آراء

الضمير الوطني.. الغائب!

7-4-2020 | 15:18

قال "فلان" عن "علان": إنه قليل الأدب! وبرغم أن تلك العبارة لا تشكل ما يسمَّي ـ في منطق السلك القضائي ـ بالسب أو القذف، إلا أن "ترتان" انفعل انفعالاً شديدًا، وتصدَّى بعصبية للرد على قائل العبارة أو شبهة التهمة الموجهة، متهمًا إياه بأنه يمتدح هذا الـ "علاَّن" ولا يُنقص من قدره ولا يصفه بما يجب! وعند محاولة استيضاح الغرض من هذا الرد الذي يبدو غريبًا، قال "ترتان": إن "علاّنَّا هذا ليس "قليل الأدب" ولكنه "عديم الأدب"! وانعدام الأدب ينبـُع من موت "الضمير " لديه.. فالضمير الحي اليقظ يحتوي في طياته كل القيم الجمالية التي نطلق عليها لفظة "الأخلاق" وهي المُفترض أن يكون عليها الإنسان/الإنسان! لنلمس في سلوكياته الصفاء والنقاء والقناعة والرضا والرحمة والتراحم والحب وعدم الكراهية وعدم الجشع والالتزام بالمبادئ السامية والأحكام السارية على محيط مجتمعه عُرفًا وقانونًا! ألا ترى أن هذا الـ "علان" يتاجر في الأسواق ــ في محال تجارته الواسعة بأرجاء المدينة ــ بأوجاع الناس خلال تلك الأزمة الفيروسية التي يمر بها الوطن والعالم، والتي استحضر لها العلماء من قواميس اللغة غير المتداولة كلمة "جائحة" كناية عن شدة البلاء وقسوته ؟ بلى.. ولكنها بحسب منطق رأس المال تجارة مشروعة، ورأس المال لا قلب له ولا يعرف سوى لغة الربح "والبحر يحب الزيادة" بحسب المثل الشائع!


وصحيح أن آليات السوق تتحكم فيها نظرية العرض والطلب الظالمة وبخاصة في دول العالم الثالث، وتخضع لما يسمى في علم الاقتصاد بقانون "المنفعة الحدية"، بمعنى أنه لو كانت القوة الشرائية لدى مشتر لكيلو من الطماطم تحت سعر ثلاثة جنيهات، فإنه في حال ارتفاع السعر إلى خمسة جنيهات، فإن القوة الشرائية لديه لن تسمح له إلا بالحصول على نصف كيلو فقط باثنين ونصف من الجنيهات، أما من يملك المال فإنه يستطيع أن يشتري آخر عشرين كيلو في السوق تحت سعر خمسة جنيهات بإجمالي مائة جنيه! والفقير "يضرب دماغه في أقرب حيط"! وليذهب فقراء المجتمع إلى حيث ألقت.

وهنا سينبري مندفعًا من يقول: وأين دور الأجهزة الرقابية في الدولة على الأسواق والأسعار وجشع التجار؟ نعم.. الدولة وأجهزتها الرقابية وجمعية حماية المستهلك : سعرا وجودة مسئولة في الشكل.. ولكن من الذي يتحكم في المضمون؟ وكيف تراقب أجهزة الدولة التجار والتغلب على حمى الجشع المتفشية في تركيبتهم، في أقاصي القرى والنجوع والكفور المترامية على جسد خريطة الوطن من أقصاه إلى أقصاه؟

وهنا لابد وأن يبرز دور "الضمير الوطني" في أعماق النفوس لأفراد الأمة الشرفاء للتعاون الصادق _ مع الدولة _ لا جتياز محنة الوباء والحظر المفروض للحماية والوقاية، وحتى تتفرغ أجهزة الدولة العلمية والطبية والتموينية ومنظمات المجتمع المدني لمحاولة حصار الأزمة وتوفير متطلبات المجتمع الحياتية، بدلا من إضاعة الوقت والجهد في متابعة وتعقب عديمي الأدب من التجار الجشعين!

وللأسف.. فإن انعدام الضمير لا يقتصر على تجار المستلزمات السلعية الضرورية للإعاشة، ولكنه يقفز إلى صفوف من يقدمون "المستلزمات الخدمية " وتشمل قائمتهم الطويلة - بعض - الصيادلة والأطباء ومعامل التحاليل الطبية ومنتجي أدوات الوقاية المطلوبة للجماهير التي تسارع إلى حماية صحتهم وأرواحهم وأرواح ذويهم بالحصول على تلك الأدوات.. لتقفز الأسعار إلى عشرة أضعاف السعر الرسمي  واذا كان عاجبك"! فهناك على الأبواب الآلاف ممن يتوقون للحصول عليها بأعلى سعر! وأيضًا نقول : ليذهب فقراء الوطن إلى أعماق الجحيم! لتنتفخ جيوب "عديمي الأدب" وحساباتهم البنكية، ليظهر من جديد طبقة "أغنياء الحرب" التي طفحت على سطح المجتمع في أربعينيات القرن الماضي وانتهاء الحرب العالمية الثانية.. ويبدو أن أحفادهم مازالوا يواصلون التخاصم مع خصال الأخلاق الحميدة، والتمادي في طريقهم الشائك والمعوج.

إنني _ كمواطنة مصرية أتعايش مع مشاكل المجتمع يوميا _ أهيب بأجهزة الدولة الأمنية سرعة التضافر مع الأجهزة الرقابية للسيطرة بقوة الإنسانية _ قبل القانون _ لردع هؤلاء بالحسنى أولًا ثم تطبيق ما تنص عليه مواد القانون إذ لم يرتدعوا، وفي اعتقادي أنه لن يتثنى ذلك إلا بإعطاء سلطة الضبطية القضائية لممثلي الأحياء الشعبية في المحليات، التي غاب دورها منذ سنوات بعيدة، وآن الأوان لتفعيل اختصاصاتها وأعمالها.

إننا مازلنا - كدولة وأفراد - نتعامل بمبدأ الطيبة والتسامح في حقوقنا والتغاضي عن جشع التجار ولو بأحكام غرامات مادية لا تتجاوز خردلة فيما يحرزونه من مكاسب، ولعلنا قرأنا أن رئيس إحدى الدول الكافرة والملحدة - كما يطلق عليها بعض الأدعياء - أثناء مروره بسوق عاصمته، وجد لدى أحد الباعة ثمرة تفاح معطوبة - فأمر على الفور بإعدامه رميا بالرصاص على مرأى ومسمع من تجار السوق!

ولا نريد بالطبع أن نصل إلى هذه المرحلة القاسية.. ولكننا نعرض الفارق الرهيب بين معاملاتنا _ نحن المسلمين _ ومعاملات ما توصمونهم بالكفرة الملحدين! وهم في حقيقة الأمر أشد حنانا والتزاما بمتطلبات شعوبهم، على عكس ما نراه يحدث في أسواقنا ونحن في قمة المحنة.. وفي أشد الحاجة إلى.. عودة الضمير الوطني.. الغائب!

كاتبة المقال:

أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: التحرش .. وقرارات الرئيس

لا يخفى علينا المعنى الذي ينطوي عليه مصطلح التحرش الجنسي فهو يستمد معناه بوصفه تنمرًا يتمثل في إكراه شخص على فعل جسدي، أو وعد غير لائق بمكافآت مقابل خدمات جنسية.

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة