عرب وعالم

سوريا بين طموحات القيصر وأحلام العثمانلي .."العثمانية الجديدة" تستعين بالآلة العسكرية للهيمنة الإقليمية (1-3)

23-12-2019 | 14:51

الصراع الروسى التركى فى سوريا

محمد أمين المصري

يبدو جليا في الوقت الراهن أن سوريا أصبحت الموقع الإستراتيجي لإعادة رسم السياسات في منطقة الشرق الأوسط، إذ تعتبرها القوي الإقليمية والدولية (روسيا، الولايات المتحدة، تركيا، إيران) البؤرة الأمثل لترسيم خريطة المنطقة. وبعد أن كان العراق بموقعه يجسد هذا الدور منذ عام 2003 عندما احتله الأمريكيون واجتثوا خلال فترة الغزو نظامه البعثي من جذوره، وقتلوا صدام حسين، ترى هذه القوي الآن أن الدور علي سوريا لتكون ساحة للتنفيس عن الاحتقان الإقليمي والدولي، بعد أن صارت أراضيها تمثل ساحة لبناء المعادلات الإقليمية والدولية، برغم استمرارها كموقع للصراع والتنافس بين تلك القوي الأربع المذكورة، التي استغلت الفراغ الكبير الذي تعاني منه الساحة السورية منذ بداية الثورة في عام 2011.

ونستعرض في هذه الورقة، كيف استعدت تركيا لبعث "العثمانية الجديدة" مستعينة بآلتها العسكرية للهيمنة الإقليمية، فيما تسعي روسيا لاستغلال الأزمة السورية للخروج مع عزلتها واستعادة دورها علي المسرح العالمي.

إن لدي روسيا والولايات المتحدة أيضا – مع استثناء إيران بصورة مؤقتة – مجالات للصراع والتنافس السياسي والعسكري منذ بداية الأزمة السورية، وقد ازدادت حدة التنافس بينهما بمرور الوقت رغم أن الولايات المتحدة لم تتدخل كعادتها في الأزمة بكل قوتها العسكرية بل عمدت إلى التحرك من خلال حلفائها..في حين تدخلت روسيا منذ بداية الأزمة لتدعم بقاء النظام، خشية تكرار تجربة ليبيا التي تدخل حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة تركيا فيها وأسقط النظام الليبي ليسفر الوضع بعد ذلك عن نشوء دولة مفككة الأوصال تتنازع عليها قبائل وجماعات عدة بأهداف مختلفة عن فكرة إقامة دولة مستقرة ذات سيادة وطنية.

روسيا في مواجهة التفرد الأمريكي بالمنطقة
تميز الموقف الروسي إزاء الأزمة السورية بالصرامة وإبداء تحد قوي أمام الغرب والولايات المتحدة التي حاولت استنساخ الحالة الليبية في سوريا فدعمت تركيا علي طول الخط بصفتها صاحبة الحدود الجغرافية الأطول مع سوريا (900 كيلومتر) ومكنتها من دعم قوي المعارضة السياسية والعسكرية التي تقاتل النظام السوري.

الدعم الروسي للنظام السوري استهدف بجانب منع سقوط الرئيس بشار الأسد مواجهة التفرد الأمريكي في التصرف بشئون المنطقة، فموسكو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتضاؤل دورها الإقليمي والعالمي باتت في عزلة ضمن عالم متعدد الأقطاب، وازداد الأمر سوءا مع قرارها بضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية ورغبة موسكو في تجاوز حالة العزلة الدولية الناجمة عن هذا القرار.

هذان العاملان منحا لموسكو فرصة عظيمة جاءتها علي طبق من ذهب لتجاوز أزمة العزلة الإقليمية والاستنهاض من جديد كقوة عالمية عبر التدخل القوي في الأزمة السورية واستغلالها كفرصة للتعبير الفعلي عن قدرة السياسة الخارجية الروسية علي قيادة الأزمة الإقليمية لمصلحتها..فضلا عن تخوف الروس من سقوط النظام السوري، وفقدانهم قاعدتي (طرطوس وحميميم) في حال تخليهم عن النظام السوري، وفقدان سوق ضخمة للأسلحة الروسية، حيث تعد سوريا إحدى الدول المهمة للسلاح الروسي.

وتعد عودة روسيا كقوة إقليمية في محيطها أو كقوة عالمية في منطقة الشرق الأوسط - علي الأقل- فرصة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي حمل مسئولية إحياء الدور الروسي عالميا، وتحدي الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تتراجع فيه مع اندلاع ثورات الربيع العربي، إذ ركز الأمريكيون على ضرورة تغيير الحكام والأنظمة، فاستغل بوتين ذلك من خلال توطيد المصالح الروسية في المنطقة بسبب قربها من حدودها. ولهذا قرر بوتين دعم الرئيس السوري بشار الأسد والوقوف إلي جانب نظامه، خاصة وسط شكوك روسية اعتبرت انهيار نظام الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي في ظل حرب أهلية دعمها حلف الناتو عام 2011 بمثابة مؤامرة غربية - أمريكية على روسيا بهدف تقزيم دورها في المنطقة. مما دفع بوتين لتقديم دعم قوي للأسد دبلوماسيا علي مدي سنوات الأزمة، ثم عسكريا منذ عام 2015 انتقاما لدور الغرب في اضطرابات عام 2014 في أوكرانيا، لتستعيد روسيا دورها على المسرح العالمي. بدليل ما أصبح عليه الكرملين في الوقت الراهن، إذ أصبح قبلة لزيارات العديد من قادة دول الشرق الأوسط، في ملمح يؤكد نجاح بوتين في تعهده بتحدي المصالح الغربية في الشرق الأوسط. ومما يؤكد أيضا أن هؤلاء القادة يعترفون ضمنا بدور روسيا كقوة صاعدة يمكنها أن تؤدي دورا محوريا في حل القضايا الإقليمية، وفي هذا إشارة واضحة الي أن روسيا عادت الى الساحة من جديد بشكل قوي يمكنها من الإمساك بكل الأوراق السياسية والعسكرية.

التحولات التركية والانتفاضات العربية
مقابل الدور الروسي القائم علي دعم النظام السوري والإبقاء علي وحدة البلاد بنفس تضاريسها وجغرافيتها قبل ثورة 2011، تبنت تركيا مصطلح "العثمانية الجديدة" ليكون شاهدا علي التحولات التي شهدتها السياسية الخارجية التركية في منطقة الشرق الأوسط منذ نوفمبر 2002، أي منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا إذ يتبني مسميات متعددة لوصف رؤيته للسياسة التركية الخارجية إزاء العالم أجمع والشرق الأوسط بصفة خاصة، ولعل أهمها "ما بعد الكمالية"، و"مذهب العمق الاستراتيجي"، و"المكانة المركزية لتركيا" و"سياسة المحاور المتعددة". وهكذا لم يكن مصطلح "العثمانية الجديدة" وليد نظام حزب العدالة والتنمية وحده، لأن تركيا تبنت تلك الهوية في عهد الرئيس الراحل تورجوت أوزال خلال ثمانينيات القرن المنصرم، وارتكزت على ثلاثة أسس: أولها أن تتصالح تركيا مع ماضيها العثماني والإسلامي متعدد الثقافات والأعراق، وثانيها الإحساس بالثقة بالنفس والتخلص من الشعور بالضعف، وثالثها استمرار الانفتاح على الغرب والاندماج مع الشرق في الوقت نفسه.

العثمانية الجديدة
لقد تم تدشين هذا المصطلح على المستوى الداخلي، لتعني "العثمانية الجديدة" إعادة الاعتبار الي مبادئ المواطنة التركية من خلال احترام العلمانية التي لا تتدخل في الشئون الدينية. وعلى المستوى الخارجي، يعني المصطلح المزج بين القوتين اللينة والخشنة، واستخدامهما بتوازن لتحقيق أهداف السياسية الخارجية التركية. ولكن بعد نحو عقد من الزمان من حكم حزب العدالة والتنمية، بدأت تركيا تميل لتبني سياسة إمبريالية جديدة تستهدف بعث "الإمبراطورية العثمانية" مع استعراض قوتها اللينة كجسر بين الشرق والغرب، وكأمة إسلامية، ودولة علمانية ونظام سياسي ديمقراطي، وكقوة اقتصادية رأسمالية، من أجل تحقيق مسعاها لتأسيس "العثمانية الجديدة" وصولا الي تحقيق هدف رئيسها الحالي رجب طيب أردوغان في التواجد والنفوذ التركيين عبر تبني عقيدة عسكرية جديدة تحل محل السياسة الخارجية الناعمة وتتبنى التدخل واحتلال مدن بالدول المجاورة..هذا ما حدده الدكتور صالح زهر الدين، المتخصص في العلاقات العربية - التركية، في محاضرة ألقاها أمام ندوة "مذابح الأتراك ضد الأرمن" التي نظمها المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية في وقت سابق من العام الجاري.

ولم تكن هذه السياسات التركية لتجدي نفعا لولا ما شهده العالم العربي من انتفاضات عدة منذ 2011 ، لنصل الي سوريا التي كانت إحدي الغايات المنشودة لتركيا لتحقيق حلم "العثمانية الجديدة"، لتتحول من سياستها الواقعية السلمية إلى تكريس مبدأ توسيع دائرة النفوذ العسكري والسياسي في دول الجوار، أي من الطموحات والأحلام الي فرض الأمر الواقع باستغلال الأزمات الإقليمية بما يعيد لتركيا (حلم العثمانيين الجدد أو إحياء الخلافة العثمانية). هذا الحلم لم يكن وليد اللحظة، فطالما تحدث قادة "العدالة والتنمية" بأن بتركيا ستصبح قوة عالمية بحلول عام 2023، بالتزامن مع ذكرى مرور مائة عام على تأسيس الجمهورية التركية عام 1923.

ونقتبس هنا تصريحات لأحمد داود أوغلو في أثناء توليه وزارة الخارجية شرح فيها دوافع السياسة الخارجية لبلاده، ومنها أن الأمن الوطني يبدأ من خارج حدود الدولة، أي أن تركيا لن تستطيع إيجاد حلول للعديد من المشكلات المزمنة مثل أمن الحدود، والتهديدات الأجنبية، وتهريب البشر والمخدرات، والإرهاب، إلا إذا اتبعت "سياسة الجبهة المتقدمة" التي تدفعها الى الأمام في عدد من المناطق بما يهدف الي تعزيز أمنها. ثم يتوقع أوغلو نشوب نظام عالمي جديد وأخر سيتوار، وهو ما عبر عنه أيضا وزير الدفاع التركي الأسبق وجدي جونول إذ قال:"تركيا بدأت تتجاوز حدودها لتصبح لاعبا عالميا". وتؤكد مثل هذه التصريحات أن الأطماع التركية في المنطقة ليست وليدة اللحظة أو الثورات العربية، وإنما داعبت خيال القادة الأتراك حتي من قبل نشوب هذه الانتفاضات التي وفرت الفرصة لهم لاستغلالها.

"زهر الدين" أحد المتخصصين في الشئون العربية – التركية، عاد في ورقته أمام الندوة الي "الوراء وتحديدا الي الحرب العالمية الثانية التي مثلت بداية أخرى لمرحلة جديدة من السياسات التركية التي أسهمت في توسيع هوة الشقاق بين الأتراك والعرب، حينما اتخذ الأتراك بقيادة عصمت إينونو بعد انتهاء الحرب صف المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وما ترتب علي ذلك من اصطفافات للقوى طبعت بالتوتر والعداء العلاقات العربية - التركية. ولم تختلف الطبقة السياسية التركية سواء بمعسكرها العلماني المتشدد، أو بعلمانييها ذوي النزعة الإسلامية (الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندريس) مع السياسات الغربية في المنطقة، وارتضوا أن يكونوا لها "حصان طروادة".. حتي إن الرؤساء الأتراك الآخرين كانوا أتاتوركيين بامتياز، وقلما مرت مراحل سلام قصيرة بين تركيا والعرب، أو بين تركيا والأرمن، أو بين تركيا والأكراد، أو مع القبارصة، أو اليونانيين والبلغار.. بل كانت حالة العداء والتوتر والكراهية (والحرب أحيانا) هي الطاغية على تركيا الأتاتوركية منذ قيامها حتى بداية القرن الحادي والعشرين، مع جميع الشعوب والدول التي خاصمتها تاريخيا وجغرافيا، ولا تزال.

تركيا بين القوتين "الناعمة والخشنة"
وإذا كان حزب العدالة والتنمية قد شذ عن هذه السياسة في السنوات الأولى من حكمه الذي بدأ في نوفمبر 2002، مستخدما سلاح "القوة الناعمة" ذات الطابع الدبلوماسي المرن، إلا أن الانتفاضات العربية أفقدت أردوغان والأردوغانيين صوابهم، فلجأوا إلى سياسة التهديد والقوة والتدخل العسكري المباشر بحجة "حماية الأمن القومي التركي و"العمق الإستراتيجي" عبر سياسة استباقية، ليترك القوة اللينة أو الناعمة ويستخدم بدلا منها القوة الخشنة. وقد تعددت الآراء والنظريات حول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه "العدالة والتنمية" منذ وصوله الي الحكم حتى اليوم. لكن المتفق عليه أن أردوغان والحزب اختلفا عن رؤساء تركيا السابقين (منذ قيام الجمهورية عام 1923)، فالرئيس التركي قام بما يشبه الثورة أو الانقلاب في الداخل التركي وعليه، والمحيط الخارجي وعليه أيضا، ومن خلال هذه الثورة أو الانقلاب الداخلي والخارجي بدا كأنه صاحب مشروع عثماني جديد، أو بالأحرى "حلم أردوغاني" لإحياء الموروث التاريخي للخلافة العثمانية.

وقد شهد أواخر عام 2016 بروز خطاب تركي يظهر الموروث التاريخي كحامل للأهداف العثمانية والمشرقية، حيث دشن أردوغان في 29 سبتمبر من ذلك العام حفلة العودة إلى الموروث التاريخي حين تحدث عن "تركية الجزر اليونانية الـ 12" قرب الساحل التركي في بحر إيجه. ودعا الى إعادة النظر في معاهدة لوزان عام 1923 التي ثبتت النسبة الكبرى من حدود تركيا الحالية التي كانت رسمت جغرافيا قبل المعاهدة. وتزامن ذلك مع الحديث عن بدء معركة تحرير الموصل التي بدأت بعد ذلك بأسبوعين. ولكن قبل ذلك بشهر تقريبا، وتحديدا في 24 أغسطس 2016، شنت القوات التركية عملية "درع الفرات" واقتحمت الحدود السورية واحتلت مدينة جرابلس وصولا الى حدود عفرين غربا وأبواب مدينة "الباب" جنوبا وأعزاز، وهو ما سنتحدث عنه لاحقا بالتفصيل مع عمليتي "غصن الزيتون" التي احتلت خلالها مدينة عفرين و "نبع السلام" التي شنتها القوات التركية في أوائل اكتوبر الماضي في مناطق شمال شرق الفرات بزعم إقامة المنطقة الآمنة. هذا ناهيك عن مواقف أردوغان التي تكررت بشأن معاهدة لوزان، ليصفها بأنها "لم تكن انتصارا بل هزيمة، وأن الخارج أراد أن يجعلنا نقبل بأنها نصر في حين هي عمليا هزيمة وهو مفهوم خاطئ نرفضه ويجب تصحيحه".

ثم صعـّد أردووغان مواقفه المعادية لسوريا والعراق، ليصوب سهامه على "الميثاق المللّي - القومي" الذي وضعه البرلمان العثماني عام1920 بتوجيه من مصطفى كمال أتاتورك، مشيرا الي أن ولاية الموصل التي كانت تضم الموصل وكركوك وإقليم كردستان العراق مثلا كانت تابعة لتركيا. هنا يذكر أن الرئيس الراحل تورجوت أوزال هو أول من عمل على استعادة الموصل أثناء حرب تحرير الكويت، لكن معارضة رئيسي الحكومة والأركان التركيين حالت دون أن يمضي في مغامرته تلك. ولعل مواقف رئيس تركيا السابق عبد الله جول (2009) ووزير خارجيتها السابق (2004)، خير شاهد علي أن الموروث التاريخي لا يغيب عن الخطاب التركي عبر العقود الماضية، فجول سبق وانتقد إقامة فيدرالية في العراق، بحجة أن ذلك يخلق لتركيا حقوقا تاريخية لبلاده التي سلمت الموصل عام 1926 الي عراق موحد،بما يعني حق تركيا في استعادة ولاية الموصل في حال تقسيم العراق أو تحويله الي دولة فيدرالية. وقد كان ذلك قبل الدخول العسكري التركي الى سوريا عبر ثلاث عمليات عسكرية هي "درع الفرات" عام 2016، و"غصن الزيتون" التي احتلت فيها مدينة عفرين عام 2018، والأخيرة هي "نبع السلام" في مناطق شمال شرق الفرات في أوائل اكتوبر الماضي، وقبلها التشبث بإقامة قاعدة "بعشيقة" في شمال العراق.

مبررات عودة المشروع العثماني
ولعل من أسباب عودة المشروع العثماني لتركيا الأردوغانية، ما تزعمه أنقرة بأن ثمة مؤامرة ضدها تقودها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لدعم وحدات حماية الشعب الكردية المكون الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" في شمال شرق سوريا لوصل عين العرب - كوباني بعفرين، بهدف محاصرة تركيا بشريط كردي ممتد من الحدود الإيرانية عبر شمال وشرق وغرب سوريا وبعض المدن العراقية. ثم تزعم تركيا أن الشريط الكردي يعد تحولا استراتيجيا خطيرا داخل العالم الإسلامي، إذ يكرس وضعا مرفوضا من جانب أنقرة، لأنه يقطع الفضاء الحضاري والجغرافي التركي عن الفضاء الحضاري والجغرافي العربي بفضاء جديد هو الفضاء الكردي. ولهذا تصاعدت لهجة الرئيس التركي ضد واشنطن في أحيان كثيرة خشية الوصول لمرحلة تقسيم تركيا ذاتها عبر أكراد الداخل، وهو ما دفع القيادة التركية الى تبرير خطوات التدخل المباشر في شمال وشرق وغرب سوريا والعراق على أنها حرب استباقية لمنع وصول التهديدات الى الداخل التركي.. الأمر الذي يؤكد أن الشهية التركية الأردوغانية لضم مناطق بشمال سوريا والموصل العراقية وفقا لمنطق تقاسم مناطق النفوذ، هي بحد ذاتها "بعث العثمانية الجديدة" الأردوغانية.

ولهذا، يعتقد أردوغان أن مشروع "العثمنة" أو"الكومنولث العثماني"، يجب تدشينه عبر استعادة مناطق كانت خاضعة للسلطنة العثمانية، ومنها مدن حلب وكركوك والموصل وغيرها. وأمام هذا الواقع، تخلت تركيا الأردوغانية عن السياسة الناعمة لتتبني منطق القوة، أو السياسة "الخشنة"، بما فيها الإنقلاب على الدبلوماسية المرنة والتعاون الإيجابي بينها وبين الدول الأخرى والاستغناء عن حروبها بالوكالة وصولا إلى التدخل العسكري المباشر ضد جيرانها تحديدا، لتتحول من "صفر مشكلات" إلى واقع "صفر جيران" و"صفر أصدقاء" و"أغلبية كبيرة خصوم". وتمثل عملية "درع الفرات" في أغسطس 2016، بداية حقيقية لخطة تركيا للتدخل العسكري المباشر في سوريا، إذ استخدمت أدوات ووسائل جديدة لتنفيذ أهداف في السياسة الخارجية التركية، ليكون جيشها هو سلاحها الجديد في عمليات عسكرية خارج أراضيها. وأفضت هذه العملية الي احتلال الجيش التركي مدينة جرابلس السورية، ومن ثم احتلاله الشريط الحدودي الواقع بين جرابلس والباب وأعزاز بطول نحو مائة كيلومتر وبعمق يصل إلى مسافة قريبة من حلب. وسبق هذا التدخل أن توغلت القوات التركية في عام 2015 في منطقة "بعشيقة" في شمال غرب الموصل وأقامت معسكرا لها هناك ورفضت مغادرته رغم مطالبة الحكومة العراقية لها بذلك، في تحول خطير في الآليات المتبعة لتنفيذ سياساتها الخارجية.

المزاعم  التركية لبعث الخلافة الإسلامية
أمام كل هذه التحولات في السياسة التركية، تبرز المواقف الانقلابية لأنقرة التي تبنت عقيدة عسكرية تسمح لجيشها بالحق في التدخل العسكري المباشر في الدول المجاورة واحتلال أراضيها والبقاء فيها، زاعمة أن تلك العقيدة ذات طابع الحرب الاستباقية إنما تواجه بها التهديدات الوطنية، إذ يجب عليها ألا تنتظر هذه التهديدات لوصولها الي عقر دارها بل تسابق بردعها خارج الحدود.. وانطلاقا من هذه العقيدة العسكرية، كان قرار أنقرة إقامة قواعد عسكرية لأول مرة خارج البلاد، لتكون قاعدة مقديشو هي أول قاعدة عسكرية تركية وتم تدشينها في سبتمبر 2016، ولتكون القاعدة الثانية في قطر، فيما تجري تركيا محادثات مع كل من أذربيجان وجورجيا وألبانيا لإقامة قواعد عسكرية فيها، وكذلك مع السودان عبر "جزيرة سواكن" ذات الموقع الإستراتيجي على البحر الأحمر.. واستغل أردوغان كل هذه المعطيات ولم يدخر جهدا لبعث الخلافة الإسلامية من جديد، لذا يتبني نظامه مصطلحات عدة لها، منها الخلافة، والسلطنة، لتنتهي بما يسمي "العثمنة الأردوغانية" التي تحمل طموحات تتعدي حدود الدول والأوطان الصغيرة، الى ما يشبه الإمبراطوريات ذات المساحات الجغرافية المترامية والإمكانات الهائلة، وهذا ما يتجلى في التحضيرات الأردوغانية لإعلان الخلافة أو السلطان.

في الجزء الثاني من هذه الورقة، نستكمل عرض أهداف المشروع التركي في سوريا، إذ يراهن أردوغان علي غياب القوات النظامية السورية عن مناطق شمال وشمال شرق وغرب سوريا، ويراها فرصة له لاحتلالها وتتريكها بالأمر الواقع. لا سيما وقد وصل الأمر بالرئيس التركي بالذهاب الى منطقة هاتاي الحدودية مع سوريا مرتديا الزي العسكري في سابقة هي الأولي خلال توليه مناصبه، حيث يصافح جنوده هناك، وكأنها رسالة الى الداخل والخارج معا. وينقل الباحث صالح زهر الدين، المتخصص في العلاقات العربية - التركية ، عن أرودغان تأكيده للإسلاميين في الداخل أنه خليفة "أرطغرل" الموصوف بـ"الطير البطل" والد السلطان عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية أو محمد الفاتح الجديد سابع سلاطين الدولة العثمانية والحفيد السادس لأرطغرل.. وبالنسبة للقوميين يسوق أردوغان نفسه علي أنه "الذئب الرمادي" الذي يبحثون عنه في أساطيرهم وبين سفوح جبال الأناضول، ولينفذ ما وعد الجميع به في أحد مؤتمراته الحزبية عندما قال:"الشرق الأوسط ينتظرنا منذ مائة عام"، وهاهو قد عاد بتركيا للشرق الأوسط أو أعاد المنطقة للإمبراطورية العثمانية الجديدة حسبما يروج إعلامه بالداخل.

 وللحديث بقية..

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة