آراء

البروفيسور سليمان العطار.. وداعًا!

18-3-2020 | 17:27

أكاد لا أصدق أنني أمسك بالقلم لأكتب بصيغة الماضي لأقول: (كان) بيننا!!


وفي الحقيقة والواقع أقول: إنه مازال بيننا ـ وسيظل ـ بنتاج عقله وفكره الذي تركه لنا وللأجيال القادمة؛ هذا البروفيسور العالم الجليل الأستاذ الدكتور/سليمان العطار، أستاذ الأدب الأندلسي المتفرغ بقسم اللغة العربية في كلية الآداب - جامعة القاهرة، وهو المستشار الثقافي الأسبق لمصر في إسبانيا.

عمل كأستاذ زائر في جامعات إسبانيا وتشيلي والسودان والبحرين، وشغل عدة مسئوليات، منها: المدير الأسبق لمركز الدراسات العربية جامعة تشيلي، والذي صدرت له عدة مؤلفات في نشأة الموشحات الأندلسية والأدب الإسباني بصفة عامة، فهو العلاّمة الفِطَحْل الذي حمل حقائبه ورحل عن عالمنا، وغير عنوانه في ليلةٍ انهمرت فيها السماء مدرارة؛ ولا ندري هل تبكي السماء حزنًا عليه؛ أم هي دموع الفرح لاستقبالها إياه في عليين عند مليكٍ مقتدر؟

ولا أدري لماذا تخيلت ـ بمشاعر من تتلمذت على يديه ـ أن رحلة البروفيسور إلى السماء ستكون في زفة ملائكية يتقدمها حملة الأنواط والميداليات والجوائز والنياشين والأوسمة التي حصل عليها عن إبداعاته؛ وهي حصيلة ما يزيد على نصف قرن بعدد السنين؛ ولكنها في الحقيقة توازي حصيلة التحليق في عالمه الخاص؛ بما يوازي مئات السنوات الضوئية المخلصة للعلم والبحث في أغوار الحضارة الأندلسية ولغتها وترجماته المؤثرة لأدبائها من كتاب القصة القصيرة والرواية؛ وبرغم قيامه بترجمة "مئة عام من العزلة" للكاتب الكولومبي "جابرييل جارثيا ماركيز" قبل حصوله على جائزة نوبل في الآداب عام 1982؛ وبترجمة رائعة قال عنها في حديث خاص له: "ليس مدحًا في الذات إنما حقيقة شهد بها جميع القراء؛ فالترجمات الأخرى أطفأت العمل، فالرواية فيها لون من ألوان اللهب، وفيها أشياء لا يعرفها إلا من يفهم اللغة الإسبانية عن قرب"، ولكنه وبرغم كل هذا التمكن من اللغة الإسبانية؛ فإنه يعتز أيما اعتزاز باللغة العربية التي يقول عنها إنها اللغة "الأم" بالنسبة للغة الإسبانية، لأن جذورها أصلها عربي؛ فقد اختارت البناء النحوي للعاميات العربية، بل يقول "العطار" على لسانه: "أحيانًا عندما اقرأ العبارة الإسبانية أحس بأنني أقرأ اللغة العربية".

ويحار القلم بين يدي.. ففي أي اتجاه يكتب عن الإبداعات المتعددة لهذا العالم الجليل؟ وهي الإبداعات التي تتقافز بين جمعه بين الدراسات للأدب المقارن وبين دراسات الأدب الشعبي والفلكور والتصوف والأدب الجاهلي، فمن بين أبرز مؤلفاته: "الخيال عند بن عربي"، وإيمان "العطار" الذي لا يتزعزع بأن الحُب الصوفي الروحي؛ هو ثورة وثروة الإنسان /الإنسان، وأيضًا لايمكننا أن نغفل عن كتابه "مقدمة في تاريخ الأدب العربي: دراسة في بنية العقل العربي"، و"مقدمة منهجية لدراسة الأدب العربي" والموتيف في الأدب الشعبي والفردي "نحو منهجية جديدة"، ناهيك عن الاهتمام الخاص الذي يكاد يتلامس مع شخصيته وتكوينه العلمي والعقلي بالشخصية الخيالية "دون كيشوت"؛ ذاك الفارس الأسطوري الباحث دومًا عن تغيير الواقع المجتمعي إلى الأفضل سلوكًا وانضباطًا وامتثالاً لكل القيم الجمالية التي تليق بالإنسان الذي يجسد قيمة الله في الأرض! وهي رواية قام بكتابتها الأديب الإسباني "ميجيل دي ثيربانتس سابيدرا"؛ وكان جُل اهتمام الراحل الكريم بتلك الرواية من قناعاته بالواقعية الأدبية كجزء لا يتجزأ من الجماليات النصية في الابتكار والإبداع الأدبي بشكلٍ عام.

أعود لأقول: لم يكن "العطار" متجولاً في البلاد كـ "دون كيخوت" الذي كان يمتطي صهوة جواده الضعيف حاملاً درعًا قديمًا ومرتديًا خوذة بالية؛ ولكن "العطار" ظل لآخر أنفاسه ممتطيًا صهوة القلم الذي لا يعرف المهادنة في سبيل إعلاء قيمة الجمال والحب الإنساني الرفيع لطلابه ومريديه في حلبة العلم والعلوم الإنسانية الراقية؛ وشحذ الهمم نحو التحديث الثقافي العلمي والسلوكي، ورحل عن دنيانا.. ومازلت لا أصدق أن أقول عنه: كان بيننا منذ لحظات قليلة من عمر الزمن المقتول فوق عقارب الساعة.

السلام لروحك.. يا من كنت جميلًا.. وستظل جميلًا بقدر ما أعطيت للبشرية من علم ومحبة تعادل محبة الرسُل لرسالاتهم فقد كنت دومًا نعم الأستاذ والصديق والأب تعيش بين تلامذتك ولهم وبهم، كنت خير معين وداعم مغداق تغمر من حولك بفيض من روحك العاشقة للحرية والانطلاق.. ستبقى بما غرسته فينا من دفق روحك العطرة التي ستظل ترفرف علينا من عليين.

كاتبة المقال:

أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة تكتب: شيخ المحققين د. حسين نصار في ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلي أن يفخر بالتواجد في عصر عمالقة الأدب العربي، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم في مقاعد الدرس والتحصيل؛ لنتلقى العلوم ممن نعدهم

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة