آراء

من يدفع ثمن كورونا؟ (3)

11-4-2020 | 16:48

كورونا لها تكلفة باهظة وثمن غال على الصحة والاقتصاد، والله سبحانه وتعالى وزع الأعباء الصحية على جميع بلدان العالم بأسره بحكمته وعدالته بين الجميع، ولم يكن هناك فرق بين أمير أو رئيس وبين أي عامل نظافة أو غيره فهي العدالة البيئية في أجل صورها، وفيها العبر والعظات للجميع، فليس مركزك أو حراسك أو مالك أو عملك هو الذي سوف يحميك من فيرس صغير؛ فأينما تكونوا يأتيكم الموت أو الفيروس ولو كنتم في بروج مشيدة، وهنا العبرة والعظة أمير داخل القصر الملكي له خدم وحشم، وقبل الوصول إليه يخضع لإجراءات أمنية وصحية متعددة وجيش لحمايته وتنظيف القصر الملكي، هذا الأمير يصاب بالفيروس، وكذلك رئيس وزرائه، بينما هناك عمال نظافة في الشوارع وغيرهم في حماية المولى الكريم، وربنا سبحانه وتعالى ترك للبشر والدول حرية توزيع الأعباء الاقتصادية لكورونا أو ثمنها المادي، وهذا اختبار للجميع؛ لأن الخسائر الاقتصادية كبيرة حتى على الدول الكبرى، ولقد تراجع الإنتاج وإيرادات السياحة مع تكلفة المواجهة والتداعيات المختلفة لذلك.

ولمواجهة هذه الأزمات هناك أكثر من نموذج للمواجهة نبدأ بالنموذج الأيسر؛ وهو النموذج الرأسمالي فنجد ترامب يصدر قانون الإنتاج الدفاعي لحماية أمريكا، الذي يضع كل مواقع الإنتاج الخاص تحت تصرف الحكومة المركزية طوال الأزمة؛ لتكليف أي منها بأي عمل تحتاجه الدولة؛ حتى ولو بدون ربح، وتم إقرار هذا القانون بعد مماطلة شركة جنرال موتورز في الاستجابة لطلب الحكومة بتوفير 40 ألف جهاز تنفس صناعي لمواجهة الأزمة، حيث عرضت الشركة توفير ستة آلاف جهاز فقط وبأسعار غالية، وهذا يعني صراحة اقتصاد موجه من قبل الحكومة للمصلحة العامة وتحت سيطرة الدولة وضد مبدأ حرية السوق، وهو على أقل تقدير نوع من التأميم ولو إلى حين، كما أعلن الرئيس الأمريكي محذرًا للجميع أنه قد تكون هناك إجراءات أشد ورسوم ضخمة على الأغنياء إذا استمرت الأزمة، سواء الخاصة بكورونا أو بانخفاض سعر البترول.

وخصص ترامب مبلغ 2 تريليون دولار تعويضات لمتضرري كورونا من ميزانية الدولة، وأضاف 100 مليار دولار جديدة لميزانية الصحة؛ ولذلك يرى كثيرون داخل النظام الرأسمالي بوجه عام والأمريكي بوجه خاص ضرورة إعادة النظر في مبدأ حرية السوق والنظام الرأسمالي بوجه عام، كما يتوقع الخبراء رفع الضرائب التصاعدية في أمريكا والدول الرأسمالية قريبًا لتغطية هذه الاحتياجات، وخاصة أن الريئس الأمريكي السابق روزفلت سبق له رفع الضرائب التصاعدية إلى نحو 92% عند مواجهة أزمات اقتصادية سابقة، وهي موجودة في كل الدول الرأسمالية الآن، وقبل حدوث الأزمة؛ حيث تبلغ في بلجيكا نحو 54% وفي ألمانيا نحو 49% وإيطاليا نحو 48%، وكذلك المجر وفرنسا والنمسا، ومتوقع مزيد من الارتفاع بعد أزمة كورونا، هذا بالإضافة إلى التبرعات الضخمة لرجال الأعمال والفنانين واللاعبين؛ هكذا يقوم النظام الرأسمالي بدفع ثمن كورونا.

وهناك نموذج أفضل لمواجهة مثل هذه الأزمات وهو النموذج الإسلامي الذي يقوم على أساس التكافل الاجتماعي؛ فكلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته، "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

وتأتي مصلحة الجماعة والمجتمع في المقام الأول؛ فسيدنا عمر رضي الله عنه حينما حدثت المجاعة كان قراره لا ثروة لأحد عند المجاعة؛ لأن المال في الأصل هو مال الله، "وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" ثم يقول الله سبحانه وتعالى "وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ" (الحديد7)، وهذا يعني أن المال مال الله والإنسان مستخلف فيه لبعض الوقت، وبالتالي فالإنسان ملزم بأن يتصرف في المال بما يرضي صاحبه وهو الله.

 ولذلك يؤكد الشيخ الغزالي أن الظن بمحاسبة الإنسان على تصرفاته المالية يجب أن تكون في الدار الآخرة فقط ليس صحيحًا؛ بل يجب أن يحاسب عليه في الدنيا أيضًا؛ لأنه إذا كان من حق الأسرة الحجر على رب الأسرة إذا كان سفيهًا، فالمجتمع أولى بذلك؛ ولذلك صادر سيدنا عمر "رضي الله عنه"  كثيرًا من ممتلكات الأثرياء لحساب المجتمع؛ لأن إصلاح حال المجتمع وإشباع احتياجات الفقراء ضرورة، حتى ولو على حساب حقوق مكتسبة لبعض الأفراد أو الفئات؛ ولأن الإسلام يكره تركيز الثروة بيد قلة، ويطالب بالحد من الفوارق بين الطبقات، "كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ" (الحشر 7).

وهنا لسيدنا عمر "رضي الله عنه" موقف لا ينسى عبر التاريخ بأكمله، وذلك عندما فتح الله عليه ببلاد الشام والعراق ومصر وفارس، وهي كلها أراض زراعية وخيرات وثروة لا تقدر بمال، وكان معروفًا أن للجيش المنتصر خمس هذه الأراضي، وفعل ذلك الرسول "صلى الله عليه وسلم"، وسيدنا أبوبكر "رضي الله عنه" فعل كذلك، هنا فكر عمر "رضي الله عنه" وقال لجنود جيشه المنتصر: لن أعطيكم خمس هذه الأراضي قالوا لماذا يا عمر؟ رد لو أعطيتكم كل هذه الثروة، فماذا سنترك لأولادنا وأحفادنا؟ ردوا وقالوا هذا حق أخذناه في عصر الرسول "صلى الله عليه وسلم" وأبو بكر "رضي الله عنه"، لماذا تحرمنا منه لأجل أجيال لم تأت بعد، قال هذه ثروة كبيرة، وفهمي للإسلام كراهية تركيز الثروة في يدي فئة قليلة، وبعد مناقشات بين جميع الصحابة اقتنع الجميع برأي عمر "رضي الله عنه"، فهذا هو رأي سيدنا عمر "رضي الله عنه"، وهو من قال عنه الرسول "صلى الله عليه وسلم" لو كان هناك نبي من بعدي لكان عمر.

والغريب ما نشر عن مقترح يناقشه مجلس النواب يتضمن ضرائب على الدخل بنسبة متفاوتة، تبدأ بخمسة آلاف جنيه شهريًا، ثم يتصاعد إلى 20 ألفًا، ثم يقف التصاعد! لماذا: هل رحمة بالأثرياء؟! فالطبيعي أن ذي الدخل الأقل من عشرين ألفًا معظمهم استهلاك ضروري، وما فوق ذلك يبدأ الاستهلاك الترفي، وهنا يجب أن تكون هناك شريحة ضريبية أعلى 5% عما سبق، ومن 21 ألفًا إلى أقل من 40 ألفًا، ثم ضريبة أعلى لمن يقل عن 60 ألفًا، وتظل تتصاعد الضريبة بزيادة الدخل؛ هذا هو النظام الرأسمالي، وهو أضعف الإيمان.

والرسول "صلى الله عليه وسلم" يقول: "هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُم"، ولذلك قال سيدنا أبوبكر "رضي الله عنه" الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، رحمة الله عليك أبي بكر.. والله الموفق.

حضارة مصر بين الشرق والغرب (5)

حضارة مصر بين الشرق والغرب (5)

كورونا فرصة للاستثمار (5)

قال الدكتور محمد عبدالعال، رئيس مجلس النواب الأسبوع الماضي إن مصر قادرة على تحويل أزمة كورونا إلى فرصة للاستثمار؛ من خلال توطين الصناعة وزيادة الاهتمام بالزراعة.

كورونا وهجرة العقول (4)

تصاعد أزمة كورونا كشفت ضعف المنظومة الصحية في معظم دول العالم، وأيضًا ضعف منظومة البحث العلمي والتعليم في كثير من الدول؛ ومنها دول كبرى وعظمى، وبالطبع

بدائل السجون في عصر الكورونا

الهدف الأساسى من السجن إصلاح وتهذيب السلوك السلبى للأفراد الخارجين على قواعد المجتمع؛ ولكن الدراسات أثبتت أن السجون عادة ما تفشل فى تحقيق هدف الإصلاح والتهذيب

كورونا ونظرية النفايات

هناك نظرية في العلوم الإنسانية تسمى نظرية النفايات أو القمامة وباختصار تقوم على عدة عناصر تشمل بداية أن ندرس الشيء وعكسه فلكي نفهم الغنى يجب دراسة الفقر؛

رسالة مصر في إفريقيا (4)

​ولدت مصر إفريقية؛ حيث كانت هناك عدة أسر قوية كثيرة في شتى أنحاء مصر، وقامت عدة حروب فيما بينهم حتى انتهت إلى أربع أسر وهي التي يرمز إليها بالنحلة والبوصة

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

رسالة مصر وتاريخها والبحر الأبيض المتوسط (3)

مصر أم الدنيا ورسالتها (2)

يعرض دكتور حسين مؤنس في كتابه أسباب انتشار جملة "مصر أم الدنيا" بتحليل تاريخي لهذه الحقيقة ولو عرف كل مصري قيمة هذه الأرض لما كفاه أن يعمل بيديه وعقله

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

مصر ورسالتها في فكر حسين مؤنس (1)

ما بعد الحداثة والمعرفة البيئية وجمال حمدان (11)

عصر ما بعد الحداثة يتميز بثورة وثروة المعرفة؛ بمعنى تزايد كم المعارف بشكل كبير وسريع بما يمثل ثروة كبيرة في المعرفة بكافة صورها بوجه عام، وهذا في حد ذاته

ما بعد الحداثة والاقتصاد والبيئة (10)

ما بعد الحداثة ترفض عصر الحداثة ومشتملاته؛ خاصة النظم الاقتصادية التي أدت للمخاطر البيئية المختلفة التي نعانيها الآن، مثل: تغيرات المناخ، الدفء الحراري،

ما بعد الحداثة والدعم النقدي (9)

تمثل مشكلة الدعم وعدم وصوله لمستحقيه مشكلة حقيقية تخل بالعدالة الاجتماعية والأمن الاجتماعي والاستقرار المطلوب لنجاح التنمية، وهناك أسباب مهمة لعدم وصول

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة