آراء

ماراثون رمضان (٢).. هَمْ يضحَّكْ وهَمْ يبكِّي!

14-6-2019 | 00:27

في مجال محاولة رصد إيقاع نبض برامج الساحة الإعلامية في رمضان، مازلنا نقف على الجانب الآخر من النهر وعيوننا مشرئبة على القطار الذي خرج عن قضبانه ليدهس معظم القيَم الجميلة في مجتمعنا؛ فأطاح في طريقه ـ بداية ـ بأصوات المصريين من مقرئي القرآن الكريم ورافعي الأذان في أوقاته، وهي الأصوات التي تربت عليها الأجيال، وكانوا يضيفون رونقًا روحانيًا على أجواء هذا الشهر الفضيل؛ بداية من أصوات الشيوخ الأجلاء محمد رفعت والحصري والشعشاعي والفشني وعبد الباسط عبد الصمد والنقشبندي وطوبار....إلخ، واستبدلتهم بأصواتٍ غريبة ولكْنة عجيبة على مجتمعنا المصري؛ وكانوا أقرب إلى مقرئي القرآن بين شواهد القبور في المواسم والأعياد؛ ويرددون الآيات المباركات كالببغاوات لقاء حفنة من أقراص الخبز وبضع حبَّات من التمر وثمار الفاكهة المعطوبة!  

وهو الأمر الذى أرى أنه أطاح بجينات الهويَّة المصرية العريقة، وإحلال مبادئ ثقافات مقتحمة دخيلة علينا وعلى مجتمعنا، وهو ما أشرنا إليه وحذرنا منه منذ سنوات على صفحات الجرائد السيَّارة وصفحات التواصل الاجتماعي، ولكن استمر القطار في اندفاعه حتى بتنا وأصبحنا لا نعرف على وجه اليقين.. من نحن؟! 
 
وكل رجائي ألا يتهمني البعض بممارسة "الشوفينية" تجاه موقفي هذا؛ ولكنه موقفٌ "براجماتيٌ" واضحٌ يرى أن معيار نجاح العمل هو مدى تأثيره الإيجابي في الإحساس الجمعي، وأنه هو المعيار الوحيد للحقيقة، ويجيء رأيي اعتزازًا منِّي تجاه مصرنا المحروسة التي أرست قواعد بنيان الحضارة والتقدم قبل الزمان.. بزمان! 
 
لقد وجدت أنه لا مناص من إثبات هذه المقدمة؛ للتدليل على كيف بدأ طريق الابتعاد ـ ولا أقول الانحراف ـ ببرامجنا ومسلسلاتنا الدرامية عن الأهداف السامية المرجوَّة منها، وهي الارتقاء بالحاسة الجمالية والفنية، وزيادة الثقافة المعرفية داخل عقول أفراد المجتمع. 
 
ماذا استفاد الناس في بلادنا من "كم" الجرائم التي ارتكبت خلال أحداث ما يسمى بالدراما التليفزيونية، ومشاهدتهم سقوط العديد من القتلى ومظاهر الدماء التي لوَّثت الشاشة الفضية؟ في أحداثٍ ليست موجودة في داخل المجتمع المصري ـ أو تدور على نطاق ضيق جدًا في بعض قرى الثأر بالصعيد الجُوَّاني ـ ولا تحدث سوى في المجتمعات الغربية المتفككة نفسيًا وسلوكيًا؛ حيث يسير كل فرد وتحت إبطه مسدسه الذي يُعده القاضي والجلاد الذي يقتص به لأخذ حقه من وجهة نظره، وعلى ذلك انتشرت "النكتة الحريفة" على لسان المصريين في الإعراب عن قمة السخرية والتهكم؛ والتي تقول: إنه لم ينجُ أحدٌ من القتل سوى مؤلف ومخرج العمل! 
 
ومن الطبيعي ووسط كل هذه الأحداث، أن يقع المشاهد في حالة من الاغتراب النفسي والروحي بين ملابسات الواقع وبين ما يراه يتحرك أمامه على الشاشة؛ فيزداد اغترابًا على اغترابه الذي يشعر به وسط أحداث الوطن الجسام في مواجهته لحرب ضروس من خلايا الإرهاب المتربصة بمقدرات الوطن. 
 
ماذا استفاد المواطن في بلادنا من خلال مشاهدته "مرمطة" المشاهير في مستنقعات البلاد البعيدة؟ والتي اختُطفوا إليها ـ بالخديعة ـ بالطائرات والغواصات والإقامة في فنادق النجوم السبع بتكلفة تقدَّر بالملايين من الدولارات؛ وهي التي تكفي لـ "فتح بيوت" المئات من الشباب والشابات الذين يعانون ويعانين من شبح "العنوسة" الرهيب؟ 
 
إن مقولة: "الجمهور عاوز كده" توارت واختفت أمام كثافة الإقبال على مشاهدة الأعمال السينمائية الجادة؛ التي تقوم بتمجيد البطولات العسكرية والحربية، والإضاءة على منهاج حياة الأبطال التاريخيين، مع الأخذ في الحسبان ـ من جهتي ـ أن المعيار في تقييم العمل الفني ليس هو "شباك التذاكر"، وكم من أعمال عظيمة ورائعة لم تحظ برضا هذا الشباك السحري الذي يقوم المنتجون بقياس نجاحاتهم عليه وجعلوا منه المعيار الوحيد للقياس؛ ولكن ما يُثلج صدورنا هو كثافة المشاهدة من الجمهور الواعي الباحث عن الجمال وغذاء العقل والروح، وتحقيق المعادلة الصعبة بالرضا الكامل في ارتفاع الحصيلة النقدية وكثافة المشاهدة، لتصبح المقولة مضروبة من البداية لأن الجمهور المثقف الواعي لا يُهدر أمواله في "الفُرجة" على فن يضحك عليه قبل أن يضحك هو من الفن! 
 
وبالعودة إلى ما صنعه "فينا" التليفزيون المصري؛ سنجد أنه قام بترجمة المثل الشعبي المصري العبقري الذي يقول: "هَمْ يضحَّك.. وهَمْ يبكِّي"! فبعد الهجوم من النقاد الجادين على تقديم صورة سيئة للمرأة المصرية المنكسرة المُغتصَبَة غير المعترف ببنوَّة أطفالها نتاج لحظات الحب، والمنطوية المغلوبة على أمرها في كل أمور الحياة، انقلب على عقبيه ليقدم المرأة في أسوأ الصور وأقبحها؛ وقدمها "تاجرة مخدرات" أو "تاجرة أطفال" أو مدمنة أو فتوَّة في الحارة تقود الرجال أصحاب "الشنبات" التي يقف عليها الصقر، وليعيد لنا أمجاد فتوات حواري أحياء بيوت الدعارة المرخصة من الاستعمار الإنجليزي! أي لا وسطية عنده في المسألة؛ وكأنهم أصبحوا كمن يضع خرطوم المياه المندفعة في فم من يشكو من جفاف حلقه من بطش العطش.. فيموت! 
 
إن الماراثون الرمضاني أصابنا بالإحباط هذا العام؛ فالفن الجيد والحقيقي يفرض وجوده على العقول والأفهام بلا شططٍ أو مبالغة، فقط نريد رؤية نظيفة متكاملة للواقع المصري الذي نتطلع إلى ريادته في عالمنا العربي والعالمي؛ فمصر هي المحراب والجنة الكبرى، كما رآها وجدان الشعراء وكل محبي تراب الوطن. 

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: التحرش .. وقرارات الرئيس

لا يخفى علينا المعنى الذي ينطوي عليه مصطلح التحرش الجنسي فهو يستمد معناه بوصفه تنمرًا يتمثل في إكراه شخص على فعل جسدي، أو وعد غير لائق بمكافآت مقابل خدمات جنسية.

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة