آراء

هايكلير مصر..

27-4-2020 | 11:55
Advertisements

منذ أيام كنت أشاهد فيلمًا وثائقيًا عن واحد من أشهر وأعرق القصور أو القلاع التاريخية في لندن، وهو قصر "هايكلير كاسل" الذي يضم 300 غرفة، وسط خمسة آلاف فدان من الحدائق، والذي تمتلكه عائلة تعود أصولها إلى الطبقة الأرستقراطية البريطانية وهي عائلة كارنافرون.

والفيلم يستعرض تاريخ القصر الذي يعود إلى القرن الثامن، وكانت ملكيته تعود لأساقفة وينشستر، وظلت ملكية القصر تتداول بين الورثة إلى أن انتقلت في عام 1771 إلى عائلة كارنافون، بداية من إيرل كارنارفون الأول حتى الإيرل الثامن لعائلة كارنارفون وهو الإيرل جوردي، الذي يعيش في القصر الآن هو وزوجته فيونا وابنهما الوحيد.

ومن المفارقات ذات العلاقة بمصر، والتي فاجأتني خلال مشاهدة الفيلم أن إيرل كارنارفون الخامس كان مهووسًا بالحضارة المصرية، لدرجة أنه عندما تعرض لحادث خطير عام 1906 نصحه الأطباء بقضاء فترة الشتاء في أي مكان بعيداً عن مناخ إنجلترا البارد، فاختار السفر إلى الأقصر، ليُقيم هو وزوجته ألمينا في فندق "وينتر بالاس"، وخلال تلك الفترة تعرف على هوارد كارتر، وتحديدًا عام 1909، وبدأ تمويل اكتشافاته الأثرية في مصر، وكان يحصل على 50% من الآثار التي يكتشفها، وفي عام 1910 قرر أن يبني منزلاً بالقرب من وادي الملوك، وعاش فيه مع كارتر؛ لأنه كان قريبًا من مواقع التنقيب.

وإلى الآن هذا المنزل مازال موجودًا في الأقصر باسم قلعة كارتر "Castle Carter، وفي عام 1922 نجح هوارد كارتر في اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، لكن إيرل كارنارفون لم يستطع الحصول على نسبة الـ50% من الآثار التي تم اكتشافها، حيث منعه القانون المصري في ذلك الوقت، وبرغم ذلك فقد استطاع أن يمتلك مجموعة من المقتنيات والآثار الأصلية، التي مازالت موجودة في قلعة "هايكلير" حتى الآن برغم إنكار الورثة، وهناك مطالبات بإعادة تلك الآثار إلى مصر، وقد توفي الإيرل كارنارفون بعد اكتشاف المقبرة بأشهر قليلة.

وجرى تخصيص قاعة كاملة في قصر "هايكلير" لبعض التحف والقطع الأصلية من الآثار المصرية، بالإضافة إلى القسم الخاص بقصة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، والذي يضم قطعًا طبق الأصل مما تم اكتشافه في المقبرة، وحتى الآن يعتبر الجناح الخاص بالآثار المصرية في قصر "هايكلير" هو الأكثر شهرة وجاذبية للزوار، وهذا ما أكده الإيرل جوردي وزوجته فيونا في الفيلم الوثائقي، وعلى الموقع الإلكتروني للقصر ستجد قسمًا خاصًا بالحضارة المصرية؛ حيث تستطيع أن تشتري نسخة من كتاب "قصة اكتشاف توت عنخ آمون"، وبعض المنشورات الإعلانية التي تتضمن صورًا للقطع الأثرية التي يقتنيها القصر، وتستطيع شراءها عبر الموقع الإلكتروني.

في الحقيقة الحديث يطول عن هذا القصر التاريخي، وكذلك العائلة، لكن أكثر ما جذبني ولفت انتباهي في الفيلم الوثائقي أو في حكاية هذا القصر، هو نموذج إدارته، على مر العصور، وكيف نجحت تلك العائلة في أن تُبقي وتحافظ على القصر بكامل رونقه حتى الآن، حيث ينفقون فقط على صيانة القصر مليون وثمانمائة ألف جنية إسترليني سنويًا، لكن في المقابل نجحوا في تحقيق أرباح تُقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية سنويًا أيضًا، ففي فترة الصيف يزور هايكلير ما لايقل عن 1200 زائر في اليوم، حيث تبلغ قيمة التذكرة للفرد الواحد 20 جنيهًا إسترلينيًا، أي ما يُعادل 24 ألف جنيه إسترليني في اليوم، إضافة إلى ما قد ينفقه الزائر داخل هايكلير حيث توجد متنزهات، وأماكن لبيع الهدايا التذكارية، وأماكن للصيد البري، والمناسبات الخاصة، ويلقى القصر إقبالًا كبيرًا لدرجة أنه كان محجوزًا بالكامل خلال موسمي 2014، و2015.

وأيضًا هناك جانب آخر يُدر الملايين على القصر، وهو استضافة الملوك والأمراء ورؤساء الدول وكبار الشخصيات، وأثرياء العالم، ممن يرغبون في العيش لبضعة أيام وسط الطبيعة، ويقضون فترات طويلة داخل القصر، ويدفعون عشرات وربما مئات الآلاف يوميًا، لأن إدارة القصر توفر لهم المناخ الكامل لتلك الحياة الملكية التي ينشدونها.

كل ذلك ونحن لم نتحدث عن الأرقام المحققة من تصوير المسلسلات والأفلام، والتي تُقدر بالملايين، حيث تم تصوير المسلسل التاريخي الأشهر «داونتون آبي» بكامل حلقاته داخل القصر، وكذلك العديد من الأفلام السينمائية العالمية ومنها على سبيل المثال لا الحصر "ذا سيكريت غاردن" و"آيز وايد شط"، و"برايد آند بريجديس"، وغيرها العشرات.

وتُقدر القيمة الحالية للقصر ما يُعادل 137 مليون جنيه إسترليني، أي ما يفوق 2 مليار ونصف جنية مصري، وللقصر موقع إلكتروني متكامل، يضم كافة المعلومات عن تاريخه، وزواره، والخدمات التي يوفرها، والأماكن المتاحة للزيارة، والحجوزات، والدفع، وجدول الفعاليات المختلفة على مدار العام، وكل ما قد ترغب في معرفته عن القصر، وتستطيع أيضًا أن تقوم بتحميل التطبيق الذكي للقصر على التليفون المحمول بأنظمته المختلفة.

"هايكلير" نموذج مثالي لقصر تاريخي يُحقق أرباحًا سنوية تُقدر بالملايين، ويُدار بصورة غاية في الاحترافية.

كلمة أخيرة:
لدينا في مصر نحو ١٢٠٠ قصر تاريخي وأثري منذ عهد الفراعنة منها ٤٠٠ قصر ملكي.

[email protected]

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
Advertisements
البذور الأولى للحياة ..

ما أنا إلا نتيجة حتمية لكل ما مرّ عليّ وعلى آبائي من أحداث، فكل ما يلقاه الإنسان من يوم ولادته، بل من يوم أن كان علقة، بل من يوم أن كان في دم آبائه، وكل

مقبرة لـ 5 مليارات إنسان!!

إشعار جديد على حسابي على الفيس بوك يُذكرني بعيد ميلاد صديقي الراحل منذ عشر سنوات، لحظات قليلة عشتها وكأنه ما زال على قيد الحياة، ناسيًا أو متناسيًا وفاته،

بائع الثقافة

اقرأ الحادثة تلك كانت الجملة الشهيرة لبائعي الصحف والمجلات، وبالطبع كانت هناك حادثة تستحق أن تُقرأ، حيث كان لبائع الجرائد في ذلك الزمن سياسة خاصة في

قصصنا تُلهمهم ولا تُلهمنا!!!

لم يكن الشاب المصري عبدالله عبدالجواد - صاحب الصورة الشهيرة التي يقود فيها الحفار الصغير وهو يُحاول تحريك السفينة العملاقة إيفرجيفن الجانحة في قناة السويس

نور مصري في بلغاريا..

شاب مصري يعيش في بلغاريا، باحث وكاتب في تاريخ الموسيقى العالمية، ومنذ سنوات قرر أن يؤسس مشروعه الخاص إلى جانب الدراسة، وهو عبارة عن سلسلة مطاعم في مدينة

ميثاقًا غليظًا

قرر الأب أن يتنازل عن "القايمة"، ويكتب مكانها "من يؤتمن على العرض، لا يُسأل عن المال"، كتبها بخط عربي أصيل، وربما طلب من أحد الخطَّاطين المتخصصين كتابتها،

سمير غانم أبهجنا وأبكانا..

الموت فقط هو القادر على كشف شعورك الحقيقي تجاه شخص ما بكل صدق، لدرجة قد تجعلك تشعر أحيانًا أن روحك تُريد أن تخرج من جسدك لتُودعه، وربما تضمه وتحتضنه للمرة الأخيرة...

ماما تينا.. وأخطر رجل في العالم

في أيرلندا خلال فترة الخمسينيات، عاشت كريستينا نوبل طفولة قاسية بين أكواخ دبلن مع أب مُدمن كحول وأم مريضة وستة أخوات مُشردين يبحثون عن الطعام بين أكوام

مبقاش ينفع خلاص..

كنت أستيقظ يومياً مبكراً، خلال المرحلة الثانوية، وكنت أراه دائماً وأنا في طريقي لصلاة الفجر في المسجد المجاور للبيت، ملامحه مصرية أصيلة، يرتدي "البدلة

هرم الحياة "المقلوب"...

متاهة يعيش فيها الفأران "سنيف" و"سكوري" والقزمان "هيم" و"هاو"، وجميعهم يبحثون عن الجبن، وفي أحد الأيام ينفصل الفأران عن القزمين في ممرات المتاهة الطويلة،

أخلاق بتاح حُتب

كنت لا أزال طفلًا عندما بدأت أرصد وأتابع تلك المشاهد التي كانت تجمع بين جدي ووالدي وبقية أعمامي، وكان فارق السن بين جدي وعمي الكبير 14 سنة فقط، وكنت أحيانًا

المُعذبون في الأرض

رجل مصري بسيط، نشأ وسط أسرة متوسطة الحال، درس وتعلم في المدارس الحكومية، تخرج في كلية طب قصر العيني عام 1967، وعمل طبيبًا في الوحدات الصحية بالقطاع الريفي

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة