آراء

أخلاق الفنان .. في الميزان!

25-7-2019 | 21:05

لم يكن الشاعر نرجسيًا حين قال عن نفسه: إنني أرى ما ترَون.. لكنكم لا ترَون ما أرى! ولم تدفعه "الأنا" أو النفس الأمارة بالسوء إلى هذا القول الصادق؛ إلا لأنه يرى روحه المتفردة في مرآة ذاته؛ ويشعر باختلافه عن الآخرين شفافيةً وصفاءً ونقاءً ومنحه الله ما لم يمنحه للآخرين، ولا عجب في ذلك فقد كانت القبائل العربية تقيم الأفراح والليالي الملاح أربعين ليلة للاحتفاء بميلاد شاعر من أبنائها!

وللحق أقول: إن تلك المسألة ليست قاصرة على من تقمصته ملائكة الشعر فحسب؛ ولكنها تمتد إلى كل من تلونت جدران روحه بمفاهيم الذائقة الجمالية في شتى مجالات الفنون، كالكتابة الأدبية الروائية والقصصية والموسيقى والغناء والرسم والفن التشكيلي والنحت على الحجر والخشب، فكل هؤلاء بلا شك يصنعون البهجة في أركان حياتنا، ويمسحون الدموع في مآقينا، ويحركون مكامن الشجن في وجداننا لنشعر بحب الحياة التي تمنح وتؤصِّل الصفاء في نفوسنا ولكل من حولنا، لأن الفن يسمو بالروح ويهذِّب الأخلاق، فالإحساس العفوي الصادق بالفن يؤثر بالضرورة على السلوك الإنساني ويرتقي به إلى أعلى درجات السمو في التعامل والمعاملات بين البشر بعضهم البعض؛ فيصبح الجمال والأخلاق كأنهما وجهان لعملة واحدة، وأيقونة تكاد تصل إلى درجة التقديس عند النشء والأجيال الصاعدة؛ فيتخذون من سيرة مشاهير الفنانين وسلوكياتهم ـ كلٌ في مجاله ـ مثلاً أعلى وقدوة يُحتذى بها في مسيرتهم الحياتية.

إن العلاقة بين الفن والأخلاق والسلوكيات الحميدة؛ لابد أن تكون علاقة وطيدة كالحبل السُّري بين الأم وجنينها الذي تمنحه نبضات الحياة في أحشائها، فالأمل والأمنيات أن نجد "الفن" هو الذي يمسك بمقود الحياة على الأرض لتهذيب الواقع المُعاش في المجتمع وليس لتقليده أو النقل حرفيًا عنه؛ من أجل أن يحوذ الرضا من فئة أو شريحة معينة، لا تمثل سوى قاع الحواري والشوارع الخلفية، فإذا ما قام الفن بهذا الدور التقليدي؛ فقل على الفن والمجتمع والأخلاق وبأعلى الصوت: على الدنيا السلام!

وقد ينبري البعض ـ من وجهة نظرهم ـ بالتساؤل المشروع: ما كُنه تلك العلاقة الوطيدة بين الفن والأخلاق وبين من يعملون به من الفنانين؛ وبخاصة من المطربين الذين يواجهون الجمهور كل ليلة بالحفلات العامة أو على خشبة المسرح أو شاشة السينما؟ فالمقصود ليس المعنى الحرفي للأخلاق، فلم أطلب أن يخرج الفنان أو المطرب على الجمهور وهو يمسك بـ "مسبحة" بين يديه مثلاً؛ فالعُرف السائد في المجتمع هو الذي يجب أن يحكم تلك اللقاءات الجماهيرية؛ لأن القيم الأخلاقية متغيرة ومتنوعة ومختلفة بحسب كل مجتمع وتركيبته وطريقة ممارسته لسلوكياته، فالذي يحدث في المجتمعات الأوروبية والأمريكية بالذات؛ لا يمكن أن يحدث داخل قاعات الفنون بالمجتمعات العربية المحافظة، وإلا كان تقليدًا ممسوخًا ومستهجنًا، قد يقبله البعض من الشباب اللاواعي ولكن ترفضه ـ حتمًا ـ الأغلبية الواعية برسالة الفن الهادف وعلاقته بمكارم الأخلاق.

ونتفق جميعًا أن الفن رسالة سامية؛ والفنان الملتزم هو حامل مبادئ تلك الرسالة وخير موصِّل لها ولبنودها الراقية؛ ولهذا تظل تصرفاته وسلوكياته دائمًا تحت أنظار جماهيره وعاشقي فنه، فإذا ما خرج عما هو مألوف في مضامين التواضع دون غرور أو تعالٍ على تلك الجماهير، فإنها تقوم بإسقاطه من حساباتها إلى غير رجعة.

وكم من فنانين حازوا الكثير من الشهرة والمجد؛ لكنهم ضاعوا في زوايا النسيان جرَّاء ممارسة داء التعالي والغرور الذي يصيب ضعاف النفوس البشرية في كل زمانٍ ومكان.

إن مواد الميثاق الأخلاقي لا تحتاج إلى صحائف مكتوبة في متن دستور الوطن؛ ولا إلى الإعلان عن عقوبات مغلظة لمن يخرج عن إطارها؛ ولا تحتاج ولا تحتكم إلا إلى يقظة الضمير الإنساني الذي تعنيه مصلحة الوطن والمواطن، هذا الضمير الذي يظهر واضحًا وجليًا، ابتداء من الاختيار الراقي لكلمات العمل الذي يخرج به الفنان إلى ساحة الجماهير في الحفلات العامة أو الأعمال المسرحية والسينمائية، دون اللجوء إلى ممارسة الإسقاطات الحركيَّة الفجَّة التي تنسف مقاصد اللفظ والدلالة المتعارف عليها؛ وتعطي المستمع أو المشاهد ما يشي بعكس الاتجاه على طول الخط، فالجماهير الواعية تعرف جيدًا كيف تضع الفنان بأخلاقياته وسلوكياته في الميزان.

وأحسبني لن أبتعد كثيرًا عن هذا الموضوع؛ إذا ما ألقيت بمسئولية تدشين مبادئ السلوكيات الأخلاقية السويَّة على عاتق أجهزة الإعلام المتمثل في المادة الصحفية المقروءة والإذاعية المسموعة والتليفزيونية المرئية، فمن خلال تلك المواد التي لابد أن يتوخى مقدموها أن تكون رفيعة المستوى لفظيًا وحركيًا؛ ووجوب التزام من يظهرون فيها ـ كضيوف ـ أدبيًا بمدى انعكاسات الصوت والصورة على المتلقي الذي يتابعهم عبرها؛ لتكتمل دائرة الضوء في سماء الفن والفنانين بكل التلقائية والعفوية المطلوبة، دون اللجوء إلى محاولة التشدق بترديد نظريات علم الجمال عند علماء الغرب، فنحن من كتبنا السطر الأول في كتب التاريخ عن الذائقة الجمالية وتأثيرها الإيجابي على مفاهيم الأخلاق في حياة الشعوب.

تابعونا على
كلمات البحث
د. إلهام سيف الدولة تكتب: شيخ المحققين د. حسين نصار في ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلي أن يفخر بالتواجد في عصر عمالقة الأدب العربي، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم في مقاعد الدرس والتحصيل؛ لنتلقى العلوم ممن نعدهم

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة