آراء

القوة الناعمة مغناطيس الجذب.. وحماية الأمن القومي المصري

17-10-2019 | 20:35

يبدو أنه لا مفر من مجاراة لغة العصر ومستحدثاتها شئنا أم أبينا!


ففي كل صباحٍ جديد يخرج علينا أهل الفكر والسياسة والأدب، بمصطلحات تجعلنا نعيد النظر في مضامين ومسارات حياتنا، ليكون لنا شرف المحاولة في العلم بها وتفهم أغراضها.. ثم يأتي التطبيق الذي يتواءم ومتطلبات الحياة داخل المجتمع.

واليوم يظهر على سطح الأحداث السياسية والاجتماعية الموَّارة في جنبات العالم، مصطلح "القوة الناعمة"! فهل هناك على الجانب الآخر ـ ككفتيْ الميزان ـ مصطلحٌ آخر يسمَّى بالقوة الخشنة؟ وحتى لا نقوم بالتشويش على فكر المتلقي المتابع باهتمام، دعونا نقوم بالتعرف إلى ما هي القوة الناعمة في الأساس، وسيكون التعريف بالجانب الآخر ـ بالتأكيد ـ سهل المنال والوصول إليه.

يقول علماء الاجتماع إن القوة الناعمة هي استطاعة النخبة والصفوة من رجالات الفكر والقادة الضالعين في معترك السياسة، وهي القادرة بعناصرها على الحصول على ما تريد الوصول إليه سياسيًا وفكريًا وعقائديًا، عن طريق الإقناع والجاذبية في عرض الأفكار دون ضغط أو إجبار الغير على اعتناقها أو عن طريق الإغراء بالأموال ـ كما يحدث في بعض الانتخابات ـ وهي ما نسميه في العُرف الاجتماعي بسياسة تزوير الإرادة، وهي أشد وأعنف وأخطر من تزوير الأصوات عن طريق الاقتراع بالصناديق، إذ يكون ـ ساعتها ـ الولاء للمال وليس للمبدأ والفكرة.

وتعتمد "القوة الناعمة" في الأغلب الأعم على قوة الجذب للمضامين الثقافية في المجتمع وسياساته العامة المعلنة فكرًا، ويدعمها التطبيق الفعلي على أرض الواقع، ففي حالة التوافق بين الفكرة والنظرية والتطبيق، يكون الانتصار للمصداقية في قوة الجذب أكثر فاعلية، ويتبعها التزام مؤكد من قبل المنضمين الجُدد في طابور المؤيدين واتساع دائرتهم باكتساب عناصر فاعلة قوية.

وهذه القوى الناعمة ـ المفترض إخلاصها لصالح الوطن ـ عليها العبء الأكبر في اتساع "مغناطيس الجذب" للطاقات الخلاَّقة لقوى الشباب، عن طريق شن الحرب الثقافية العقلانية لتغيير المناهج التعليمية وتشذيبها من كل ما يخالف المنطق والعرف في التراث الديني بالذات ـ وبخاصة نظريات عدم قبول الآخر سياسيًا وعقائديًا ـ وهي "اللعبة التاريخية" التي ينتهجها الغرب منذ طرد الاحتلال العسكري من الشرق الأوسط ، فكان الالتفاف عن طريق إثارة النعرات القبلية والطائفية والمذهبية بين الدول العربية والعالم الثالث بوجهٍ عام، وهي ما تسمَّى بالمؤامرة الكونية التي حيكت بليلٍ في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي على يد عتاولة الصهاينة ومؤسسي دويلة إسرائيل "موسى شاريت وبن جوريون"، وقام بدعمها في الثمانينيات الكونجرس الأمريكي، والهدف: تفتيت الخريطة العربية بالتقسيم العرقي والمذهبي!

فنحن الآن وأمام كل هذه التحديات الصريحة والمعلنة، هل سندفن رءوسنا في رمال اللامبالاة والاندفاع وراء الصراعات المادية الحياتية، وهل سنتغافل عن تلك البنادق المحشوة برصاص الغدر للإيقاع بنا في شرك التقسيم والتشرذم، وأصابع إسرائيل لم تترك "الزناد" لحظة واحدة منذ ظهور كيانها كشوكة في ظهر العرب والشرق الأوسط بصفةٍ عامة، لتحقيق حلم "هرتزل" بإسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

والسؤال الحائر الآن على ألسنتنا ـ نحن المهتمين بالشأن العام ـ ويبحث عن إجابة شافية: هل شبابنا بكل فئاته وشرائحه العُمرية يعلم بتلك المؤامرة وأبعادها؟ بدلاً من الاستغراق في مهاترات التلاسن على صفحات التواصل الاجتماعي التي أتت بكل النتائج العكسية، فأصبحت صفحات "التباعد الاجتماعي" بما يتم عليها من صراعات لا فكرية ولا تستند إلى الوثائق والمستجدات على الساحة الدولية، ولا يعلمون شيئًا عمن يتربصون خلف تلك الحوائط الزرقاء على أجهزة الكمبيوتر.

بل يمتد السؤال إلى أعمق من هذا بكثير، فنتساءل: ما دور القوة الناعمة في جعله على علمٍ بإيجاد حلول تخرجنا من عنق الزجاجة، فشبابنا سيتسلم الراية إن آجلًا أم عاجلًا، وعلى عاتقه ستلقى تبعة المسئولية وصياغة الحلول المنقذة، فلا يجب ترك يده في الماء البارد وإقامة منتديات الشباب وبعض المشروعات لا يكفي لغرس الوعي الكافي لإعداده لمجابهة عثرات المستقبل.

المهمة جد ثقيلة، والمسألة لا يجب أن تترك للعشوائية في التنفيذ، ومصير الأجيال الحالية والقادمة في أعناق رجالات الفكر والسياسة والأدب، ولم تعدم ـ ولن تعدم ـ مصر من هؤلاء المفكرين حاملي مشاعل التنوير في كل زمان، والمطلوب الكثير من الحزم في سرعة وضع إستراتيجية يلتزم بها الجميع، حتى وإن كانت يشوبها بعض القسوة في استئصال العناصر المناهضة بالاستبعاد وتنظيف الساحة من أصحاب الأفكار المناوئة التي تعطل مسيرة التنمية، التي تُعد حائط الصد المنيع لكل أبعاد المؤامرة الكونية على تفتيتنا وذهاب عالمنا أدراج الرياح.

ولكننا ـ وللحق نقول ـ إنه ليست هناك مسئولية بلا سلطة! ولا نستطيع أن نلقي بالتبعة على أكتاف نخبة "القوى الناعمة" لحماية الأمن القومي ، دون منحها سلطة التنفيذ والمتابعة الفورية والمستمرة، فلابد من تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية ـ وهذه سلطة الأجهزة التنفيذية الحاكمة بخططها المدروسة على أرض الواقع ـ ، وحينئذٍ سيضطلع كل فرد داخل المجتمع بواجباته العملية، آمنًا مستقرًا على أوضاعه الاجتماعية والصحية، علاوة على ضرورة وجديّة ما تبذله وسائل التواصل المرئي والمقروء نحو غرس كل ما يحض على تقوية الوازع الوطني والارتقاء بالشعور بالذائقة الجمالية وتنمية الثقافة المعرفية بكل الشفافية بأوضاع الوطن وتحدياته الآنية والمستقبلية.

إنه الوطن.. فماذا بعد ضياع الوطن وتمييع الهويَّة؟

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: التحرش .. وقرارات الرئيس

لا يخفى علينا المعنى الذي ينطوي عليه مصطلح التحرش الجنسي فهو يستمد معناه بوصفه تنمرًا يتمثل في إكراه شخص على فعل جسدي، أو وعد غير لائق بمكافآت مقابل خدمات جنسية.

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة