Close ad

الإغلاق التام والموت الزؤام

14-4-2020 | 20:15

يقولون إن الإغلاق التام هو الحل أمام اجتياح فيروس كورونا للعالم، ومع ذلك جاءت معلومات صادمة من جامعة هارفارد، حيث خلصت دراسة علمية لأربعة باحثين إلى أن "إغلاق المجتمع أسوأ ما يمكن فعله".

ووفقا لما نشره موقع "روسيا اليوم" نقلاً عن صحيفة "أفتونبلادت" السويدية، فإن هذا التقرير يتفق مع الإستراتيجية التي تتبعها السويد للتعامل مع العدوى، برغم تعرضها لانتقادات جمة باعتبارها مختلفة عما اتبعه العالم من إجراءات مشددة.

الكلام الصادم في تقرير "هارفرد"، يكشف أن الدول التي تتخذ أجراءات مشددة لمكافحة كورونا ستكون معرضة لموجة خطيرة من المرض في الخريف والشتاء، لكن التقرير أشار إلى أنه مع عدم وجود دواء أو لقاح ضد الفيروس فإن التباعد الاجتماعي هو السلاح الأول للسيطرة على انتشار العدوى.

بمعنى أوضح ينبغي أن يكون هناك تباعد منظم، وليس إغلاقاً تامًا.
وإذا كان للأرقام من دلالة قاطعة، فإن السويد التي يبلغ تعداد سكانها حوالي عشرة ملايين نسمة، وصل عدد الإصابات فيها حوالي ١٢ ألفًا، من تطبيق إجراءات الإغلاق.. في المقابل نجد جارتها الدنمارك التي طبقت إجراءات صارمة، ويبلغ تعداد سكانها نصف تعداد السويد تقريبا عدد إصاباتها وصل إلى ما يقرب من ٧ آلاف؛ أي أن نسبة الإصابة أعلى في الدنمارك منها في السويد..

وبعيدًا عن جدل يخص العلم والعلماء، ولم يجزموا فيه بشيء قاطع، هناك معضلة كبرى تتفاقم بصورة أسرع من انتشار الفيروس وهى تفشي الفقر.

يقولون "الجوع كافر"، وليس بعد الكفر ذنب، وها هي الأنباء تأتي صادمة من بلدان مثل جنوب إفريقيا، فلم يلتزم الناس بقواعد الحظر وحسب؛ بل نهبوا المتاجر والأسواق، واشتبكوا مع الشرطة، ولعل التاريخ يذكر لنا الكثير عن اضطرابات وثورات كانت نتيجة للجوع، وفي المقدمة الثورة الفرنسية..

تذكرون عبارة ماري أنطوانيت زوجة الملك لويس السادس عشر "إن لم يجدوا الخبز، يأكلوا بسكويت"؛ وبرغم أن مؤرخين كثيرين كذبوا هذه العبارة، إلا أنهم تيقنوا أن "الجوع" كان سببًا رئيسيًا للثورة الفرنسية، وانتشار القتل والنهب في كل ربوع فرنسا.

وما من أحد تحدث عن ضرورة عودة العمل بصورة شبه طبيعية أو نصف طبيعية، إلا وناله الكثير من الهجوم والنعت بأشد الصفات قسوة.. عندنا جاءت الدعوات من رجال أعمال، وفي المقدمة نجيب سويرس، وحسين صبور، وهنا مربط الفرس، إذ يعتقد كثيرون أن رجال الأعمال لا هم لهم سوى جمع المال ولو على حساب صحة الناس..

وأنا هنا لا ألوم هذا الطرف أو ذاك، ولكني أحاول معكم الوصول إلى سبل المواجهة وطرق استمرار الحياة، فالدولة من جهتها تحملت الأعباء كاملة.. قللت عدد موظفي الحكومة؛ لكنها لم تغلق الأبواب.. أبطأت وتيرة العمل في المشروعات، لكنها لم توقفها، مع اتباع إجراءات وقائية شدد عليها رئيس الجمهورية؛ بل وكان متفردًا، بين زعماء العالم، في زيارته لمواقع العمل.. ووضعت الدولة خطة لحماية العمالة المؤقتة، وطالبت القطاع الخاص بعدم تسريح العمال.

وإذا نظرنا إلى غيرنا سنجد أنه في عز تصاعد أزمة كورونا في الصين تحدث الرئيس الصيني بطريقة قديمة في الأحزاب الشيوعية "نفاذ الأمر" قائلا في كلمة خاطب فيها كبار المسئولين في الدولة، إن «الفيروس الذي أودى بحياة البعض، يؤثر على الاقتصاد وخاصة الصناعات الخدمية، ويتعين علينا اتخاذ إجراءات الحفاظ على السلسلة الصناعية في بلادنا، وتشجيع الشركات على استئناف الإنتاج.. على الصين الالتزام بأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذا العام..على المشروعات الكبرى، ولاسيما في مجال التصنيع، أن تبدأ الأعمال الإنشائية فيها وفق المواعيد المحددة».

وفي الولايات المتحدة طالب الرئيس الأمريكي بالعودة مع منتصف هذا الشهر، لكنه تراجع سريعًا ليعلن أن قرار "العودة" سيكون أصعب قرار في فترة رئاسته.

وبرغم أن أمريكا قدمت حزمة مساعدات تجاوزت تريليوني دولار إلاّ أنها تواجه أزمة غير مسبوقة مع إغلاق شركات وإفلاس غيرها، وتزايد عدد طالبي إعانة "بطالة" حتى وصلوا إلى عشرين مليونًا.

وإذا كانت أمريكا تواجه أزمة ستغير من وضعها كأكبر قوة في العالم، فما بالنا بالدول الفقيرة والمتوسطة؟

خسائر تحتمل إلى حين، وخسائر لا تحتمل.. حالة صدمة تبعها شلل إن استمر طويلًا، فستتفاقم الأزمات وستعجز الحلول.. الإغلاق التام والممتد سيؤدي حتمًا لموت زُؤام.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
هل أخطأ شيخ المؤرخين؟

توقفت طويلاً أمام ما قاله المؤرخ الكبير الدكتور عاصم الدسوقي من أن نشأة إسرائيل جاءت نتيجة اندماج أو تحالف المهاجرين البروتستانت الإنجيليين ، أتباع مارتن

الشبكة التي تحكم العالم..

ليس أخطر على الإنسان من جهازه العصبي، ولا يمكن أن ينتصر المرء في معاركه الحياتية إلاّ إذا انتصر على جهازه العصبي أولًا، وها هو الخوف يحكم الكون كله، العالم

اتحاد أوروبا يمرض أم يموت؟

اتحاد أوروبا يمرض أم يموت؟

انتهاء عصر "العولمة"

دشن الرئيس الأمريكي - من حيث يدري أو لا يدري - لعصر جديد بتسمية الوباء العالمي باسم "وباء الصين"، تسمية مرت وكأنها مجرد مكايدة سياسية، لكنها تسمية كاشفة

وقت الشائعات.. (٣ - ٣)

وقت الشائعات.. (٣ - ٣)

وقت الشائعات (١ – ٣)

حين تشتد الأزمات في مجتمع ما يبحث الناس عن المعلومات، مثلما يبحثون عن السلع، وفي سبيل سعيهم للوصول إلى الحقيقة قد يقعون ضحايا للمعلومات المغلوطة والمضللة، والسلع الفاسدة والمضرة.