آراء

بين تكريم مجدي يعقوب .. وثقافة العشوائيات!

25-2-2020 | 10:39

تعال شريكي في معايشة الواقع المصري الحالي في زمن التحولات المتسارعة بمجرى نهر حياتنا المجتمعية؛ لنلقي نظرة على هذا النهر العتيد بعد اصطداماته العنيفة بصخور ثورتين عارمتين في مدةٍ وجيزة من الزمن؛ اختُطفت الأولى واستردتها الأخرى!

فكان من الطبيعي أن تُجرّف أسنَّة محاريث تلك الثورات تربة المجتمع وتقلِّبها من جذورها لتظهر الديدان والطحالب والحشائش الضارة على السطح؛ كي تقوم شمس الأصول ـ لا شمس الأصيل ـ بتجفيف جذور ومنابع تلك الطحالب المندسة وتقتل الديدان التي توحشَّت وفاقت في أحجامها ثعابين (الأناكوندا) التي تعيش في أحراش مجرى نهر (الميسيسيبي) وروافده؛ وما أدراك بما يأتينا من شاطئيه الملعونين من محاولات مستميتة لمحو أو ــ على أقل تقدير ــ تمييع مسار الهوية المصرية!

ولكن الحيرة فيما نبدأ في الإضاءة عليه؛ أو محاولة التلامس مع ما يدور على الساحة في اللحظة الآنية، فالجنازة حارَّة على الشاشات وعبر الأثير في برامج الإعلام المصري؛ في ملء المساحة الزمنية بكل ما هو غث وساقط في عالم الأغاني فيما يسمَّى بأغاني المهرجانات ـ أو التهريجات بالمعنى الصحيح ـ أو الإسهاب في الأحاديث المطوَّلة مع لاعب كرة ممن حالفهم الحظ ـ لا الموهبة ـ في تسجيل هدف في شباك "الخصم" (هكذا يسمونه بدلاً من كلمة "المنافس")، والبون شاسع بين المعنيَيْن! وهو ما يعكس الهُوَّة السحيقة الموجودة في مفاهيم الثقافة التي تحكم المجتمع الآن؛ وهي الابن البكر للعشوائيات الفكرية والاقتصادية، قبل عشوائيات المسكن والمأوى والملبس والمأكل!

ولكن وقفة البداية التي تشد انتباهنا وسط كل هذا الطوفان والزحمة أو"الزفة الكدَّابة" بحسب التعبير الشعبي المصري العبقري؛ هو التغافل عن حفل تكريم "السير مجدي يعقوب" دكتور وملك القلوب وجرَّاحها؛ هذا التكريم الذي تم على يد حاكم دولة الإمارات العربية الشقيقة في مشهد إعجازي رائع؛ ومقدرة د. يعقوب في الحصول على ما يزيد على خمسمائة مليون جنيه لبناء مستشفيات لعلاج الفقراء في أرجاء مصرـ التي كانت ـ المحروسة، ومازال الأدعياء وملوك الطبل الأجوف يرددون على "واحدة ونصْ" وبأنصاف وأرباع "الآلاتيَّة" بمنتهى الإسفاف: "مهلبية على كريمة" و"هاتي بوسة يابت"! أو الاحتفاء بمن أصبحوا بين عشيَّة وضُحاها من رموز حاملي الأسلحة البيضاء والنارية؛ التي انعكست على الممارسات اللاواعية بين الشباب المراهق في الشوارع؛ بل الأطفال أيضا، ولم نر أحدًا من هؤلاء ــ وللإنصاف نقول: إلا من رحم ربي ــ الذين استنزفوا ونهبوا ثروات الوطن بفنونهم العرجاء والضحك على ذقون أصحاب ثقافة العشوائيات الفكرية الضحلة؛ قد بادر بالإسهام في شيء من هذا القبيل لصالح الوطن، ويكتفون بادعاء الثورية والصراخ في كل المحافل: باحبك وانشِـد: "يا وطنطن، واتباهى بحبَّك يا وطنطن"!

وقد يهرع بعض المهرطقين وملوك السفسطة؛ للدفاع بأقلامهم ـ وجيوبهم طبعًا ــ عن هذه الموجة الرعناء التي ابتليت بها الفنون المصرية ـ إلا من رحم ربي ـ ويستشهدون بما كان من بعض الإسفاف في بداية غنائيات سيد درويش وكامل الخُلعي وبهية الكلوباتية وسنية شخلع؛ مرورًا بـ عبدالوهاب وأم كلثوم والأدباتية في تلك العصور، ونسَوا ـ أو تناسوا ـ أن ذلك قد تم تحت مظلة الاحتلال الإنجليزي وانتشار بيوت الشوارع الخلفية، للإبقاء على لقمة العيش وعدم التعرض للمنع والبطش.. والموت كمدًا أو جوعًا، وهؤلاء السوفسطائيون ــ للأسف ــ لا يستطيعون التفريق بين معاني كلمتي "العُلمَاء" و"العَوَالِمْ " بالمعنى المصري الدارج ! ولا بين "مصر الجديدة " أو"مصر القديمة" إلا عند اللجوء إلى استخدام وسائل المواصلات العامة.. إذا ـ لا قدر الله ـ استخدموها! فهُم أصحاب السيارات الفارهة وأرقام الحسابات في البنوك.. واللهم لا حسد، إلا ابتغاء وجه الله والمصلحة والمصالحة الوطنية الحقيقية بين المجتمع وما يفرزه من مواقف صادقة وفاعلة؛ تؤثر بالإيجاب على مسار ومسيرة الأجيال الصاعدة نحو الآفاق الأنقى والأرحب!

ولكننا ــ برغم هذا الطوفان والضباب وسحاباته المُعتمة ــ نلمح تباشير الضوء المقاوم لهذه التيارات من القائمين على وزارة الثقافة ومؤسساتنا الأكاديمية؛ الذين يحاربون كل مظاهر القُبح في مجتمعنا، ولكن يبدو أنه ينقصهم منحهم حق "فرض السيطرة" على منتجي القطاع الخاص لهذه الترهات التي لا تمُت للفنون بأدنى صلة.

والسؤال الذي يبحث عن إجابة شافية: هل نحن في حاجة إلى "ثورة ثقافية" تجتاح الوسط الفني بكل فروعه الأدبية والشعرية والغنائية والسينمائية والمسرحية، مثلما فعلت فرنسا والصين وبعض الدول، ولم تتورع تلك الدول عن إغلاق المدارس والجامعات لمدة عامين، وتم إطلاق الكوادر الشبابية المدربة المؤمنة برسالة الإعلام والفنون السامية في المصانع والمزارع والحقول؛ لتلقين البشر معنى القيم الجمالية المطلوبة لارتقاء المجتمع.

والأمل ألا نقف كثيرًا في الانتظار، حتى لا تأكلنا ثقافة العشوائيات وقبل أن تأكل في طريقها الأخضر واليابس كالديدان والطحالب؛ التي مازالت تقاوم شمس التغيير التي لاحت في سمائنا.. ولا نتمنى لها أن تغيب!

قطار الزمن يداهمنا.. وستحاسبنا الأجيال القادمة عمَّا قدمت أيدينا لهم..

فلا وقت للضياع؛ كي تعتدل كفة الميزان في أركان المجتمع؛ وليعرف الجميع الفرق بين "االعُلمَاء" و"العَوالِمْ"!

كاتبة المقال:

* أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة تكتب: شيخ المحققين د. حسين نصار في ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلي أن يفخر بالتواجد في عصر عمالقة الأدب العربي، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم في مقاعد الدرس والتحصيل؛ لنتلقى العلوم ممن نعدهم

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة