ثقافة وفنون

الذكرى 152 لميلاد "الزعيم محمد فريد".. ملحمة فخر الوطنية المصرية ورجل التضحيات الكبرى | صور

20-1-2020 | 16:20
الذكرى  لميلاد الزعيم محمد فريد ملحمة فخر الوطنية المصرية ورجل التضحيات الكبرى | صورالذكرى 152 لميلاد "الزعيم محمد فريد
مصطفى طاهر

طوال تاريخها الزاخر بالفخار، عرفت مصر معاني ومشاهد خالدة للنضال من أبطال كتبوا أسماءهم بحروف من نور في سجلات الوطنية المصرية، بإصرارهم وبسالتهم في الحفاظ على الاستقلال الوطني، وأركان الهوية المصرية، عرفتهم كتب التاريخ بالإخلاص في خدمة مصر، وطنا ومواطنين، وعرفتهم بالتضحية بكل غال ونفيس من أجل مجدها وأرضها، التي لا تغيب عنها شمس الحضارة، ويأتي على رأس هؤلاء فخر الوطنية المصرية، ورمز حقيقي من رموز البسالة والتضحية والإخلاص، الزعيم الوطني الخالد محمد فريد، الذي قدم تضحيات سجلها التاريخ، ولا تنساها مصر، وطنا ومواطنين، على مر العصور.


"بوابة الأهرام" تستعرض مشاهد خالدة من حياة الزعيم الوطني الكبير، في الذكرى الـ152 لميلاده، التي توافق اليوم 20 يناير 2020م.

ولد الزعيم الوطني محمد فريد بالعاصمة المصرية القاهرة في 20 يناير عام 1868م، ورغم أن أصول عائلته تعود إلى تركيا، فإن "فريد" أنفق كل ثروته في سبيل قضية الاستقلال الوطني المصري، حيث كانت مطالبه وأهدافه واضحة طيلة حياته، وكان يدرك أن كل مطالب مصر تتلخص بتلك المرحلة في انتزاع الجلاء، وإخراج الاحتلال من أراضيها، ووضع دستور يليق بحضارة المصريين وتاريخهم وعراقتهم.

الذكرى 152 لميلاد "الزعيم محمد فريد

كانت وسائله لتحقيق هذه الأهداف هو العمل بدأب، والسعي الجاد لتعليم الشعب وتحسين وعيه، ليكون أكثر إدراكا ومعرفة بحقوقه، وتكون لديه القدرة على مجابهة الاحتلال وأطماع الغزام في مصر، وطيلة 51 عاما عاشها "فريد" في دنيانا، عمل على استغلال خبراته كسياسي وحقوقي مصري فى مد الجسور، لتوحيد المصريين، وتأليف قلوبهم على هدف طرد المحتل الإنجليزي خارج الأراضي المصرية.

عمل "محمد" بشكل فردي على تطوير التعليم، فأنشأ مدارس ليلية في الأحياء الشعبية، لتعليم الفقراء وكبار السن الأميين مجاناً، واستقدم للتدريس في تلك المدارس أنصاره السياسيين من رجال الحزب الوطني، وأصدقاءه من المحامين والأطباء الناجحين، وبدأ أولا في القاهرة، ثم اتجه لنشر تلك المدارس في الأقاليم، وهو ما لعب دورا كبيرا على مر الزمن فى رفع درجة الوعي المصري بخطورة المحتل، ومهد لقيام ثورة 1919م، ثم كل التتابعات التي تلتها، حتى وصل المصريون بعد 3 عقود على رحيل "فريد" إلى ثورة 23 يوليو 1952م، التي رسخت استقلال القرار الوطني، وعودة حكم مصر لمواطنيها.

الذكرى 152 لميلاد "الزعيم محمد فريد

لم يتوقف عطاء الزعيم الوطني عند محطة التعليم فقط، بل امتد إلى ساحة العمل الميداني، حيث كان أول قائد للحركة النقابية في مصر، ووضع أساس حركة النقابات، حيث كان أول من أسس نقابة للعمال في عام 1909م، وعرفت مصر معه معنى النضال المنظم ضد الاحتلال الإنجليزي. كما عرف المصريون قيمة أن تكون هناك صيغة موحدة لشكل الدستور الذي يطمحون لفرضه على المحتل الإنجليزي.

ومن خلال توحيد تلك المطالب، حقق الكثير من المكاسب المتباينة في حفظ حقوق الشعب المصري ضد الاحتلال الإنجليزي على عدة مراحل. كما كان شوكة في حلق الخديو العثماني، وسبب صداعا دائما للعثمانيين في العقود الأخيرة لوجودهم في حكم مصر، بتنظيمه عشرات المظاهرات ضد انبطاحهم أمام الإنجليز.

الذكرى 152 لميلاد "الزعيم محمد فريد

ولم يستطع العثمانيون تحمله كثيرا، فتعرض "محمد فريد" للمحاكمة بسبب مقدمة كتبها لديوان شعر، تحت عنوان "أثر الشعر في تربية الأمم"، قال فيها نصا: "لقد كان من نتيجة استبداد حكومة الفرد إماتة الشعر الحماسي، وحمل الشعراء بالعطايا والمنح علي وضع قصائد المدح البارد والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء، وابتعادهم عن كل ما يربي النفوس ويغرس فيها حب الحرية والاستقلال. كما كان من نتائج هذا الاستبداد خلو خطب المساجد من كل فائدة تعود علي المستمع، حتي أصبحت كلها تدور حول موضوع الزهد في الدنيا، والحض علي الكسل، وانتظار الرزق بلا سعي ولا عمل".. كانت كلمة محمد فريد أقوى من أن يتحملها الحكم العثماني لمصر، وكشفت الأمراض الاجتماعية التي يغرسها الاحتلال الإنجليزي في المجتمع المصري أمام عيون حكام مصر العثمانيين في ذلك الوقت.

كانت نشأته في حي شبرا بقلب القاهرة، الذي شهد ميلاده، عاملا أساسيا في تكوين شخصيته الصارمة، وطموحه الذي لا يتوقف في تحقيق مكاسب سياسية لوطنه. كما ساعد على ذلك وجوده في مقتبل حياته وسط أسرة ثرية ذات نفوذ، حيث كان والده أحمد باشا فريد، ناظرًا للدائرة السنية، وتلقى تعليما رفيع المستوى، حيث التحق بمدرسة خليل أغا، ثم مدرسة الفرير، ليواصل بعدها تعليمه بمدرسة الحقوق، التي أهلته لأن يعمل بعد ذلك محاميًا للحكومة المصرية، حيث أصبح محاميا يتسم بالبراعة.

الذكرى 152 لميلاد "الزعيم محمد فريد

وقد استطاع تبرئة الشيخ علي يوسف، صاحب جريدة "المؤيد"، أحد علامات الصحافة المصرية في مهدها، في إحدى القضايا الشهيرة ذلك الوقت، وهي قضية تسريب التليغرافات الشهيرة. كما عمل "فريد" بدأب واجتهاد في مجال الكتابة، مما جعله مؤرخا صاحب اسم شهير، وقدم مؤلفات قيمة تزدان بها المكتبة العربية حتى اللحظة الحالية، مثل "أسرة محمد علي"، و"الإمبراطورية الرومانية"، و"تاريخ الدولة العثمانية".

ورغم كل الامتيازات التي كان يتمتع بها "محمد فريد"، من نفوذ ومال استمدهما من عائلته، فإنه لم يبخل بكل غال ونفيس من أجل الوطن، حيث ذهب الزعيم الوطني إلى أوروبا على نفقته الخاصة، لكي يُعد لمؤتمر لبحث المسألة المصرية بالعاصمة الفرنسية باريس، وأنفق من جيبه الخاص كي يدعو كبار معارضي الاستعمار من السياسيين والنواب والزعماء إلى ذلك المؤتمر، حتى يستطيع أن يصل بصوت القضية المصرية إلى المحافل الدولية، وفي ذلك الوقت نصحه محبوه بعدم العودة لمصر، بسبب نية الحكومة التخلص منه وإيداعه في السجن، عن طريق محاكمته بحجة مقدمة الديوان الشعري الذي كشف فيه تؤاطو الملك.

الذكرى 152 لميلاد "الزعيم محمد فريد

والتطور المهم حدث عندما استجاب لنداء ابنته "فريدة" بالعودة، التي أرسلت له خطابا تاريخيا شهيرا، قالت له فيه: "لنفرض أنهم يحكمون عليك بمثل ما حكموا به على الشيخ عبد العزيز جاويش، فذلك أشرف من أن يقال إنكم هربتم"، وطلبت منه باسم الوطن والحرية أن يتحمل ألم السجن، بعد أن دفع من حياته كل نفيس وغال من أجل خدمة الوطن، ليعود إلي مصر.

وحُكم علي محمد فريد بالسجن ستة أشهر، قضاها جميعاً، وخرج وكأن شيئا لم يكن، واستمر في إزعاج الاحتلال الإنجليري بالدعوة إلى الجلاء والمطالبة بالدستور، حتي ضاقت الحكومة المصرية الموالية للاحتلال وقتها به، واستقر رأيها على إعادته للسجن مجددا، فغادر "محمد فريد" أرض الوطن سرا إلى أوروبا، حيث عاش أيامه الأخيرة هناك في العاصمة الألمانية برلين وحيداً فقيراً حتى وافته المنية في عام 1919م، بعد أن أدى رسالته الوطنية بشكل مثالي، وأنفق ماله كله من أجل حلم استقلال الشعب المصري.

الذكرى 152 لميلاد "الزعيم محمد فريد

إلا أن أهله لم يجدوا مالاً كافياً لنقل جثمانه إلى أرض الوطن مصر، في ظل تضييق الاحتلال الإنجليزي عليهم، فباع أحد تجار القماش من مدينة الزقازيق، وهو الحاج خليل عفيقي، كل ممتلكاته الشخصية، وفاء لـ"محمد فريد"، وسافر الحاج عفيفي إلى برلين، وأحضر جثمانهِ من الخارج، حتى يدفن في أرض الوطن، وقد مُنح الحاج عفيفي بعد ذلك "نيشان الوطنية" من حكومة مصر، تقديراً لعمله الإنساني العظيم، بإعادة جثمان "فريد" إلى أرض مصر.

وقد جسدت حكاية "محمد فريد" كل معالم الأسطورة والتضحية والفداء، من أجل خدمة الوطن، وشكلت حكاية خالدة لا يمحوها الزمن، ويتذكرها المصريون الآن في الذكرى الـ150 لميلاده، وتتجلى مظاهر عظمة مصر على قسمات وجهه عندما تطل الشمس، صباح كل يوم، على تمثاله الشهير القابع في عابدين بقلب القاهرة، شاهدا على حكاية من أعظم حكايات المصريين، لرجل نسى نفسه ولم ينس مصر.

كلمات البحث
اقرأ ايضا:
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة