آراء

غيوم كورونا

28-3-2020 | 13:15

قد يقول قائل: ليس هذا وقت الحديث عن مستقبل مازال مجهولا، ومازالت سحيبات الوباء تحلق في سماء العالم، ولكن الحياة مازالت تسير في إيقاعها الرتيب المنتظم، وتروس ماكيناتها الرهيبة تهرس عظم الزمن والبشر على ظهر البسيطة، ولكننا نتيمن قول الرسول الأعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديثه:


(إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا)!

ونحن معشر الكتاب حاملي لواء قضايا المجتمع في مجال تخصصاتنا العلمية والفنية، نحاول أن نقوم بدورنا في التثقيف الفكري والتوعية بالقيم الجمالية؛ للتعامل من خلالها مع حركة الحياة سلمًا وحربًا، وندرك تمامًا قيمة الفن ودور الأغنية بالذات في توهُّج الحس الشعبي قبل وأثناء وبعد مرارة النكسة حتى انتصارنا العظيم في أكتوبر، وأعتقد اعتقادًا راسخًا أن الأغنيات الوطنية التي شدا بها معظم المطربين والفنانين المصريين في تلك السنوات العجاف، كان لها أكبر الأثر في شحن وتوهُّج الإحساس الجمعي بين المواطنين في داخل البلاد وبين جنود الجيش المحتشدين على جبهة القتال .

فما بالنا .. ونحن الآن في مواجهة حرب ميكروبات وفيروسات خفيَّة، لا يُجدي معها الرصاص والدبابات والمدافع والطائرات؛ كما واجهنا بشجاعتنا جحافل جيش العدو ونحن وجهًا لوجه وظاهرًا للعيان في ميادين القتال، ولكن المواجهة اليوم تختلف كل الاختلاف في الشكل والمضمون، فنحن أمام شبح هُلامي لا نراه بالعين المجردة .

لذا .. أتمنى أن نجد استجابة فورية من أهل الفن في مجال الأغنية الهادفة ذات التأثير الإيجابي، التي تقوم ببث التفاؤل وتنمية الحرص على الثقة بالنفس واتباع ما تراه القيادة السياسية من واقع دراسات المراكز السيادية المتخصصة في أمور إدارة الأزمات لإيجاد الحلول الناجعة لها، والتوعية بقيمة "العلم والعلماء"، بديلا عن الركون أو الارتكاز على الغيبيات ـ التي نؤمن بها ونحترمها ونقدسها بلا أدنى شك أو تشكيك ـ كما حدث من بعض المتخاذلين ذوي التوجهات العدائية للدين والدولة ـ ببعض المحافظات المصرية؛ بُغية إحراج المسئولين والقائمين على حماية صحة المواطن المصري.

ورأيي أن هؤلاء الذين خرجوا في جنح الليل ــ برغم حظر التجوال خوفًا على الحياة والأرواح ــ ينقصهم الكثير من "الوعي" بالصالح العام الذي نتطلع إلى زيادته بكل الأمل؛ والارتقاء به إلى مستوى الأحداث الجسام التي تمر بالوطن، والتأكيد ـ بلا ملل ـ على أهمية الدور الذي تلعبه الفنون في غرس الثقة في الوجدان الشعبي .

إن مصر تمتلئ وتعج بالمئات من المواهب في مجالات الموسيقى وشعراء الأغاني والاستعراضات المسرحية، ولا أجد أدنى غضاضة في أن أستمع إلى العشرات من الأغاني والاستعراضات والدراما التي تدعو إلى كيفية الحفاظ على قوة جهاز المناعة الجسمانية التي حبانا الله بها، وتحث أيضًا على أهمية النظافة البدنية والتعقيم، وتحتوي في كلماتها على طرق محاربة الفيروسات وكيفية القضاء عليها؛ كما كانت تلك التعليمات ـ مكتوبة على أغلفة كراسات وكتب المقررات الدراسية ـ في حقبة الزمن الجميل .

بل تأخذني التمنيات الطيبة بأن تكون هذه الأغنيات ــ مع تحية "العَلَمْ" ــ هي نشيد الصباح في المدارس العامة والخاصة؛ فالأغاني والموسيقى هما الوسيلة الفضلى للتواصل، وقدرتهما الفائقة على توصيل المعاني السامية إلى أعماق الوجدان . ولا مانع من إقامة مسابقات ذات جوائز مادية سخية ـ من ميزانية وزارة الثقافة أو مساهمات رجال الأعمال ـ لمن يتقدم بأعمال موسيقية غنائية في هذا المجال، سواء بين طلاب المدارس والجامعات والمعاهد الفنية المتخصصة، أو من بين الموجودين على الساحة الفنية، لإيماني العميق أن تيار الجمال الراقي ــ كلمةً وأداءً ــ سيجرف أمامه كل هذا الزبد الذي نراه على سطح فن الأغنية المصرية والعربية، ونضمن أن نتعايش مع جيل جديد يعرف قدر نفسه وفنه وقدر الجمال الذي يثري الروح الوثابة الخلاقة، ويمدها بالطاقة الإنتاجية الفاعلة في المجتمع.

إنني أرى بعين التفاؤل والثقة، أن تلك "المحنة" التي نمر في نفقها المُظلم مع العالم .. ما هي إلا "منحة" رائعة أرسلها الله إلينا وإلى البشرية لنعيد النظر في أساليب وسلوكيات حياتنا: صداقاتنا وعداواتنا، وربما تكون فرصة ذهبية للعودة إلى إعادة النظر في جدوى الحروب الطاحنة التي تُهدر ملايين المليارات في صنع آلات الحرب والدمار، ولتعلن جبهات الشر إغلاق أبواب مصانع السلاح، كي تعود "المدافع والدبابات" إلى "المتاحف" إلى جانب آثار الأقدمين.

تُرى .. هل أنا في حلمٍ خرافي خيالي لذيذ، أم أصابني الهلع والخوف من القادم المجهول من الفيروسات الخفيَّة، ففاض "قلمي" بكل الأمنيات الجميلة الراقية، وأتطلع ـ بعين الخيال ـ إلى رؤية كوكبنا الأرضي .. فيما بعد انقشاع غيوم "كورونا"!!

ها أنا ذا أغرس "الفسيلة" التي أملكها في يدي، فمن منكم ومن أهل الفن سيتقدم لريِّها سويًا قبل أن تقوم القيامة ويدهمنا الطوفان القادم من جبال هذا الفيروس الخفي اللعين: كــــورونا!

* أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: التحرش .. وقرارات الرئيس

لا يخفى علينا المعنى الذي ينطوي عليه مصطلح التحرش الجنسي فهو يستمد معناه بوصفه تنمرًا يتمثل في إكراه شخص على فعل جسدي، أو وعد غير لائق بمكافآت مقابل خدمات جنسية.

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة