ثقافة وفنون

"زيارة أخيرة لأم كلثوم" توثق صراع المهمشين و"الأرزقية" ضد قسوة الواقع

30-3-2020 | 12:03

«زيارة أخيرة لأم كلثوم» للكاتب علي عطا

أ ش أ

في روايته "زيارة أخيرة لأم كلثوم" الصادرة مؤخرا عن الدار اللبنانية للنشر والتوزيع، قرر الكاتب على عطا أن يسلك مسلكا مغايرا للطرق التقليدية في السرد، فاختار أسلوب البوح الحر الذي يقفز في انسيابية متقنة بين أزمنة وأمكنة متعددة تراوحت بين الماضي والحاضر والقاهرة والمنصورة.


وتقول الناقدة الأدبية نشوى أحمد في قراءة لهذه الرواية: تعمد الكاتب عبر بوحه؛ العزف على أوتار النفس الإنسانية المتعطشة دائما لمعرفة المخبوء والغامض والمسكوت عنه، وهكذا يحدث السقوط في حبائل النص منذ اللحظة الأولى، فلا انفلات من قبضة الأسرار التي تتكشف واحدا تلو الآخر.

وفي رحلة الكشف يرصد الكاتب ما حدث في الواقع المصري من تحولات اجتماعية، سياسية، اقتصادية وثقافية خطيرة منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى عام ٢٠١٨ وامتد منها إلى بعض القضايا التي تتسم بصبغة دولية تتصل ولا تنفصل عن المحلية وقضاياها الشائكة، فأفرد لبعضها مساحة من السرد واختزل الآخر في إشارات وومضات خاطفة شديدة الكثافة وشديدة العمق.

وتضيف الناقدة نشوى أحمد إن الكاتب عبر ما رصده من تحولات، وثق تاريخا لا تحكيه أقلام المؤرخين، ولا تلتقطه إلا عين الأدب، تاريخ المهمشين الكادحين هؤلاء الأرزقية بحد وصفه ونضالهم في واقع لا يعرف منهجا إلا القسوة، تلك التي كان نتاجها عوار آخر ضرب صفوفهم، فبدا في صور متنوعة من الجريمة: قتل، تحرش، شذوذ، استباحة حقوق، ثم تاريخ المنصورة قبل أن تبدل ثيابها عبر عقود حولتها من "جزيرة الورد" إلى مدينة لا تشبهها، وتاريخ حقبة صادفت عمرا يتشكل فيه الوعي في مرحلة الشباب بما جعل "حسين" الشخصية المحورية في النص أكثر تأثرا بالرئيس السادات ولم يكن تأثره انحيازا أعمى أو انتقادا مجحفا، وإنما؛ وككل شخوص النص، وضعه الكاتب وأحداثه أسفل تلك الشرفة التي كان يرى منها المجتمع لتبدو الصورة كاملة وغير مجتزأة تتضح متناقضاتها دون أية محاولات للانتقاء.

وقد اتسع النص ليحمل الكثير من متناقضات الواقع عبر كل حقبة شملها السرد فبرزت خلالها قضايا التفاوت الطبقي والفصام السياسي، والتدين الشكلي، والمعاناة المعيشية لطبقة تستميت في التشبث بخط الفقر كي لا تبتلعها الهوة السحيقة تحته.
وترى الناقدة نشوى أحمد أن كل ما ساقه الكاتب من تلك المتناقضات كان تفسيرا شافيا للجوء شخصيته المحورية لإحدى المصحات النفسية؛ في رسالة مفادها أن ما من نفس تتعاطى مع كل ذاك الزخم من التناقضات إلا وتتفاعل معه بوصفها نفسا رهيفة باتت لعنة على صاحبها، تحت وطأة كل ذلك التناقض والجنون.

لم يخل السرد من إسقاطات سياسية وإجتماعية ذكية ملفتة، اختار الكاتب موضعها في نصه بعناية فائقة، كما تقول نشوى أحمد، ليعري من خلالها سوءات الواقع ويكشف عبرها قدرا عظيما من الزيف والكذب والنفاق الاجتماعي.

ومن خلال بوحه استطاع الكاتب أن يرسم بإجادة واقتدار شتات النفس الإنسانية مستدعيا أدوات عدة من بينها "الأحلام" التي يعتبرها علماء النفس الطريقة الأصدق لمعرفة خفايا النفس، حقيقتها، عمقها السحيق، ورغباتها اللاشعورية التي قد لا يدركها العقل الواعي، فضلا عن إنها كانت وسيلته لتمرير بعض الدلالات الرمزية.. فالشخصية المحورية "حسين" حين كان يحلم أن عجوزا سرق "دعاء" زوجته وأنه يبحث عنها بلا طائل وجميع من حوله يتواطأ في إخفائها، إنما أراد أن يشي بما فعلته السنون وما أحدثته من تباعد وفرقة بينه وبين زوجته، وتواطؤ كل من حوله في زيادة هذه الفرقة والمسافة بينهما، ويعبر عن رغبته في استعادتها وإن لم يدرك ذلك عقله الواعي.

اعتمد الكاتب تكنيكا سينمائيا ومرر عبر السرد تقنياته البصرية، لتستحيل السطور إلى صور والصفحات إلى مشاهد تتنفس خلالها الشخوص وتتحرك في رشاقة بالغة ليتحول فعل القراءة إلى مشاهدة، فكأنك ترى الأب يحمل دلوه، يبيع المشروبات الغازية، والابن يمارس مهنة التحبيش "ربط الأقفاص"، كأنك ترى شوارع المنصورة وأزقتها، حتى حادث المنصة تراه يحدث من جديد.

استمر الكاتب في حشد الرموز والدلالات بحسب قراءة نشوى أحمد، حتى من خلال أسماء الشخوص فهذا البوح لم يستثره سوى "طاهر" الصديق، وهذا "عقل" الغامض الذي يبدو في أوقات كأنه رحل بلا عودة ليرمز إلى ما يعج به الواقع من شطط، وكما احتوى النص على الكثير من الرمز، ضم في جنباته معلومات غزيرة انسابت في نعومة بالغة عبر النسيج الروائي وتناغمت مع حالة النوستالجيا التي هيمنت على النص، وذلك الحنين إلى الماضي بما فيه من قليل من البهجة وكثير من الجراح.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة