آراء

الخنجر المسموم.. الخيانة

20-6-2019 | 20:00

يحتضنونك بقوة.. لا لأنهم يحبونك؛ وإنما ليتحسَّسُوا مواطن الضعف لتسديد الطعنة القاتلة: ماديًا أو معنويًا! عن الخيانة والخونة.. أتحدث!

وأعتقد أنه من الخيانة لذاتي ولقلمي.. ألا أكتب عن الخيانة والخونة؛ وبخاصة عن خونة تراب الوطن في هذه المرحلة الفارقة في مسيرته التقدمية الواعدة! أما عن الخيانة والخونة في سطور كتاب التاريخ.. فحدِّث ولا حرج!

وأجد أنها خيانة مِنِّي إذ لم أكتب.. لأنني في طليعة صفوف كتائب حرس حدود الوطن وقوته الناعمة؛ فأجد من حقي أن أقوم بالتنبيه المستمر والتحذير ممَّن يعيشون بيننا ويأكلون "عيشنا وملحنا" ويضربوننا ـ فجأة ـ في مقتل بـ"الطبق" نفسه الذي أكلنا منه سويًا!

وفي الحقيقة انتابتني الحيرة في اختيار نقطة ولحظة الانطلاق والبدء للتلامس مع هذا الموضوع الحيوي والخطير، لقد طالت وقفتي الحائرة في مفترق الطرق: ترى.. هل أكتب عن الخيانة في عالم العشق والهوى؛ وهي التي بدأت منذ أول جريمة في تاريخ "بني آدم"؛ عندما قتل "قابيل" أخاه "هابيل" بسبب الصراع بينهما على الزواج من الأخت الأجمل؛ وبالحجَّة الواهية عن عدم قبول "الله" للقربان الذي قدمه والرضا عن قربان أخيه، وحدث ذلك قبل أن "تقُد" امرأة العزيز "زليخا" قميص "يوسف" بملايين السنين؟! أم أكتب عن الخيانة والتجسس في عالم السياسة والسياسيين؟ أم عن الخونة والخيانة بين بائعي تراب الوطن مقابل فقدان الكرامة لاكتساب حفنة دنانير؟ أم عن الخونة والخيانة بين أفراد المجتمع في صراعاتهم الحياتية؟

ولكننا نعرف أن الغدر لا دين له، ولا ولاء ولا انتماء لوطن، ولا لشرف، ولا لعقيدة، وهل هناك أفدح من أن شهيد المحراب أمير المؤمنين الفاروق "عمر بن الخطاب" قُتل على يد "أبو لؤلؤة المجوسي" بطعنةٍ غادرة في صلاة الفجر بمسجد الرسول.. وفي الشهر الحرام ؟ وتذكر كتب السيرة أن استشهاد "الفاروق" كان أول قتل في المسجد في تاريخ الإسلام، وبعده تواصلت حلقات سلسلة القتل ـ على يد خوارج كل عصر ـ لأسباب عقائدية وسياسية ومطامع دنيوية؛ ينفخ في جذوتها ويؤجج نيرانها أصحاب المصالح واغتنام الفرص في انهيار الكيانات العظيمة من الأوطان.

إن الخيانة هي الخيانة؛ مهما تعددت أشكالها وألوانها وطرقها وأسلحتها! ولكن ما يفرضه الواقع المصري والعربي علينا الآن ـ وما نعيشه من مواجهة صريحة مع الإرهاب وأعوانه في الداخل ـ يفرض ضرورة الانتباه واليقظة والضرب بيدٍ من حديد على كل الخارجين عن توجهاتنا ومقاصدنا الوطنية الشريفة؛ حفاظًا على دماء أبنائنا الذين تُزهق أرواحهم البريئة على حدود الوطن أو في الداخل؛ نتيجة الغدر والخسة والنذالة من بعض بني جلدتنا ـ للأسف ـ الذين لا يعنيهم حماية الوطن ومقدراته ومستقبل من يعيشون فوق ترابه المقدس؛ ويُجندون أنفسهم الوضيعة لخدمة مخططات خارجية تُحاك لأمتنا بليل الغدر والخديعة.

إن السيرة السيئة التي تلتصق بالخائن حيًا وميِّتًا؛ هي التي تتداولها الأجيال وتعمل على أن تنأى عنها بالانتماء والولاء الحقيقي والصادق للوطن وترابه، ويحكي التاريخ أن بعض الصحفيين سألوا الزعيم النازي "هتلر" قبل وفاته: مَنْ أحقر الناس الذين قابلتهم في حياتك؟ فقال: "أحقر الناس الذين قابلتهم في حياتي... هؤلاء الذين ساعدوني على احتلال أوطانهم"! فالخائن يكون دائمًا محتقرًا ـ حتى ـ ممَّن يستخدمونه في خيانة بلاده، فقد رفض "نابليون" مصافحة ضابط نمساوي جاء ليتقاضى ثمنًا للمعلومات التي قدمها له لكسب معركته ضد النمسا، ورمى بالذهب على الأرض؛ فقال الضابط النمساوي: لكنني أريد أن أحظى بمصافحة يد الإمبراطور؛ فأجاب نابليون: هذا الذهب لأمثالك، أما يدي فلا تصافح رجلاً يخون بلاده!

وأنا بدوري أتساءل في دهشة: كم مِنْ "خائن" يعيش بين ظهرانينا وكان سببًا مباشرًا في حوادث شمال سيناء الأخيرة؛ والتي بسببها أُريقت دماء عددٍ من الشهداء من خيرة شبابنا الأقوياء وتكبيرات صلاة العيد تملأ الآفاق؟ وكم من عميلٍ لإرهابيي الجماعات المتأسلمة المصرية والعربية والأجنبية التابعين لمخابرات الدول المُعادية كإيران وتركيا؛ يفسدون بتصرفاتهم غير المسئولة وبأفكارهم المتطرفة الكثير من جوانب حياتنا؟ وهو الأمر الذي يستلزم الحيطة والحذر من هذه العناصر واستئصالها من المجتمع؛ كما يستأصل منجل الفلاح كل الحشائش الضارة التي تنبت خلسة على أرضه.

إننا نهيب بالدولة وبالمسئولين عن وضع المناهج التعليمية في جامعاتنا وأكاديمياتنا العلمية ومدارسنا؛ ألا تقتصر مناهج التدريس فيها على سيرة الأبطال المنتصرين بالمعارك والفتوحات فقط؛ بل يجب أن ينضاف إلى تلك المناهج الدراسية والأبحاث العلمية؛ سجلات كاملة بأسماء الخونة الذين تعاونوا مع المستعمر قديمًا، ومع كتائب الإرهاب حديثًا؛ ومنذ عرفت مصر الطريق إلى إنشاء كيان الدولة الحديث بكل أبنائها المخلصين، وحتى تتعرف الأجيال الجديدة على كيف يحتقر التاريخ كل "خائن" لتراب الوطن ومقدساته.

فالخيانة بكل أشكالها.. ستظل الخنجر المسموم الغادر في ظهور الأوفياء لا نجاة منها، لكن هناك مصيرًا حالكًا ينتظر كل خائن مهما طال الزمان وظن أنه أفلت بخسته وفعلته الشنعاء فالله سبحانه يمهل ولا يهمل!

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة تكتب: شيخ المحققين د. حسين نصار في ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلي أن يفخر بالتواجد في عصر عمالقة الأدب العربي، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم في مقاعد الدرس والتحصيل؛ لنتلقى العلوم ممن نعدهم

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

الأكثر قراءة
Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة