آراء

"صلاح هلال".. عاشق الصحافة وقلم لا يموت!!

26-8-2019 | 19:38

كثير من الرجال في هذا الزمان قد يصبح بقاؤهم رحيلا، وقليل من الرجال يصبح رحيلهم بقاءً وخلودًا.

فالأقلام النبيلة لا تموت أبدًا، لكن فقط يجف منها المداد، ومن هذه الأقلام، وهؤلاء الرجال الباقون في سجل الصحافة والخلود، عاشق الصحافة وأستاذ التحقيق الصحفي "صلاح هلال".

كان صلاح هلال مدرسة صحفية وأكاديمية إعلامية تسير على قدمين، ترك بصمات متميزة في الكثير من المنابر الصحفية المصرية والعربية، وتتلمذت على يديه أعداد كبيرة من الصحفيين والصحفيات من أجيال متعاقبة.

كان صلاح هلال بلا شك هو أفضل رهانات محمد حسنين هيكل الصحفية في تطوير وتحديث قسم التحقيقات الصحفية في الأهرام، فقد عرفت الصحافة العربية في صلاح هلال أنه أول صحفي دارس متمكن، يخطط للفكرة ويتابعها، ويصوغها، ثم يقوم بإخراجها بنفسه، إنه الصحفي الذي يبدأ رحلة الموضوع الصحفي من الألف إلى الياء.

كان صلاح هلال مدرسة صحفية متحركة، مستقلة بذاتها، لا تتبع تيارًا أو فريقًا، لكنها تتبع نظرية واحدة، هي احترام الإنسان لنفسه ولمهنته، كان يهمه في المقام الأول المواطن، صاحب الحق، ولم يكن يضع في حساباته غضب مسئول أو صاحب جاه أو منصب من قضية أثارها في تحقيقاته، لم يتبن صلاح هلال نظريات أو يدخل في متاهات دوامة القوالب السياسية، ولكنه تبنى مدرسة خدمة القارئ، الذي يعتبر المالك الحقيقي لأي مطبوعة.

ولم يكن اختيار "هيكل" لصلاح هلال، ليقوم بمهمته من فراغ، فهو تاريخ طويل من التفرد والتميز، وقد ولد صلاح هلال بقرية كوم النور بمركز ميت غمر دقهلية في الرابع والعشرين من ديسمبر عام‏ 1927،‏ وتخرج في الجامعة الأمريكية بالقاهرة حاملا ليسانس الصحافة، ومنذ تخرجه، وهب حياته لمهنة البحث عن المتاعب، وتمرس بمهاراتها المتنوعة، وصال وجال في دروبها الوعرة، بدءًا من روز اليوسف التي عمل بها محررًا في قسم الفن، قبل أن يكمل دراسته الأكاديمية، ومن هناك انطلق في تعقب الأخبار والانفراد بكشف النقاب عن أخطر الأسرار، ونشرها في صحيفة الأخبار، التي شهدت بدايات نبوغه كمخبر صحفي من طراز نادر وجسور ومقتحم، وصاحب خبطات مدوية، من أشهرها أسرار الرحلة المثيرة التي قام بها صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة إلى جنوب السودان، وخلال الرحلة التقط أشهر صورة صحفية لصلاح سالم وهو يرقص مع أفراد قبيلة الدنكة رقصتهم الشهيرة، والتي طيرتها وكالات الأنباء العالمية، ومن "أخبار اليوم" ينتقل إلى "آخر ساعة" و"الأخبار" حتى تدرج إلى أن وصل إلى نائب لرئيس تحرير "آخر ساعة"‏، ورئيسًا لتحريرها بالنيابة بعد انتقال "هيكل" إلى رئاسة تحرير الأهرام.‏

وفي عام‏ 1959‏ انتقل صلاح هلال إلى جريدة "الأهرام"؛ ليكمل مشواره مع التحقيق الصحفي الذي كان يعشقه ويجيد كتابته بقدرة واقتدار؛‏ حيث أسس في الأهرام مدرسة التحقيق الصحفي فتتلمذ على يديه في هذه المدرسة عدد كبير من الصحفيين الذين أصبحوا نجومًا ساطعة في دنيا الصحافة داخل وخارج "الأهرام"‏.‏ً

وخلال رحلته المهنية بـ"الأهرام" لم يكتف بأن يكون صانعًا للنجوم، ولم يتخل عن الفن الصحفي الذي عشقه، فقد أجرى العديد من الخبطات الصحفية، كان من أبرزها سلسلة تحقيقات نادرة عن حرب‏ 1956‏ نشرت على صفحتين يوميًا لمدة سبعة أيام متوالية جسد خلالها بطولات الجندي المصري في هذه المعركة، ونقل للقارئ صورة حية لما يحدث على خط النار‏.‏

وعن هذه المغامرة الصحفية يقول الأستاذ صلاح هلال: لم أكد أدخل لتوي إلى "جريدة الأهرام" قادمًا من "أخبار اليوم" بعد عمر طويل قضيته إلى جانب الأستاذ "هيكل" هناك حتى وجدت في انتظاري تكليفًا من الرئيس عبدالناصر اقترحه على الأستاذ "هيكل" بإعداد سلسلة من التحقيقات على غرار تحقيقات الباخرة "تيتانيك" الشهيرة في "الديلي إكسبريس"، تتحدث عن حرب ‏1956م.

ويومها أمضي الأستاذ صلاح هلال شهرًا كاملًا التقى خلاله بالقادة، وزار المواقع والتقى بأكثر من مئة محارب وجمع الصور، حتى استطاع أن يكتب سبعة تحقيقات مسلسلة كان ينشر كل تحقيق منها على صفحتين متقابلتين ووصفها الأستاذ "هيكل" بأنها تحقيقات غير مسبوقة.

ومنذ ذلك اليوم استقر مفهوم التحقيقات الصحفية بـ"الأهرام" التي تولاها بعد ذلك لمدة ثلاثين سنة متصلة‏، وكان له ملامح محددة في مدرسة تحقيقاته الصحفية تقوم على أساس‏ (تحقيق كبير شامل‏، ‏‏ تحقيقات قصيرة وسريعة حول أحداث لا تتعدى الـ‏24‏ ساعة قبل النشر‏، استقصاءات رأي حول موضوعات معينة ومسائل تهم الحياة اليومية للناس، ‏خدمة تصويرية تسمح بنشر الصورة أحيانا على نصف صفحة كاملة‏)‏.

وخلال رئاسته لقسم التحقيقات بـ"الأهرام" تعلم منه تلاميذه كيف يقدمون إلى الرأي العام أعلى مستوى من التحقيق الصحفي، الذي لا تنقصه جرأة، ولا تقيده خشية، ولا يستهدف غير المعالجة الأمينة لحقائق الأمور، بغير تهوين ولا تهويل.

كانت مدرسته الصحفية هي مدرسة الأب ذو الهيبة والوالد الحنون، مدرسة الأستاذ الذي لا يبخل بعلمه على تلامذته، ، مدرسة العاشق للمهنة، المتفاني لها، المقيم بصفة دائمة في محرابها، تعلم من يعمل معه، كيف يكتب قصة صحفية، كيف يتحرى قضية؟ كيف يصوغ جملة؟ كيف يصنع عنوانًا جذابًا؟ كيف يبيع موضوعًا للقارئ من خلال مقدمة صحفية ذكية، كيف يختار الحرف مثلما يختار الصائغ قطعة الألماس النادرة ليرصع بها أسورة لحبيبته، وإضافة إلى ذلك كيف يختار الصورة الصحفية الإنسانية المعبرة، رافعًا شعار صورة واحدة معبرة تغني عن مليون كلمة.

كما تعلم من يعمل معه: كيف يخرج التحقيق الصحفي، بحيث يبرز فن الإخراج الصحفي أهم عناصر الموضوع، ويجعل القراءة متعة، وليست رحلة شاقة بلا عودة للقارئ.

ولم يقتصر عطاء "صلاح هلال" في الأهرام على تطوير قسم التحقيقات الصحفية، ولكنه أيضا كان أول من أنشأ "صفحة الرأي" في جريدة الأهرام، كما كان أول من كتب عمودًا صحفيًا عن كواليس مجلس الشعب، فقد كان أول ناقد برلماني بعد قيام ثورة 23 يوليو، عندما اختاره "هيكل" ليكون كاتبًا وناقدًا لجلسات مجلس الأمة عندما كان أنور السادات رئيسًا له، ولكنه لم يعمر طويلًا في شرفة الصحافة بالمجلس، الذي أصدر قرارًا بمنعه من حضور الجلسات، بعد أن انتقد أحد النواب، الذي كان أستاذًا لجمال عبدالناصر في الكلية الحربية، وكان أول من أخرج كتبًا مصورة عن الثورة، ومن أهمها كتاب "عبدالناصر.. ملف بالصور".

وامتد عطاء صلاح هلال إلى الصحافة العربية، حيث ساهم في إنشاء وتطوير بعض الصحف العربية، فقد سافر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وهناك أسس جريدة "صوت الأمة"، وعمل مديرًا لتحريرها، كما ساهم في إنشاء مجلة "زهرة الخليج".

وفي يوم الأحد 3 أغسطس عام 2003، انتقل "صلاح هلال" إلى جوار ربه، ليجف مداد قلمه، ولكن قلمه باق لم يمت!!.

Dr.ismail52@gmail.com

بدون الخبير والأكاديمي سينهار إعلامنا!!

فى تطوير الدراسات الإعلامية تأتى المناهج أو المقررات الدراسية فى المقدمة، والمناهج مرتبطة بلوائح الدراسة فى كليات وأقسام الإعلام، وقد أجمعت آراء كبار أساتذة

إعلامنا والحاجة إلى فكر واع وإرادة فاعلة

مازلنا نسير على طريق البحث عن إعلام مصري حقيقى يسهم بفعالية في خطط التنمية. في إشارة إلى سلسلة مقالاتى عن الإعلام، قال د. أسامة الغزالى حرب: "على بوابة

كلمتي لوجه الله ومن أجل إعلام أفضل

من واقع خبرتي العلمية والعملية وجمعي بين العمل الإعلامي والعمل الأكاديمي أقول شهادتي لوجه الله سبحانه وتعالى، وسعيًا لمزيد من التطور والرقى للمهنة والرسالة

الخبراء يطالبون برؤية جديدة لكليات الإعلام

الخبراء يطالبون برؤية جديدة لكليات الإعلام

كليات وأقسام الإعلام تخرج أعدادا كبيرة غير مؤهلة

في الأسبوع الماضي بدأنا الحديث عن الخطوات التي يجب أن نسلكها ليكون عندنا إعلام مصري حقيقي يحقق طموحاتنا ويستعيد ريادتنا الإعلامية في المنطقة في ظل التحديات

نحو إعلام مصري حقيقي

كثيرا ما تحدثنا وتحدث الكثيرون عن أهمية الإعلام ودوره المحوري والهام فى بناء جسور الثقة المتبادلة بين الشعوب والحكومات، ودوره في عمليات التنمية وإحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي المنشود.

"أمل" الإمارات .. وجشع المستشفيات الخاصة

تعرضت الأسبوع الماضي لأزمة صحية مفاجئة تؤكد أهمية وضرورة رقابة وزارة الصحة المصرية على المستشفيات الخاصة، وأهمية أن يكون هناك جهة مسئولة عن تنفيذ توجيهات

حق وليست مِنة!!

في الوقت الذي كنا نتحدث فيه عن أهمية الإعلام الحقيقي والموضوعي في إقامة جسور الثقة بين الشعب وقيادته، وأهمية هذا الدور في جعل إنجازات تلك القيادة الرشيدة

الإعلام وجسور الثقة بين الشعب وقيادته

الإعلام الحقيقي والموضوعي هو الإعلام الذي يرى بعين الجماهير ويتحدث بلسانها، ويعبر عن طموحاتهم، ويجسد آمالهم وتطلعاتهم نحو المستقبل، وفى ذات الوقت الذى

ضرورات التعايش مع "كورونا"

بعد الاتجاه لعودة الحياة إلى طبيعتها، ليس في مصر وحدها وإنما في غالبية دول العالم بعد فترة الحظر والإجراءات الاحترازية إثر جائحة كورونا، أصبح من الضروري

عندما هدد ثروت أباظة بالاستقالة من "الأهرام"

خلال رحلة عملي في جريدة "الأهرام" التي بدأت عام 1976، تعلمت وعملت مع مجموعة من كبار المفكرين فى مصر، ورواد مهنة القلم، تأثرت بهم وتعلمت منهم خلال العديد

دراما الغابة!!

بعيداً عن مسلسل "الاختيار" الذى قدم لنا نموذج التضحية والفداء والعطاء لمصر، ممثلاً في بطولة العقيد أركان حرب "أحمد منسي"، وبعض المسلسلات الكوميدية والرومانسية

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة