آراء

"مؤتمر برلين" .. ما أشبه الليلة بالبارحة

19-1-2020 | 17:09

تنعقد اليوم بالعاصمة الألمانية قمة بشأن ليبيا والأزمة المستمرة فيها منذ 8 سنوات، والمستعصية على الحل بفعل فاعل والفاعل مجهول حتى الآن..

وهو ما يُعيدنا إلى عام 1884 عندما اجتمعت الدول الاستعمارية بدعوة من بسمارك من أجل توزيع التورتة أو اقتسام الغنيمة أو توزيع إفريقيا بين الدول الاستعمارية، وما أشبه الليلة بالبارحة فعلًا فها هي الدول العربية تتشرذم، والميليشيات تتقاتل في شبه حروب أهلية تٌغذيها وتشارك فيها قوات مٌرتزقة وقوات مدعومة من دول في الإقليم (تركيا وقطر وإيران)، ولا تخفي وجهها في عدة دول عربية وهي العراق وسوريا وليبيا واليمن.

وباقي الدول العربية تسعى جاهدة للحفاظ على مؤسساتها الوطنية والدفاع عن أمنها القومي وتخوض حربًا ضد الإرهاب..

وبرغم اعتراف الأمم المتحدة بحكومة ما يٌسمى بالوفاق إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت الحياد في الصراع العسكري الدائر بين الجيش الوطني الليبي أو معركة الكرامة لتحرير العاصمة طرابلس من حٌكم الميليشيات المدعوم من تركيا وقطر.

والغريب العجيب أن يطلب السراج الدعم الأمني والعسكري من أردوغان الخليفة المزعوم، ويوقع معه مُذكرة تعاون عسكري، وأخرى لتحديد مناطق السيادة البحرية في مخالفة صارخة، وهو ما عارضه المجتمع الدولي وسارع عدد من العواصم الأوروبية وموسكو أيضًا إلى معارضة الاتفاق بشدة.

وبلغ الأمر بالأوروبيين حدّ إصدار قرارٍ بفرض عقوبات على أنقرة خلال قمتهم الأخيرة في بروكسل..

الغريب يا سادة هو أن تتوحد مواقف أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وتٌعارض في العلن التدخل الأردوغاني في الشأن الليبي..

وحسب تصريحات الخارجية الأمريكية، فإن وزير الخارجية مايك بومبيو سيتوجه إلى ألمانيا للمشاركة في مؤتمر ليبيا والعمل على تعزيز وقف إطلاق النار الهش، والضغط على القوى الخارجية للانسحاب من الصراع.

وحسب بيان الخارجية الأمريكية ستكون أولوية بومبيو تثبيت الهدنة بين الأطراف المتنازعة في ليبيا والمحافظة على استمرار وقف إطلاق النار.. والدعوة إلى استئناف عملية السلام التي تدعمها الأمم المتحدة..

ويبقى السؤال هل سينجح مؤتمر برلين فيما فشل فيه مؤتمر باليرمو ومؤتمرات أخرى سبقته؛ سواء في باريس أو في موسكو أو في الصخيرات؟!

هل ستنجح محاولات تجنب فشل مؤتمر برلين - برغم غياب رؤية موحدة للاتحاد الأوروبي - سواء تجاه الوضع في ليبيا أو غيرها من تضارب المصالح الاقتصادية بين فرنسا وإيطاليا وفشل مؤتمر موسكو، وتدخل تركيا سياسيًا وعسكريًا في الملف الليبي، وعدم تقارب موازين القوى القائمة على الأرض بين الأطراف المتصارعة في ليبيا؛ فإن احتمالات نجاح مؤتمر برلين تبدو محدودة للغاية، وحتى لو تمت إعادة الالتزام بوقف إطلاق النار، فإن ضمان استدامته يتطلب وجود آلية دولية محايدة قائمة على الأرض؛ لضمان تثبيته والتعامل مع الخروقات التي قد تحدث إذ تبدو المبادرة الإيطالية لإرسال بعثة مراقبة من الاتحاد الأوربي غير قابلة للتطبيق.

أما بالنسبة لإرسال قوات حفظ سلام للأمم المتحدة، فإن ذلك يستلزم استصدار قرار من مجلس الأمن؛ أخذًا في الاعتبار أن إرسال قوات لحفظ السلام تتم عادة في حالة صراعات بين الدول، وليس فيما يتعلق بنزاعات مسلحة بين أطراف متصارعة داخل دولة واحدة، يصعب معها تحديد أماكن تمركز تلك القوات لتداخل خطوط التماس بين الأطراف المتصارعة، كما أن الحكم على نتائج العديد من المؤتمرات الدولية لا يتوقف على مجرد تقييم الوثائق الختامية التي ستصدر عنها، وبراعة صياغة فقراتها، إذ يرتبط الأمر بمدى توافر الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذ تلك النتائج، وأيضًا بالجوانب المالية المطلوب توفيرها، ففي الحالة الليبية لا يكفي إعادة تأكيد الالتزام بحظر تصدير الأسلحة للأطراف المتنازعة، في ظل وجود قرار صادر من مجلس الأمن في هذا الشأن - معروف من ينتهكه - والأمر يمتد إلى كيفية تحديد المشاركة في توزيع عوائد تصدير البترول والغاز، في ظل السيطرة القائمة على ما يطلق عليه "الهلال النفطي" في ليبيا، ومقتضيات تفكيك الميليشيات الإرهابية من المرتزقة والإخوان المسلمين وتسليم أسلحتها.

ويبدو واضحًا أن الأطراف الغربية التي تسببت في انهيار الأوضاع في ليبيا إلى هذا الحد لا تمتلك تصورات واقعية قابلة للتنفيذ لمعالجة الأضرار القائمة التي انعكست في النهاية على مصالحهم، وأيضًا على أمنهم القومي.. إذا صلحت النوايا من الأطراف الليبية، وطبقوا المقولة الشهيرة للملك السنوسي - رحمه الله - عندما قال: حتحات على ما فات.. وتم نزع أسلحة الميليشيات ودمجهم في الجيش الوطني الليبي، فإن الأوضاع في ليبيا ستستقر وتعود ليبيا موحدة ومستقرة خلال شهر واحد.. وهو ما نتمناه في مصر على المستويين الشعبي والرسمي والله المستعان..

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
عٌثمان فكري يكتب: نجوم مصرية في سماء شيكاغو (2-3)

أشرت في مقالي السابق إلى المكالمة الهاتفية التي تلقيتها من معالي السفير الدكتور سامح أبوالعينين القنصل المصري العام في شيكاغو، ووسط غرب الولايات المتحدة

عثمان فكري يكتٌب من أمريكا: نٌجوم مصرية في سماء شيكاغو (1 - 3)

في اتصال هاتفي مع معالي السفير الدكتور سامح أبوالعينين أحد نجوم الدبلوماسية المصرية العريقة هٌنا في الولايات المتحدة الأمريكية والقٌنصل المصري في شيكاغو

عثمان فكري يكتب من أمريكا: الحكاية فيها "تسلا"

القيمة السوقية لشركة تصنيع السيارات الكهربائية تسلا ارتفعت في ظرف 24 ساعة، وتخطت التريليون دولار يوم الإثنين الماضي عقب تلقيها أكبر طلبية على الإطلاق

عثمان فكري يكتب من أمريكا: لوبي مصري - أمريكي (3-3)

ومن الروافد الحيوية للوبي المصري - الأمريكي.. العٌلماء والباحثون والأكاديميون الذين تألقوا في الجامعات الأمريكية ومراكز أبحاثها ومعاملها ومنهم الباحث زايد عطية..

عثمان فكري يكتب من أمريكا: اللوبي المصري - الأمريكي (2 - 3)

وأكبر دليل على ما ذكرته من أن المصريين الأمريكان (المصريين الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة واستقروا فيها وحققوا نجاحات كبيرة في شتى المجالات) يساهمون

عثمان فكري يكتب من أمريكا: اللوبي المصري - الأمريكي (1- 3)

تٌشير الأرقام الى أن أعداد المصريين بالخارج قد تجاوزت الــ 10 ملايين مواطن مٌوزعين في معظم دول العالم؛ وذلك وفقاً لإحصاء عام 2017، وهو آخر إحصاء لتعداد

عثمان فكري يكتب: مصر هي العنوان (3-3)

دوماً يُسعدني أن تكون مصر هي العنوان هٌنا في أمريكا وفي أي مكان، وأينما ذهبنا ستظل مصر هي العنوان وصاحبة القوة الناعمة الأقوى في الإقليم والمنطقة العربية،

عثمان فكري يكتب من أمريكا: مصر هي العنوان (2 - 3)

مصر هي العنوان.. كانت وستظل دومًا؛ سواء هٌنا في أمريكا أو غيرها.. مصر حاضرة هذا الأسبوع في نيويورك على المستوى السياسي والدبلوماسي؛ حيث زارها هذا الأسبوع

عثمان فكري يكتب: مصر هي العنوان (1 - 3)

مصر هي العنوان والحاضر الغائب دوماً في أي لقاء مع الأصدقاء العرب أو الأمريكان هٌنا في أمريكا، وبٌمجرد أن يعرف أحدهم أنني صحفي مصري وتتشعب الأحاديث والمٌناقشات

عثمان فكري يكتب: يحدث في أمريكا .. الذكرى العشرون

أول أمس السبت أحيت الولايات المتحدة الذكرى الــ 20 لاعتداءات 11 سبتمبر في فعاليات رسمية عند النٌصب التذكاري للضحايا هٌنا في نيويورك كان الوقوف دقيقة في

عثمان فكري يكتب: يحدٌث في أمريكا .. إيدا وبايدن وبارادار

تراجعت شعبية الرئيس جو بايدن بشكل كبير على خلفية الانسحاب الأمريكي المُزري من أفغانستان كما ذكرنا سابقاً وسارعت كٌبريات المؤسسات الإعلامية الأمريكية ومنها

عثمان فكري يكتب: انتهى الدرس يا "جو"

الهزيمة الكبيرة التي مٌنيت بها الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان تجسدت كما ذكرت في مقالي السابق بالانسحاب المٌزري وغير مدروس العواقب والتداعيات والصعود

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة