تمثل مشكلة الدعم وعدم وصوله لمستحقيه مشكلة حقيقية تخل بالعدالة الاجتماعية والأمن الاجتماعي والاستقرار المطلوب لنجاح التنمية، وهناك أسباب مهمة لعدم وصول الدعم لمستحقيه يجب دراستها بدقة لضمان نجاح مواجهتها.
وهنا تتعدد المشكلات ومن أهمها مشكلتا عدم مسايرة عصر ما بعد الحداثة، ومفهوم الدعم لدى الحكومة؛ وكلاهما يعكس عدم مسايرة عصر ما بعد الحداثة في مشكلة الدعم تحديدًا.
وإذا بدأنا بالمشكلة الأولى؛ وهي خاصة بصعوبة تحديد مستحقي الدعم، خاصة أن قطاع الأعمال غير الرسمي يضم قطاعات كبيرة من الشعب تختلف التقديرات في تحديد نسبتها، وتتراوح ما بين 40% إلى 60%؛ حيث صرح رئيس الجهاز المركزي للإحصاء العام الماضي بأن نسبة العاملين في الصناعات الصغيرة والمتوسطة في القطاع غير الرسمي يمثلون نحو 40% من قوة العمل، هذا بالإضافة إلى العاملين في التجارة والزراعة وحراس العقارات والباعة الجائلين والخدم، وغيرهم في مهن مثل السباكة والكهرباء والنجارة، وكثير من هؤلاء يعمل ويكسب ولا يستحق الدعم، وبعضهم للآن يحصل على دعم ومساعدات حكومية بدون وجه حق؛ ولذلك فالدعم النقدي لن يحل المشكلة طالما أن القطاع غير الرسمي في مصر يمثل نسبة كبيرة من قطاعات العمل في مصر، ومن هنا أهمية التحول إلى الحكومة الإلكترونية، أو مجتمع الحوسبة والشمول المالي لكافة قطاعات العمل؛ من خلال ضم قطاعات العمل غير الرسمية للاقتصاد القومي، وهذا يقتضي خطة خمسية تركز على المحاور الآتية:
القضاء على الأمية تمامًا؛ حيث لم تنل للآن الأهمية الواجبة، وليس هناك تحديث أو معاصرة، ونسبة الأمية في مصر، وفقًا لإحصاءات عام 2017 كانت نحو 26% تقريبًا، وكانت نحو 30% عام 2006، وكانت نحو 39% عام 1996 ونحو 50% عام 1970؛ مما يعنى تراجع الاهتمام بهذه المشكلة الخطيرة.
وبالنظر لتجارب الدول الأخرى في مواجهة مشكلة العمالة غير الرسمية، هناك عدة وسائل أهمها في هذا العصر هو إلغاء التعامل بالنقود، وتكون جميع التعاملات المالية من خلال كروت الائتمان أو الفيزا والحساب البنكي، وهذا لن يتم في وجود الأمية بهذه الدرجة، ثم بعد ذلك تأتي الحوافز التشريعية لضم هذا القطاع للدولة من خلال إعفاء تام من الضرائب لفترة زمنية محددة - خمس أو سبع سنوات مثلا - وبعد ذلك هناك نظام ضريبي خاص بهذا القطاع يتدرج حسب حجم العمل وفي كافة الحالات أيسر بوجه عام؛ ليكون عامل جذب؛ خاصة أن هذا القطاع غير الرسمي لو انضم سيكون حصيلة ضخمة إضافية للدولة، مع نظام شامل للمعاشات، وآخر للتأمين الصحي الشامل للعاملين وأسرهم.
وبعد توفير كل ما سبق يكون هناك العقاب من خلال تشريعات صارمة تصل للسجن والحرمان من كل المزايا السابقة، ومن خلال مراقبة صارمة لأي مكتب أو ورشة أو محل أو حتى عيادة بدون ترخيص، وبهذا يمكن تطبيق منظومة الدعم المادي.
وبعد ذلك هناك إشكالية مفهوم الدعم لدى الحكومة فالدعم ببساطة هو فارق السعر في أي منتج أو خدمة بين السعر المحلي والعالمي؛ فمثلا متوسط سعر بنزين 95 بالخارج نحو 2 دولار بما يوازي نحو 31 جنيهًا مصريًا؛ بينما في مصر سعره أقل من تسعة جنيهات؛ أي أن الحكومة المصرية تدعمه بنحو 22جنيهًا مصريًا برغم أن مستخدمي هذه النوعية تحديدًا من الأثرياء الذين لا يستحقون الدعم؛ ولكن هنا يدخل ضمن مفهوم دعم الرواتب والمعاشات الحكومية؛ لأنها أيضًا أقل من الأسعار العالمية، فيجب العمل على رفعها تدريجيًا للأسعار العالمية وأيضًا أسعار المحاصيل الزراعية للفلاحين يجب أن تكون بالسعر العالمي؛ لأنه ليس منطقيًا أن نسعى لتحرير أسعار الخدمات والطاقة لتكون بالسعر العالمي، ثم تكون الأجور والمعاشات والمحاصيل بالسعر المحلي، ومن هنا أهمية إعادة هيكلة الأجور والمعاشات وأسعار المحاصيل، من خلال خطة إصلاح اجتماعي شاملة لمعالجة آثار الإصلاح الاقتصادي، وإعادة النظر في قضايا الدعم مثال بنزين 95 الذي يجب رفع سعره فورًا للسعر العالمي، وأيضًا الاستهلاك الترفي في المياه والكهرباء يجب أن يكون تصاعديًا فوق ثمن التكلفة؛ ليسهم القادرون في دعم الفئات محدودة الاستهلاك وأيضًا رفع الدعم عن الأجانب في كافة الخدمات مع تفعيل كارت البنزين الذي تم استخراجه ولم يفعل.
هذه قضايا مهمة يجب دراستها قبل تنفيذ منظومة الدعم النقدي؛ لأنها ببساطة لا تلائم البيئة المصرية بالوضع الحالي الذي يسهل على الكثيرين الحصول على الدعم وهم لا يستحقونه؛ بينما من يستحقونه قد لا يستطيعون الحصول عليه.
وهذا ما تؤكده نظرية ما بعد الحداثة؛ أنه لا يمكن تعميم نظرية أي نموذج ناجح في مجتمع ما على كل المجتمعات؛ فالدعم النقدي ناجح في الغرب للتقدم العلمي والتكنولوجي، ولكن البيئة المصرية تختلف، وأرى أن هذا النموذج لا يتوافق مع البيئة المصرية بالوضع الحالي للاختلاف الكبير الواضح.. والله الموفق.