آراء

قراصنة العقل.. والنشر.. والخيانة الوطنية!

19-7-2019 | 10:46

بالتأكيد.. البون شاسع بين "الخطأ" و"الخطيئة"، فالخطأ أن تتعثر قدمك مصادفة وغصبًا بمن يسير إلى جانبك في الزحام.. وتعتذر، والخطيئة أن تتعمد الاصطدام بقدمه وتصيبه بالضرر، وتمضي بدمٍ بارد.. دون اعتذار!


وفي زحام عالم الأدب والأدباء والمجالات العلمية والبحوث الأكاديمية؛ تنتشر هذه الظواهر التي يتفاوت تصنيفها بين الخطأ والخطيئة والمصادفة والعَمْد، وقد يلجأ البعض ـ بعد اكتشاف سرقاتهم ـ إلى التبريرات المُعلبة الجاهزة للتفرقة الكاذبة وتمييع المعاني واللعب بالكلمات وتوزيعها بين التناص والتلاص والاقتباس وتوارد الخواطر والاتصال الروحي مع شياطين الشعر القاطنين في وادي "عبقر"، دون أن تشوب وجوههم حُمرة الخجل من هذا الفعل المشين!

ولكن يختلف هذا الأمر بالنسبة لإصدارات الكتب الأدبية القصصية والروائية والشعرية والبحوث الأكاديمية؛ التي قامت بإصدارها دورالنشر مُعنونة باسم صاحبها ومبدعها الأصلي؛ وتُعد من صُلب نتاج عقله وإبداعه الفكري والعقلي، ثم تأتي المفاجأة بانتساب هذا الإبداع الوجداني والعقلي إلى متسلق "مدعٍ" بملكيته لهذا الإبداع، ويأتي هذا ـ للأسف ـ بمساندة من دور النشر التي تساعده على هذه السرقة لتحقيق الأرباح الطائلة، دون أدنى ذكر لمبدعها الأصلي وهذا أضعف الإيمان.. وبصرف النظرعن أحقيته المادية في "ريع" هذه الإبداعات الخلاقة، فالحق الأدبي هو مايهم صاحب العمل الأصلي في المقام الأول!

وصحيح أن السرقات الأدبية والفنية لمشاهيرالمبدعين العالميين؛ مازالت ترى كل يوم ابتداء من الاقتباسات من روائع شكسبير وديستوفسكي وألكسندر ديماس الأب والابن، والإلياذة والأوديسا وحتى "جحيم دانتي" ـ المأخوذة أصلًا عن رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ـ وغيرهم، وتقوم شركات الإنتاج السينمائي بتحويلها إلى أفلام ببعض التحريف والتمصيرأو التعريب بتضمين بعض وقائع المجتمعات بقصد التمويه والتعتيم على السرقة والاقتباس الفج، إلا أن عالم عصر"الميديا" والتقدم التكنولوجي قام بفضح أصحاب "مافيا الثقافة الإلكترونية" الذين تفرغوا لسرقة نتاج الإبداع العقلي من أصحابه ومبدعيه الأصليين!

وحتى وقت قريب كانت هذه السرقات تقتصرعلى "القرصنة الموسيقية" على شبكات التواصل العنكبوتية، ولكن امتدت الأيدي العابثة إلى "الكتب الرقمية" بشكل متزايد، واستقبلها ناشرو تلك الكتب باستخدام "عقلية اللصوص" بإعادة طرحها بالأسواق بأسعارٍ مقبولة في متناول القارئ دون مشكلات فنية أو تقنية، أو حتى إشارة خجلى إلى اسم مبدعها الحقيقي، فتلك هي "الخطيئة" الكبرى المتعمَّدة مع سبق الإصرار والترصد؛ دون وازعٍ من ضميرأخلاقي أو مهني أو وطني في المقام الأول؛ بل تقع هذه "الخطيئة" ـ في نظري ونظر كل المنصفين والغيورين على المصالح القومية ـ ضمن ما يندرج تحت عنوان "الخيانة الوطنية" الموثقة بالأدلة والمستندات؛ التي تصل عقوباتها إلى الإعدام رميًا بالرصاص في ميدانٍ عام؛ لردع كل من تسوِّل له نفسه ارتكاب تلك الخيانة العظمى.

ولأنني لست ضليعة في معرفة أحكام القانون وتفنيده لتلك "القرصنة" والتعدي السافر على "الملكية الفكرية"، كانت لي العودة والاستناد إلى رأي مواد القانون في هذا الصدد، فيأتي نص المادة التي تقول: "يعاقب بالحبس والغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من نشر أو نسخ أو عرض بواسطة شبكة المعلومات أو إحدى وسائل تقنية المعلومات مصنفًا فكريًا أو أدبيًا أو بحثًا علميًا أو جزءًا منه دون وجه حق"!

فمازالت تلك العقوبات الرخوة لاتملك الحق في احتفاظ المبدع بحق الملكية الفكرية لنتاج عقله، ونرى أخيرًا أنه تشعبت اتهامات سرقة هذه الحقوق، ولم تعد تقتصرعلى السطو على أفكار الأعمال الأدبية والفنية فحسب؛ بل طالت سرقة ألحان موسيقية، وتعريب أغانٍ وأفلام أجنبية، وتقديمها للمشاهد العربي المستهلك لسلعة الثقافة والفنون على أنّها تُعرض للمرة الأولى.

ولكنني أتساءل من جهتي: هل تكفي هذه العقوبات ـ إذا تم تطبيقها دون إبطاء ـ للحفاظ على تراثنا المسروق والمشوَّه بفعل الأيدي العابثة المخرِّبة للعقل المصري والعربي؟ إننا بحاجة ماسة ضرورية وعاجلة إلى تغليظ تلك العقوبات القانونية بإطلاق حق الحبس لهؤلاء اللصوص، ومصادرة الدولة أملاك دور النشر المملوكة لهم؛ التي تديرهذا الفعل المشين والمهين للتراث الفكري ولعقل المبدعين الذين قاموا - بجهودهم الذاتية - بإضافة هذا الثراء الإبداعي إلى الساحة الثقافية المصرية والعربية والعالمية.

إنني ـ كباحثة أكاديمية ـ تعرف قدرالإبداع العقلي العلمي والأدبي؛ أشارك بالرأي.. بل أتضافرمع البرامج الجادة التي تثير هذا النوع من القضايا كقناة TEN وإعلامييها الحريصين على التراث الإنساني الخلاَّق؛ للمحافظة على نتاج العقل البشري من القرصنة، وأتمنى أن تستقيم في حملات ممنهجة بكل المصداقية والشرف في المقاصد والتوجهات وتستمر..

وأتمنى أن تتحول تلك المشكلة إلى قضية "رأي عام"؛ ولا تقتصر على برنامج بعينه هُنا أوهناك في القنوات التليفزيونية والبرامج الثقافية؛ وحتى تختفي أصابع تلك الفئة المارقة من فلول "قراصنة العقول" والإبداع، وربما يأتي اليوم لنجد التطبيق العملي للمثل الشعبي الذي يقول: إللي اختشوا.. ماتوا!

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة تكتب: شيخ المحققين د. حسين نصار في ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلي أن يفخر بالتواجد في عصر عمالقة الأدب العربي، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم في مقاعد الدرس والتحصيل؛ لنتلقى العلوم ممن نعدهم

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة