آراء

جهود الدولة المصرية .. وكتائب الشر!

31-3-2020 | 13:01

لا نستطيع على الإطلاق أن ننفصل عن الواقع المصري الذي نعيشه في المرحلة الآنية؛ ولا نملك تجاهه إلا الرصد الصادق ـ والمُحايد ـ لحراك وتفاعلات المجتمع تحت وطأة ما هو أشد من "الطاعون" الذي اجتاح القطر المصري وبلاد المغرب لعدة مرات؛ وهو الذي قام برصده "عبدالرحمن الجبرتي" في كتابه المهم بعنوان "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" أو المعروف لدى العامة بـ"تاريخ الجبرتي".


ولست بصدد استعراض ما رصده الجبرتي عن وقائع تفشي المرض وصدام المصريين مع جيوش الفرنجة الفرنساوي ـ على حد وصفه ـ وسقوط الآلاف من المصريين صرعى فترة اجتياح ذاك الوباء.

ولكني سأعقد مقارنة بسيطة ـ لمجرد الرصد للتأريخ ـ بين المواجهات التي تتم الآن لمواجهة فيروس "كورونا" من وجهة نظر "العلماء والأطباء" ووجهة نظر كتائب الشر من "الأدعياء"، ومحاولة رصد كيف يتعامل كل فريق مع "الوباء" ـ إذا ما تخيلناه بمثابة وجبة ـ كلٌ على مائدته بذائقته النفسية والعلمية والعقائدية! وأعرف مسبقًا أن المسألة صعبة ولكنها بالرؤية العاقلة ليست مستحيلة.. ترى.. هل سيحالفني النجاح؟

بداية.. لابد لنا أن نعرف أن الجنس البشري يخوض الآن معركة طويلة الأمد ضد "فيروس"، بدا غامضًا في بدء حياته من مدينة "ووهان الصينية"؛ وصاحب الرعب خطوات انتشاره بسرعة رهيبة ليحصد المئات من الأرواح؛ وبخاصة كبار السن الذين يفتقدون لقوة جهاز المناعة في تركيبتهم الجسدية.

وسرعان ما عكف الأطباء والعلماء داخل المعامل البحثية ـ المُجهزة بأحدث الوسائل التكنولوجية ـ على إجراءات محاصرة واستكشاف هذا العدو الخطير، وجاءت النتائج البحثية الفورية بما يؤدي ـ مرحليًا ـ إلى تحجيم انتشاره وتغلغله قدر الإمكان وتحديد صفاته الجينية ومكوناته الخلقية، وكان الإجماع على تسميته مؤقتًا "فيروس كورونا المستجد 2019"؛ حيث سجلت أول حالة إصابة بفيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية على سبيل المثال في عام 2012، حين أصيب طفل بالفيروس إثر مخالطة "جمل" حامل للفيروس.

وسجلت بعدها حالات إصابة عديدة بين البشر إثر التعرض للإبل المصابة، وكلمة "كورونا" هي المقابل اللاتيني لكلمة "تاج"، وقد استمد اسمه من شكله الحلقي المغطَّى بالنتوءات التي تشبه التاج، وتشير خلاصة الأبحاث العلمية الجادة إلى المزيد من الأمل في القضاء عليه قضاءً مبرمًا؛ أو تحجيمه ومحاصرته لإنقاذ البشرية من هجماته المتوحشة.

وعلى رأس المشهد كانت تقف مصر ـ كعادتها ـ بأطبائها وعلمائها وباحثيها ومعاملها ذات التكنولوجيا المتقدمة؛ علاوة على جهود وزارة الصحة المصرية بالزيارات المكوكية إلى البلدان المضارة بالفيروس؛ للوقوف على المستجدات في المقاومة وتبادل الخبرات بالتعاون مع قطاعات إدارة الأزمات والكوارث؛ تمثلت في تنظيم دورات تدريب توعوية لمديري مدارس التربية والتعليم، والمعاهد الأزهرية والمدرسين، والأطقم الصحية على إجراءات الوقاية ومكافحة العدوى من فيروس كورونا.

تلك هي تعاملات العلم والعلماء مع ما تخيلناه "وجبة"ـ والتشبيه مع الفارق لتقريب الصورة ـ على المائدة؛ وكيفية التعامل بالمنظور العلمي البحت؛ وليس بالتهويمات والحوقلات وغيبوبة حلقات الدراويش من المجاذيب الذين يعتقدون أن كل خطوة يكسبها "العلم" وقوانينه المحسوبة يخسرها "الدين والعقيدة" والعكس، وللأسف يستوي في هذا الاعتقاد الخاطئ كبار السلفيين في الدين الإسلامي والمسيحي!.

ولنا أن ننتقل إلى الجانب الآخر من الشريحة الاجتماعية ـ وهي موجودة شئنا أم أبينا كطبيعة للمفارقات المجتمعية الموجودة منذ الأزل ـ التي تتعايش مع الواقع المصري المعاصر بنظرة متخلفة معجونة بكل ما غرسته الكتب الصفراء التي قامت بتلويث التراث العقائدي بكل الخرافات غير المستندة إلى منطق العلم والعلماء.

ولنا أن نرصد ما قامت به ــ أخيرًا ــ تلك الفئة من جماعات الجهل والتعتيم، وحملة أفكار ثقافة الموت والتربص لإطفاء مشعل التنوير؛ وذلك باعتلاء المنابر والصراخ الجهوري بأن يستسلم "االناس" للبلاء؛ لأن تلك الفيروسات والجراثيم الفتاكة ـ بحسب جهلهم ـ جندٌ من جنود الله أتوا للقضاء عليهم وعلى الحرث والنسل لفسادهم في الأرض فحقَّت عليهم اللعنة بهذا الوباء والبلاء!.

لقد تناسى هؤلاء الغوغاء أن الله أمرنا أن نأخذ بالأسباب العلمية لمجابهة أخطار الحياة، و"قل رب زدني علمًا" ولم يقل: تقاعسوا واننتظروا الموت!.

ولو تمعن هؤلاء واستخدموا عقولهم في العديد من المشاهد التي منحها الله لنا للعظة والعبرة، فنرى رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وابنه "إبراهيم" يعاني سكرات الموت.. ليموت بين يدي أبيه بفعل المرض، وهو النبي القادر على أن يدعو الله ببقاء ابنه حيًا فيلبَّى طلبه، ولكنها حكمة الله القادر العليم بأحوال البشر، وربما للخوف من الأدعياء بالمطالبة بتوريث الرسالة والنبوة!.

فهل يعي هؤلاء قيمة هذا الدرس للعودة إلى عقولهم؟

تلك هي رسالتنا ورسالة الدولة الحريصة على صحة وسلامة أبنائها؛ ولا يسعنا إلا أن نثمِّن دورها الإيجابي تجاه الشعب المصري وملايين الوافدين في ضيافته من كل جنسيات العالم، وهو الموقف الذي قوبل بالإشادة من كل المنظمات الصحية العالمية وتوجيه الشكر لتلك الجهود الخلاقة في سبيل إنقاذ البشرية؛ والسير بأمان على طريق الحياة.

ولكِ يا مصر السلامة.

كاتبة المقال:
* أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة تكتب: شيخ المحققين د. حسين نصار في ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلي أن يفخر بالتواجد في عصر عمالقة الأدب العربي، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم في مقاعد الدرس والتحصيل؛ لنتلقى العلوم ممن نعدهم

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة