجبات الفنية المعروضة - في رأيي ورأي المُشاهد - محض هواء تذروه الرياح إلى العدم!

وعلى ضوء المشاهدة والرصد واستقراء رد الفعل في الواقع المحيط بدائرة معارفي؛ فلن أتوقف عند المثالب - وما أكثرها - حتى لانُتهم باصطيادها والإضاءة عليها؛ والتغافل عن الإشادة بجودة "بعض" ماتم تقديمه والتفت حوله الجماهير بكل الشغف والمتابعة الراصدة؛ وبخاصة ما تلامس منها مع أوتار المشاعر الوطنية المُرهفة في "الاختيار" واستعراض مسيرة أبطال معارك الكمائن على الحدود شرقا وغربا؛ ضد قوى الإرهاب ومناصريهم من الذين لايعرفون قيمة الوطن وقدسية ترابه؛ ورأينا كيف انهمرت الدموع الجارفة الصادقة من عيون الأطفال الصغار قبل الكبار؛ عند مشاهدة لحظات الاستشهاد المجيدة للأبطال من الضباط والجنود؛ في سبيل الكرامة ومحاولة صد المعتدين عن تلك الكمائن؛ واستطاعت تلك المشاهد - التمثيلية - الرائعة أن تكتسب المزيد من التعاطف الروحي والوجداني بعقد مقارنة ذهنية لحظية بين روعة الأداء التمثيلي الذي انتزع الدموع الحارة من المآقي.. وبين الدهشة والسؤال الذي ينفجر تلقائيا: ما بالنا بمشاهد بطولات المعارك الحقيقية التي تمت على أرض الواقع؟!

إنني هُنا أسوق مثالا واحدا لما يجب أن تكون عليه وقائع أحداث الدراما في الأعمال التليفزيونية المصرية والعربية؛ ربما تكون بمثابة الرد العملي على منتجي ومروجي مسلسلات الإسفاف والترهل التي تشي بالإفلاس الفكري؛ وهم الذين يتشدقون بالمقولة التي تجاوزتها الأيام والأحداث الجسام على أرض الواقع؛ وليتهم يتوقفون عن ترديد الجملة غير الأمينة بأن: "الجمهور عاوز كدة"!

لقد أثبت الوعي الجمعي: المصري والعربي أن تلك المقولة محض افتراء وتجن بالباطل على الذائقة الرفيعة للغالبية من الشعب؛ ومع كل هذا - وللإنصاف - فإننا لاننكر وجود "شريحة مغيبة" داخل المجتمع؛ تلك الشريحة التي نبتت في أحضان تربة العشوائيات المليئة بديدان الفكر المتطرف الإرهابي؛ وكانت دائما لقمة سائغة في يد من يقومون باستغلالها- لفقر الحال ماليا وفكريا - ضد مصالح الوطن وأهدافه العظيمة المرجوة؛ فكان الحتمي هو العمل الدءوب على انتشال تلك الشريحة من بؤرة الجهل والتخلف وحمايتها من التردي والانزلاق في اعتناق الأفكار المتطرفة؛ ويتم ذلك عن طريق التعريف بأهمية الفنون الجادة والأعمال الدرامية التي تدرس وتناقش وتضع الحلول الناجعة لمشكلات وأزمات المجتمع التعليمية والاقتصادية والسياسية؛ والتي من مهامها الأساسية أن تغرس بذور الانتماء الحقيقي للوطن؛ وليُدرك المواطن - بكل القناعة - أن المبادئ الوطنية السامية لا.. ولن تتجزأ؛ ولا مساومة عليها بكنوز الأرض مجتمعة.

لابد لنا أن نعترف - نحن فصائل القوى الناعمة المصرية - بمسئوليتنا تجاه الأجيال الصاعدة من النشء والشباب؛ هذه المسئولية التي تحتم ضرورة الارتقاء بالمفاهيم الواجب الالتزام بها نحو الوطن.

فالمسئولية الوطنية هي ميثاق الشرف غير المكتوب، إنها لكبيرة إلا على المؤمنين برسالتها وأهدافها؛ لأن بنودها ومحدداتها لاتخضع إلا للضمير الوطني الخالص والنقي من كل شوائب التبعية وتطبيق أجندات من يؤصلون لتمييع الهوية والشخصية المصرية؛ والقضاء على كل ما ينتمي للتراث الخالد لتاريخ مصر منذ وجودها على خريطة العالم.

هذه المسئولية تنطوي على الدفع بتغيير وتحديث الواقع إلى الأفضل والأنفع لبني جلدتنا؛ وهي الإيمان بالوطن الذي يقارع ويضاهي الإيمان بالدين والعقيدة.. فمن لا يؤمن بوطن يبذل في سبيله كل رخيص وغال من الدماء والأرواح؛ لا عقيدة له ولا إيمان.

نحن نناشد الجميع أن نلتقي في العام القادم مع دراما تمدنا بالطاقة الإيجابية؛ ولا تصدر لنا ثقافة الإحباط والدموع والمشاهد التي تزرع الكآبة في النفوس.. وليتنا نجد موسما ثانيا ممتدا لتستمر الملاحم البطولية في الأذهان لا تنطفئ وتدخل طي النسيان فما أحوجنا إليها كقدوة ونموذج طارد للغث والمعيب مما يقحم على درامانا المسكينة.. فالفن والدراما تحديدا وسيلة للتحليق في عوالم من الصفاء الروحي والوجداني فلا تشوهوه رفقا بنا وبه!
......................................
أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: التحرش .. وقرارات الرئيس

لا يخفى علينا المعنى الذي ينطوي عليه مصطلح التحرش الجنسي فهو يستمد معناه بوصفه تنمرًا يتمثل في إكراه شخص على فعل جسدي، أو وعد غير لائق بمكافآت مقابل خدمات جنسية.

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة