آراء

البقع السوداء على ثوب الجمال المصري

21-11-2019 | 17:32

أعتقد أنه بعد انتشار "ثقافة الغُطْرة والجلباب القصير والشبشب أبو إصبع وأكياس البلاستيك السوداء، ودعاء دخول الحمام؛ وكتب الثعبان الأقرع، وأحجبة السحر لعودة الحبيب بعد ثلاث ساعات على بوز أمُّه".. فهل نعتقد أو نأمل في صمود "ثقافة الجمال" ــ التي تربت عليها أجيال الزمن الجميل ــ أمام كل هذا القُبح؟

نحتاج السنوات الطوال للعودة.. وعلينا إطلاق أجراس الخطر لوقف هذا الطوفان من القُبح!

بالبلدي ـ وبعيدًا عن تقعرات اللغة: "هل الشعب المصري ـ فعلاً ـ مالوش كتالوج؟"

فالمتعارف عليه في المصانع الكبرى المنتجة لأدوات التكنولوجيا الحديثة؛ أن ترفق مع كل مُنتج "كتالوج" يحدِّد طريقة وكيفية استعماله ومعالجة الأخطاء الناتجة عن سوء الاستخدام أو الخطأ في إعطائه الأوامر، ما بالك بالمنتج الإلهي العظيم من "بني آدم" الذي قال عنه المولى سبحانه وتعالى:

"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".. سورة الإسراء(70).

ولكن يبدو أن الإنسان المصري ـ في المرحلة الأخيرة ـ شرد بعيدًا عن الاستخدام السوي لمقدراته وما جُبل عليه منذ القدم؛ وأصبح بحاجة ماسة إلى من يقوم بإعادته إلى حالة "ضبط المصنع"؛ وإلى قاعدته الأًصيلة الأصلية التي انطلق منها منذ فجر التاريخ إلى آفاق العلم المتقدم في مجالات الحياة كافة.

فمن العجيب أن ترى لافتة كبرى ـ على سور مدرسة مثلاً ـ مكتوبة بالخط النسخ الجميل: وتعلن أن "النظافة من الإيمان"؛ وتجد تحتها مباشرة تلالاً من القمامة التي تزكم الأنوف بكل الروائح الكريهة لـ"خرْج البيوت" من فضلات الطعام ونتاج أعشاش الطيور! فلمن إذن هذا النداء والتذكير بأن "النظافة من الإيمان"؟

إذن.. هناك انفصامٌ حاد وشرخٌ رهيب في جدار الشخصية المصرية، نتيجة الأوامر الخاطئة الصادرة إليه ممن يمسكون ـ غصبًا ـ بـ "ريموت" التوجيه! وأصدق مثال على ما نقول؛ هو ما يحدث من هجوم غير مبرر على الفنانين المشاركين في المهرجانات السينمائية السياحية، وانتقاد مشاهد الأناقة في الملبس والمظهر الحضاري الذي يعرضونه للعالم على السجادة الحمراء، وكانت الحجة "المُعلَّبة" والمصبوغة بدهون الأفكار السلفية العفنة؛ بأن مساحة "التعرِّي" في ملابس الفنانات؛ كانت بمثابة الخنجر الذي "فقأ"عيون السادة أصحاب الفضيلة والفضائل!

مهلاً.. فأنا لا أدافع عن مشاهد "التعرِّي"؛ ولكني أدافع عن "الجمال" الذي قمنا بدفنه بأيدينا بمدافن "القُبح" الذي تغلغل في كل أركان حياتنا وشوارعنا وإعلامنا؛ حتى دخلت مظاهر القبح ـ حتى ـ في "لغتنا" التي كنا نفتخر بها أمام العالم شرقًا وغربًا؛ فأصبحنا نجد في القاموس الجديد ألفاظًا وعبارات ما أنزل الله بها من سلطان.

ويقفز على لساني فورًا؛ السؤال الذي سيظل يبحث عن إجابة وسط الركام:

لماذا تراجع مستوى الذائقة الجمالية في مصرنا المحروسة؟ سؤال لابد أنه ورد على ذهن الكثيرين في أكثر من مناسبة وأكثر من مكان؛ وأنت تشاهد فيلمًا من أفلام زمان أيام تقنية سينما الأبيض والأسود، وإلى أين ذهب هذا الجمال واختفى؟ أين شياكة وأناقة وجمال ونعومة فاتن حمامة سامية جمال ومديحة يسري وهند رستم ومريم فخر الدين وليلى فوزي وليلى طاهر ونعيمة عاكف، والدلوعة شادية والسندريلا سعاد حسنى وشويكار وزبيدة ثروت وشمس البارودي ومديحة كامل وسهير رمزي وناهد شريف، ناهيك عن أناقة "بنات الجامعة" ليس في قاهرة المعز فحسب، ولكن كانت الأناقة والشياكة ـ من كل الطبقات ـ سمة من سمات جامعات جنوب الصعيد، والذوق والجمال وحسن الاختيار لا يشترط المغالاة في الثمن للملابس؛ فالذوق الراقي لا يشترط الأثمان المرتفعة؛ بل الأهمية تكُمن في التنسيق واختيار ما يتناسب مع قوام الشخصية، ثم نتساءل على الجانب الآخر: أين أناقة أصحاب الكرافتات الشيك ابتداء من الموسيقار محمد عبدالوهاب وكمال الشناوي ومحسن سرحان وشكري سرحان ونجيب الريحاني وسراج منير واستيفان روستي وزكي رستم وأنور وجدي، ولا تتسع المساحة لذكر الكثير من هؤلاء العظماء؛ الذين نتمنى أن يعكُف على مشاهدتهم والتأسِّي بهم شباب اليوم من الفنانين الصاعدين، وليرحمونا من مشاهدة "البنطال" ذي السيقان الممزقة الرثة، وكأنهم شحاذون قادمون من على "باب السيدة زينب" إلى استوديوهات السينما والتليفزيون والمسرح!

ولعلهم صادقون فيما يفعلونه؛ للتعبير عن الثقافة المهترئة داخل عقولهم وفنونهم التي أكل الدهر عليها.. وشرب، وهي الفنون التي يحاولون فرضها على الذوق المصري والعربي، والغريب أن هذه "الهلاهيل" تباع بأغلى الأثمان في فتارين وسط العاصمة؛ وكأنهم يؤكدون أننا في زمنِ أصبح فيه "القبح" و"المظهر الرث" له ثمن في أسواق التقليد الأعمى لكل الآتي من الغرب الذي يسعى بكل الوسائل لطمس هويتنا!

كانت كل مظاهر الجمال تحيط بنا حتى الأمس القريب؛ وتشهد بذلك ـ ليس في الفنون فحسب ـ بل في مظاهر الهندسة المعمارية الراقية لأبنية العاصمة المصرية القديمة؛ وهي التي تبعث في العيون والنفوس والأفئدة أجمل معاني التفاؤل والحبور والسرور والبهجة.

ولم نسمع في ذاك الزمان عن غباء التحرش والاغتصاب والجرائم التي تملأ أخبارها صفحات وأعمدة الجرائد والمجلات بلا رادع أو وازع من ضمير، وكأن العلاقة طردية بين مظاهر التدين الشكلي الذي يسود المجتمع، وما يحدث بالفعل على الساحة المجتمعية من مظاهر تجعلنا نقول: ليتنا نعود للخلف.. حيث الموجة العالية من المبادئ والقيم السامية التي كانت تحكم المجتمع لنزهو بها على طول الزمان.

ولن يمل قلمي المتواضع ولن يكِل من الإضاءة على الأركان المظلمة في دروب حياتنا؛ والمحاولات الجادة المستنيرة من أجل إزاحة تلك "البُقع السوداء" التي تشوِّه روائع الجمال المصري منذ العهود القديمة.

ونذكِّر ـ من تناسوا ـ أن البشر من كل أنحاء العالم يجيئون إلى مصر ليقفوا مشدوهين أمام جمال وروعة "رأس نفرتيتي" كنموذج لما كانت عليه مصر.. ولا مجال للمقارنة بين الأمس واليوم!

ويقينا لا أخاف من إطلالتي برأسي على عش الدبابير!

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: التحرش .. وقرارات الرئيس

لا يخفى علينا المعنى الذي ينطوي عليه مصطلح التحرش الجنسي فهو يستمد معناه بوصفه تنمرًا يتمثل في إكراه شخص على فعل جسدي، أو وعد غير لائق بمكافآت مقابل خدمات جنسية.

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة