آراء

منظومة المجتمع الأخلاقية .. وموقف القوة الناعمة المصرية

24-10-2019 | 19:30

تتنازعني عدة اتجاهات عند ضرورة الحديث عن "الأخلاق" في المجتمع، وتغلب على كتاباتي الطبيعة الأكاديمية بحكم اشتغالي في مجال البحث في الأدب واللغة العربية، ولكني أجد أنه لزامًا على قلمي ألا يكتب عن نظريات الأخلاق عند "سقراط" أو "أفلاطون" وحلم المدينة الفاضلة، أو عند "كانط" في علم الجمال، لأنه من المفترض أن القانون الأخلاقي هو الذي يجب أن يسود ويحكُم ويتحكَّم في سلوكيات البشر في كل زمانٍ ومكان وتحت ضغط كل الظروف . وسأقف وقفة الاحترام والتبجيل والخشوع لما قاله المولى سبحانه وتعالى لنبيه: "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ "(القلم 4)، و"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" (آل عمران 159).


هذا من وجهة نظري -ونظر الأسوياء- هو الإطار العام لدستور وفلسفة الأخلاق السامية؛ وهي حُزمة من الآداب السلوكية المثالية -قدر الإمكان- في المعاملات والتخاطب، والجيرة، والصداقة، والأمانة، وحفظ الحقوق، والحب، والبنوَّة، والأخوَّة، والبيع والشراء، والعمل- خاصة العمل المهني الهندسي والطبي- ويكون هذا الدستور بمنزلة وثيقة أخلاقية غير مكتوبة- إلا على حائط الضمير- ولا يلزم لسريانها توقيع شهادات بطابع دمغة، وتوقيعات من السادة المسئولين عن مؤسسة الأخلاق الحميدة، أو تتطلب أن تكون ممهورة بخاتم "النسر" الشهير الذي يحلِّق فوق سطور أوراقنا الرسمية منذ لحظة الميلاد حتى ورقة صك خروجنا في الرحلة الأبدية إلى العالم الآخر.

ولكن.. ما الحيلة- وما موقف القوى الناعمة- تجاه الانفلات والتقلبات والانحرافات الحادة داخل المجتمع المصري - سلوكًا ولغةً- والتي ازدادت حدَّتها في السنوات القليلة الماضية؛ جراء مؤامرات الهدم من بعض الجماعات الخارجة عن مسارات الإنسانية السوية، ونأيًا عن صحيح الدين والعقيدة؟ يستوي في هذا الجماعات المتشددة عقائديًا أو سياسيًا، فكلاهما له أطماعه لتمييع مبادئ الفن والثقافة لتقزيم الهويَّة الوطنية الصحيحة؛ وهذه الأهداف لم تعُد تخفى على جموع الشعب، وعلى رأسهم القوى الناعمة من النخبة المثقفة.. وبتنا نصدق الشاعر نزار قباني الذي قال في قصيدة:

"لم يدخل العدو من حدودنا.. بل تسرب مثل النمل من عيوبنا"!

فبماذا استعدَّت القوة الناعمة لتعديل المسار وإغلاق الثقوب التي حدثت في جدار المجتمع؛ من أجل المواجهة الضرورية والحاسمة؟.

وقبل أن نبحث عن إجابة لهذا السؤال العفوي المنطقي في الوقت نفسه؛ ينفجر في وجوهنا سؤالٌ آخر: هل القوى الناعمة في مصر متماسكة بالقدر الكافي لتحقيق الانضباط لإعادة سيادة المنظومة الأخلاقية السويَّة داخل المجتمع؛ أم أنها بحاجة إلى إعادة تشكيل وتقييم، نظرًا لتباين المواقف والاتجاهات والأيديولوجيات داخل القوة نفسها؟.

ودعوني أجيب- بالإنابة عنكم-: نعم .. لأن عناصر القوى الناعمة في مصر من رأسماليين- وهُم العمود الفِقري لكل الحراك المجتمعي- مثقفين، ومفكرين، وسياسيين، وفنانين، وشيوخًا، وقساوسة؛ قشرة تظهر متماسكة على السطح .. وفي الأعماق تمتد الجذور في أنحاء شتى! فالصراعات الفكرية والسياسية والعقائدية تحت السطح لا بد أن تخضع لمصدر سقاية واحد؛ هو ضرورة الإيمان بتوجهات الدولة والعمل تحت إشرافها وسيطرتها، وهذا يتطلب الفحص والتدقيق في اختيار أفكار وتوجهات شخوص قيادات هذه القوة، واكتساب واجتذاب عناصر جديدة من القريبين من الأطروحات المعلنة، والحسم في استبعاد المناوئين للمنظومة! وهذا يستوجب "مائدة حوار مستديرة" في كل الوزارات السيادية، ومراكز صناعة القرار، ترفع توصياتها وقراراتها في أقل زمن ممكن؛ لأن عنصر الزمن لن يقف خلال فترة إعادة التشكيل والتقييم المرتجى، وأقول "مستديرة" لكسر شوكة "كدابين الزفة" الذين يسعون إلى تصدر المشهد على المنصات الخاوية من المضامين!.

ترى.. هل بهذا السؤال الطويل والمفاجأة، أضع العربة أمام الحصان؟.

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: التحرش .. وقرارات الرئيس

لا يخفى علينا المعنى الذي ينطوي عليه مصطلح التحرش الجنسي فهو يستمد معناه بوصفه تنمرًا يتمثل في إكراه شخص على فعل جسدي، أو وعد غير لائق بمكافآت مقابل خدمات جنسية.

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة