آراء

..والناس لا تصدق إلا السيسي

21-4-2020 | 17:46

منذ سنوات مضت، وفي المقهي الذي اعتدت أن أجلس عليه بحي الدقي العتيق، وحيث اعتاد الناس مشاهدة مباريات كرة القدم عبر شاشات التلفاز، كنت ألحظ أحد الجارسونات العاملين بالمقهي شديد الحماسة والتفاعل مع الشاشة إلى درجة عدم انتباهه إلى طلبات الزبائن أنفسهم ونداءاتهم المتكررة إليه.


تجاسرت ذات يوم فقررت أن أسأله: أخي، لماذا أراك تعيش المباراة بكل جوارحك إلى هذا الحد المبالغ فيه؟

أجابني الفتي، غير ملتفت إليَّ، وعيناه معلَّقتان بشاشة المباراة، صائحا: ما تراه أمامك الآن هو حقيقة لا تحتمل تزييفا، فاللاعب الجيد هو لاعب جيد بحق، واللاعب السيئ هو كذلك؛ والأهداف والنتائج التي تشاهدها حقيقة لا تحتمل تأويلا؛ أما ما دون ذلك فيما يأتينا عبر الشاشات فهي مجرد أمور تحتمل منتهى الزيف والزواق والكذب!.

توقفت كثيرًا أمام تلك الإجابة العفوية الصادرة عن إنسان بسيط، وتساءلت: ألهذا الحد يمكن أن تكون حماسة هؤلاء ليس ملؤها الشغف بلعبة كرة القدم في حد ذاتها، كما قد يتخيل البعض، بقدر ما هي تخفي من ورائها رغبة متعطشة في الشعور ببصيص صدق؟ رغبة تحمل سخطًا شديدًا على الواقع من حولهم وهم يرون كل شيء قد امتلأ بالزيف والكذب... إلا في ملاعب كرة القدم!! فالظاهر أمامنا على السطح افتتان ساذج بمجرد كرة؛ ولكن الأزمة في جوهرها وأعماق أعماقها أزمة ثقة!! نعم، فلقد تراكم الإحساس بالخداع جيلا من بعد جيل داخل العقل الجمعي للمصريين على مر السنين، إلى درجة ما عادت الحلول البسيطة أو الوعود المعسولة والكلمات الرنانة الفضفاضة تجدي معها، حتي صار الشعور بانعدام الثقة يسري بين الصفوف بالتواتر والتخاطر الجمعي؛ فتري الناس مجمعة على التربص والتشكك دون أن تتفوه بكلمة واحدة؛ وإنما بتبادل النظرات فيما بينهم بأبجدية الصمت المطبق المتوافق عليه!! ابتسامة مجاملة أو ربما اتقاء (شرور)، ولكنها تخفي من ورائها منتهي الاستهانة بجل ما يقال!...

رئيس تلو رئيس، و(زعيم) تلو زعيم، ولم تفتأ الشكوك في صدق النوايا تتزايد وتتراكم؛ لا يخفف من وطأتها سوي رصيد هائل لا يستهان به من نكات وآليات سخرية خاصة جدا بالمصريين، آليات نمت وترعرعت وتطورت بين أطلال الإحباط والنتائج اليقينية المتوقعة بالفشل الذريع.. نظام تلو نظام، وحكومة تلو حكومة، والإحباط واحد. بزغت شمس 30 يونيو، وبصرف النظر عن مساحة التهليل والتطبيل الإعلامية المعهودة والمتوقعة من جانب القارئ حين ذكر هذه الثورة تحديدا في هذا العصر والأوان، دعني أصارحك بأن لغة بيان القوات المسلحة منذ فجر هذه الثورة جاء بمذاق مختلف، إذ كان من أهم ما توج لغة هذا البيان تحديدا عبارة واحدة أراها لا تزال عالقة بكل الأسماع؛ عبارة كانت مفتاح العاطفة الشعبية جمعاء وبلا منازع: (هذا الشعب.. لم يجد من يحنو عليه)!. كم كانت جديدة هذه العبارة، وجديد كان هذا المعني تماما على أسماع كل المصريين (الصابرين) المكلومين الذين آنستهم الأحزان والحاجة لحظة يلتفتون فيها إلى أنفسهم فيبكون خُفيةً على أوجاعها وأعمارهم التي ذابت في طاحونة اللهاث وراء يومٍ كريم!! عبارة كانت بمثابة عقد اجتماعي جديد انطلق انطلاق البرق في عنان السماء بين هذا الشخص القادم المرتقب من رحم الأمل وجميع العطاشي لهذا الحنو المفتقد!.

دارت الأيام، وجاء الرجل على جواد المطلب الشعبي الكاسح، ولكن الناس ظلت تترقب صدق وعده: فهل تراه رحيما بالناس بحق وهو الذي قدم نفسه أول ما قدم بهذا الوصف؟ أم تراه خدعة جديدة أجادت تقديم أوراقها للناس بمعسول الكلام؟ دارت الأيام، ثم ساقت إلينا الأقدار أحداثًا جسامًا وصعابًا لئامًا، فانتظر الناس من فارسهم أن يبرهن على ما قال.. فكان في كل مرة أن فَعَلْ!...علاقة جديدة بدأت تتوطد بين زعيم بمفهوم جديد وشعب لديه موروث رهيب من الإحباطات والإخفاقات!!.

فإذا كان السيسي قد نجح في شيء واحد فقط على الأقل منذ أن عرفته جموع الناس، فقد نجح هذا الرجل فيما لم ينجح زعيم آخر في تحقيقه، ألا وهو أن يصدقه الناس في كونه معنيًا بأمرهم بحق، وليس مدعيًا ذلك (لزوم البقاء في منصبه)!...جاءت جائحة كورونا كمرض فتاك يتربص بالناس أيما تربص، ولكن عموم الإحساس بالخطر جاء في بر مصر مختلفًا عما اعتاده الناس في مثل هذه الظروف؛ فالناس برغم الخوف، وللعجب، لم تزل مطمئنة!. تغوص أنت في دهاليز هذا الاطمئنان، فتجد سؤالًا ملحًا تلو سؤال يتبادر إلى ذهنك المتعب: هل ترى الناس مطمئنين لمنظومة العلاج الصحي في البلاد مثلا؟ هل تراهم مطمئنين إلى تقنيات عمل أو نتائج المعامل الطبية؟ هل تراهم مؤمنين بدقة ما يصدر عن مراكز الأبحاث الدوائية والعلمية، أو في الرسالة الإعلامية الموجهة إليهم تترا عبر الشاشات، أو في بيانات الحكومة المتتالية على الأسماع...

لا أعتقد كل هذا بالمرة (مع كامل احترامي وتقديري للجميع). إلى ما يطمئن الناس إذن في خضم كل ما يدور؟ نعم..الناس مطمئنة لشخص الرئيس.. الناس تأنس لما يقوله هذا الرجل تحديدا، وليس إلى كل هذا الزخم المتطاير المتبعثر في الهواء من بيانات صادرة عمن سواه.. الناس تصدق هذا الرجل تحديدا؛ وتعلم أنه لا يخدعهم.. وهذا لمن يفقهون أمرا جديدا بحق على المصريين؛ فإذا قال السيسي افعلوا هذا، فعلوا؛ وإذا قال السيسي لا تفعلوا، امتنعوا. فكيف ومتي بني هذا الرجل كل هذا الصرح الشاهق من الثقة فيما عجزت عنه أنظمة متتابعة أمضت حقبا من الزمان في حكم مصر، وهو الذي لم يمر على معرفة الناس به سوي سنوات سبع؟ وكيف اطمأن إليه شعب اعتاد فقدان الثقة فيمن حكموه إلى حد الفطرة، رغم محاولات كل من جاءوا من قبله وباستماتة لزرع أعشار هذه الثقة؟...
إن الذي تتنفسه مصر اليوم هو بحق هواء جديد جدير بالتأمل لا يحتمل لُبسا؛ فالناس تستشعر بقوة أنهم قد أصبح لهم بالفعل درع و سيف؛ و قد علم الناس أن من ورائهم رجلا نجح في تسخير إمكانيات الدولة لخدمة مواطنيها ربما لأول مرة؛ من بعد أن ذاقوا معنى حرص القائد على حياة الناس بحق في أبسط وأعظم الأحداث.. وإن عزَّت الإمكانيات؛ و لربما تفتح ضارة الكورونا تلك الباب على مصراعيه نحو تصالح الناس مع واقعهم وحسن التعامل مع مفرداته ومواجهة مشكلاته، بدلا من الهروب منه كرهًا وقهرًا في لباس الضحك والفكاهة أو الإيحاء بالانشغال، كذلك الجارسون المغيب الذي حكيت لك عنه في مستهل المقال.

من كان منكم بلا خطيئة!

لا أعرفه معرفة شخصية ترقى لمستوى الحكم عليه بأى حال من الأحوال؛ ولا أسعى فى الوقت نفسه لتوطيد علاقتى به، ولا أوافق على طريقته فيما طرحه وكذا أسلوب التعميم

المجىء الثاني .. والحنين للاستعمار!

أقولها دائما وسأظل: إذا أنت أردت يومًا تغيير شكل المكان الذي تعيش فيه للأفضل، ثم جاءك من يتعهد لك بذلك، فبدأ بالفعل بحسب ما وعدك، ثم اكتشفت أنت مع مرور

(مماليك) أردوغان .. و(ستالينجراد) العرب

من بين أخطر وأهم العوامل التي أسهمت في التعجيل بتوالي هزائم الجيش النازي، هو ذلك القرار الذي اتخذه أدولف هتلر فتح جبهتين قتاليتين في وقت واحد، متجاهلا

كورونا و(الأهوج).. وتنبؤات شتاينر!

.. وأسألك سؤالا لا يزال يحيرني وسط ما نحن فيه من جائحة لم يسبق وأن عاصرناها من قبل، جائحة ألزمت أهل الأرض قاطبة بيوتهم تحت نير مخاوف وضغوط نفسية غير مسبوقة،

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة