آراء

"أبلة وداد".. التربية ثم التعليم

8-3-2020 | 16:25

أول وجه تعلقت به بعد وجه أمي رحمها الله، أتذكر يوم اصطحبتني أمي للتقدم إلى المدرسة الابتدائية، سنة أولى - حيث لم يكن هناك "كي جي" - ووقفت أمامها وسألتني اسمك إيه يا حبيبي؟ فأجبت، ثم سألتني - بتحريض من أمي - تعرف تكتب اسمك؟ فكتبت، وانبهرت عندما شاهدت خطي، فقد حباني الله حلاوة الخط منذ الصغر.

ثم سألتني في الحساب - مرة أخرى بتحريض من أمي - وعندما أجبت عانقتني بشدة وقالتلي: شاطر يا حبيبي ربنا يحميك، سبب هذا الإعجاب، وتحريض أمي لها كي تسألني، أن التعليم كان يبدأ مع السنة الأولى الابتدائية، وليس قبل ذلك - كما هو الوضع الآن - صحيح كان يوجد حضانة، لكنها كانت للترفيه غالبًا، وربما أيضًا للتخلص من "دوشة" الأبناء خلال فترة النهار، وأحيانًا أخرى بصفتها الحل المناسب والمطمئن بالنسبة للأمهات العاملات.

المهم أنني كنت قد درست منهج الصف الأول الابتدائي مع إحدى المدرسات من صديقات والدتي .. يعنى رايح المدرسة جاهز، على عكس المتوقع في ذلك الحين .

لم أكن أعلم في تلك اللحظة أن هذا الوجه - أبلة وداد - سوف يرافقني لمدة أربع سنوات كاملة؛ حيث كانت تدرس لنا كل المواد فيما عدا الموسيقى والألعاب؛ يعني حياة كاملة قضيتها أنا وزملائي مع أبلة وداد، ليس فقط في الفصل؛ ولكن أيضًا في المنزل؛ حيث كنت أرى وجهها يتابعني في كل صغيرة وكبيرة، فأراها تبتسم راضية إذا أحسنت في أمر، وأشعر بيدها تمسك بأذني لتعاقبني إذا أسأت.

 أدى هذا الاندماج والتواصل إلى أنه في كثير من الأحيان كنا نناديها في الفصل "ماما" وليس أبلة.

هكذا كان وجود المعلم وتأثيره في حياة تلاميذه، أقول "في حياة التلاميذ"؛ لأن تأثيرهم لم يكن يقف عند حدود التعليم؛ لكنه كان يمتد إلى السلوك والتربية بشكل كبير، وربما كان هذا هو السبب - دون أن نشعر - في أن نناديها "ماما" في الفصل.

أنهيت دراستي وتخرجت وتزوجت وأنجبت، ويومًا ما مررت بجوار مدرستي الابتدائية، دخلت ووجدت المدرسين يجلسون حول منضدة كبيرة، لم أعرف منهم إلا واحدة كانت زميلة أبلة وداد، نظرت إليها مبتسمًا فبادرتني بالسؤال: حضرتك عايز تقدم لابنك هنا في المدرسة؟ ففاجأتها بقولي: الحقيقة لأ، أنا إللي عايز أكمل دراستي عندكم؟ ضحكت هي وزملاؤها، وأنا أيضًا.

قلت لها "إزي حضرتك عاملة إيه، أنا كنت طالب هنا من عشرين سنة، كنت في فصل أبلة وداد، وحضرتك كنتي بتدرسي للفصل إللي جنبنا"، نظرت إلىّ نظرة عميقة وقالت: يااااه أهلا بيك، قلتلها الحقيقة أنا جاي أسأل عن أبلة وداد، نفسي أشوفها، قالت بأسف شديد: أبلة وداد البقاء لله .

كنت أتوقع أي شيء عندما دخلت المدرسة، كنت أتوقع ألا تعرفني وألا تتذكرني، وكنت مستعدًا لذلك، لكن ألا أجدها، أن يقولوا إنها ماتت، لا.. لم أستعد لهذا السيناريو ولم أتصوره.

رحمك الله يا أمي الثانية ومعلمتي الفاضلة، رحلتي وبقيت سيرتك العطرة، وبقيت كلمة "أبلة" عندي وعند أجيال كثيرة ذات طعم ومعنى، وذكرى تحمل معها صدى سنوات نقشت في عقولنا ليس فقط العلم، ولكن التربية والأخلاق أيضًا.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. حسام الإمام يكتب: أيوه .. أنا نجمي خفيف

تلقى فى أحد الأيام رسالة من أحد رؤسائه مضمونها الشغل زى الزفت، كل حاجة ملخبطة ، اعتدل فى جلسته وظل يقرأ تلك الرسالة القصيرة عدة مرات ولا يصدق ما يراه.

د. حسام الإمام يكتب: محمد صلاح .. "لا سحر ولا شعوذة"

الجميع يتحدثون عن محمد صلاح، العالم كله يتغنى باسمه.. لماذا؟.. لماذا لا يكون كل ما حققه قد جاء على سبيل الصدفة والحظ أو ربما السحر والشعوذة؟

د. حسام الإمام يكتب: قبل ما تناسب حاسب

لم يكن من الصعب عليها فهم ما يحدث، لكن كان من المستحيل تصديقه، قد يكون الإنسان طماعاً أو نصاباً يتاجر بالكلمات، لكن أن يتاجر بأحاسيسه ومشاعره، هذا الصنف

د. حسام الإمام يكتب: الإدارة بالابتسامة

ليس حلمًا بل واقع عشت تفاصيله يومًا بيوم ، أصابني الذهول في بداية اللقاء، وصاحبني التعجب والترقب خلال الرحلة حتى وجدتني أندرج تلقائيًا في تلك المنظومة،

د. حسام الإمام يكتب: انزل من فوق الحصان

عبارة جديدة فى قاموس الفهلوة والحداقة والشطارة المعجونة مع بعض الجرامات من فلسفة سيبلي نفسك وأنا أرسيك على الحوار ، مضافًا إليها قدر كافِ من رحيق الانهزامية

د. حسام الإمام يكتب: خليك بعيد

رغم صدق أحلام زينب معي دومًا، لكنني لم آخذها ولا مرة واحدة مأخذ اليقين، بل أسمعها وأقول خيرًا إن شاء الله، ولا أعيد صياغة خططي وخطواتي بناء على الحلم.

أحب ما تعمل "حتى" تعمل ما تحب

ارتبطت كلمة حتى في أذهان الكثيرين بالرائع صلاح ذو الفقار وهو يتحدث إلى البرنس أحمد مظهر في فيلم الأيدي الناعمة ويقول: أكلت السمكة حتى ذيلها.. بالك انت حتى هنا ليها كام معنى؟

لما تكبر نفسك تبقى إيه؟

مش عارف، بجد مش عارف كان نفسى لما أكبر أبقى إيه ممكن أقولك أبويا وأمى كان نفسهم لما أكبر أبقى إيه، لكن أنا شخصيًا كان نفسى أبقى إيه .. مش عارف. دايمًا

ساقط توجيهية وسمسار وقباني.. وبالعكس

يبقى الباز أفندي ويافطة الباز أفندي في فيلم ابن حميدو، المشهد الرئيسي الذي يجب أن ينحني أمامه عالم النكتة، وتتضاءل بجانبه كل الإيفيهات في كل زمان ومكان، دون أي مبالغة.

الرحلة انتهت

أنا بطبيعتى أحب السفر جداً وكنت أتمنى دوما أن أعمل فى مجال يسمح لى بالترحال والتجوال خارج مصر . فى أحد الأيام تلقيت دعوة من إحدى الجمعيات المتخصصة فى شئون

عادل إمام .. عفوًا الزعامة لها أصول

هل يستحق عادل إمام فعلاً لقب الزعيم؟ هل حقق على مدى تاريخه ما يؤهله لنيل هذا اللقب فى حضور قامات كبيرة قدمت للفن الكثير والكثير؟ هل هناك ما يميزه لنيل

الزمن الجميل

انتقادات عديدة توجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت دون أي شك ولا جدال اللهو الخفي السارق للوقت، المفرق بين الأخ وأخيه والابن وأبيه والزوج وزوجته

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة