آراء

مظاهرات.. ضد مجهول!

24-3-2020 | 16:11

بالتأكيد.. سيقوم المؤرخون بالتسجيل في صفحات التاريخ "باب الغرائب والعجائب"؛ لأول حالة فريدة من نوعها في مصر وربما في العالم؛ لبعض القطعان ـ المُسيَّسة والموجهة بـ "الريموت كونترول" ـ ممن يشبهون البشر في هيأتهم ولغتهم وحناجرهم الملوثة بكراهية الوطن، وينتظم العشرات القليلة منهم في مسيرة هلامية تشق الشوارع فيما يشبه الغيبوبة الدماغية للمناداة بإسقاط الخائن الدكتاتور: "فيروس كورونا"! ويبدو أنهم "شربوا الكحول" ولم "يتطهَّرُوا" به!


والعجيب في تلك المسيرات أنها بدأت في مدينة الإسكندرية ـ بعد أن أنعم الله عليها بدخول الإسلام السلفي في الثلث الأول من القرن الحادى والعشرين! ـ ؛ والأعجب أنهم يتوجهون إلى "الله" ــ سبحانه خالق كل شيء ــ بالتكبير والدعاء ليرفع "مقته وغضبه على البلاد والعباد"، وتناسى هؤلاء أن الدعاء والتضرع إلى الله لا يكون بهذا المظهر التمثيلي الفج؛ ولكنه جاء امتثالاً لبعض الدعوات التحريضية بإثارة القلاقل واستعراض الوجود للتأكيد بأنهم مازالوا على قيد الحياة والكراهية داخل المجتمع المصري، هذه الدعوات القادمة عبر صفحات التواصل الاجتماعي؛ لتلتقطها وتنقلها كاميرات الشاشات المشبوهة في القنوات المعادية المعروفة من جماعات الإخوان المسلمين وذيولهم من الهاربين في عواصم العالم؛ وهي العواصم التي تفتح أبوابها وبنوكها لكل العناصر الإرهابية الهاربة، والشعب المصري على يقينٍ تام أنهم أشد خطرًا على الوطن من كل فيروسات وأوبئة العالم.

وتناسى هؤلاء أيضًا أن التضرع والدعاء إلى الله لابد أن يكون في خلوة روحية خاشعة صادقة مع النفس ــ وبخاصة بعد إصدار قرارات الدولة بمنع التجمعات لمواجهة انتشار الوباء ومحاصرته وضرورة الالتزام بها ــ وليس بتلك المسيرات الهلامية المُغرضة التي يركب ظهرها بعض الغوغاء أو أصحاب سلامة النوايا من العامة والبسطاء؛ الذين ينجرفون كغثاء السيل مع تيار كل ما يتعلق بمظاهر الدين وطقوس العقيدة.

ويبقى السؤال الذي أتوجه به لهؤلاء المجاذيب: هل يحتاج "الله" ـ جل جلاله ـ إلى مظاهرات صاخبة في الشوارع.. كي يستمع إلى الدعاء؟

لقد دعا نبي الله "يونس" ـ المعروف باسم "ذا النون" وهو في ظلماتٍ ثلاث: ظلمة الليل وظلمة بطن الحوت وظلمة أعماق البحر؛ فاستجاب الله لدعائه ومناجاته لشدة وقوة إيمانه ويقينه بنصرة الله له، وجاء القرآن الكريم خير دليل على أن الدعاء المُخلص ـ بلا مظهرية كاذبة ـ هو السبيل إلى النجاة؛ إذ جاء في كتابه الكريم: "وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ"( سورة الأنبياء 87/88 ).

ومن المطالبات الطريفة في هذه "المظهريات" تلك الهتافات الممجوجة التي تطالب جموع المسلمين بـضرورة "الرجوع إلى الله" لينصر الأمة ويكشف الغُمَّة! وكأن جموع المسلمين قد غادروا ــ إلى غير رجعة ــ حضرة الله وبيوته؛ ويقبعون في معيَّة الشيطان يرتكبون المعاصي ويمارسون الفحشاء جهارًا نهارًا؛ فحلَّت عليهم اللعنة وافترسهم "كورونا" بين فكَّيه؛ برغم الحالات القليلة التي ظهرت على البعض وتعافى غالبيتهم والحمد لله، ولكن الغوغاء يريدون تصوير الموضوع على أن ما نحن فيه.. هو بروفة جنرال ليوم القيامة.. سبحان الله في قذارة ضمائرهم !

هل تناسى "هؤلاء" الذين يطالبون بالعودة إلى الله؛ أن مصر بلد "الأزهر الشريف" الذي تتلمذ بين جدرانه الألوف من علماء الفقه والشريعة وعلماء المذاهب الاثني عشر وأشهرهم المجتهدون أصحاب المذاهب الأربعة للأئمة: أبي حنيفة النعماني، ابن مالك، ابن حنبل، الشافعي؛ هؤلاء الأئمة الذين استقوا أصول مذاهبهم من القرآن والسُّنة النبوية وأقوال الصحابة والمجتهدين من بعدهم ؟ ولا زلنا نسير على منهاجهم القويم ولم نترك الاعتصام بحبل الله وبابه؛ لأنه الملجأ والملاذ وصاحب الفضل والنعم.. وهو عليمٌ بذات الصدور.. فأي رجوع تطلبون؟

وكعادة المصريين أولاد البلد وشهرتهم في كيفية رؤيتهم ورأيهم في الأحداث المحيطة بهم؛ انطلقت على ألسنتهم في مجالسهم "النكتة أو الطُّرفة اللاذعة" التي تقول: إن "الإسكندرانية" ـ أي شعب الإسكندرية ـ يحاولون تقليد جيرانهم "الطلاينة" ـ أي شعب إيطاليا ـ فيما صنعوه أثناء فترة الحجر الصحي الذي فرضته الحكومة لمواجهة تفشي "فيروس كورونا" بينهم بشكل مكثف ومرعب؛ وخرجوا إلى الشرفات ـ وليس الشوارع ـ ليعزفوا الموسيقى لتخفيف حدة التوتر والألم لدى المصابين وتعزية أهل المفقودين؛ ولكنهم لم يناصبوا الدولة العداء أو الخروج على أوامرها؛ كما فعل" السفهاء منَّا "وليسوا منا في شوارع مدينة الإسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط!

ستضحك الأجيال القادمة كثيرًا؛ عندما تقرأ ما سيسجله كُتَّاب التاريخ في صفحاته في "باب الغرائب والعجائب"؛ ويعرفون أننا تجاوزنا كل المحن والشدائد وتعافينا كل العافية بأنفسنا وبمصرنا الحبيبة التي تهون في سبيلها كل المُهج والأرواح.

وربما في مطلع الألفية الثالثة.. سيطل أحد أحفاد الأحفاد من خلف غلاف كتاب قديم.. ليقول: أمي.. أكانت هناك حقًا مسيرات في الشوارع ومظاهرات تطالبنا بـ "الرجوع إلى الله" ؟! لترد الأم: بلى.. ولكن ألم أنصحك بعدم قراءة "باب العجائب والغرائب" في كتب التاريخ؟

وصدق من قال: شر البليَّــــة.. ما يُضحك!

ولكم منِّي كل التمنيات الطيبة بالصحة والسلامة يا شعب مصر العظيم

كاتب المقال:
* أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة تكتب: شيخ المحققين د. حسين نصار في ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلي أن يفخر بالتواجد في عصر عمالقة الأدب العربي، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم في مقاعد الدرس والتحصيل؛ لنتلقى العلوم ممن نعدهم

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة