آراء

خُدَّام الشر

9-6-2019 | 17:52

تابعت مثلي مثل بقية رواد قناة Ten؛ القناة التي أخذ القائمون عليها على عاتقهم أن تكون الاستنارة نصب أعينهم فيما يقدمونه على شاشتها من برامج، وحالفهم التوفيق على مدار العام؛ فكان من الطبيعي أن نجد خريطتهم البرامجية في رمضان مختلفة واستثنائية، فقد أطل علينا رئيس القناة الكاتب الصحفي والإعلامي القدير "نشأت الديهي" ومديرها الإعلامي المائز "د.عمرو عبد الحميد" في أحد مساءات الجميلة "قصواء الخلالي"؛ ليستعرضا خريطتهما التي بذلا فيها أقصى جهد لتضيء شاشتها بما يرضي أذواق المشاهدين بتلاوين برامجية ودرامية تضفي التميز والتفرد - وقد كان - بشهادة جمهورها العريض برغم كونها قناة شابة.


كان من اللافت ابتداء استمرار برنامج "أهل الشر" في جزء ثان أكثر نضجًا وتفوقًا؛ بتطوير فكرته التي تناولت ما دار من أقاويل أهل الشر التي تموج بالدسائس والخيانة فيما يتداولونه عن رفقائهم، وقد اجتهد "الديهي" في إبراز مدى وضاعتهم مسقطًا عنهم ثوب الطهر والعفة الذي يتشحون به زورًا وبهتانًا؛ كاشفًا عن وجوههم الدميمة وسلوكياتهم القميئة وخياناتهم، فهم قوم نفاق ورياء وسفك دماء لايصدقون مع كائنًا من كان؛ وينطبق عليهم بحق الحكمة العبقرية: "خد بالك من المنافق.. الفم يبوس والقلب فيه السُّوس"، نعم.. وأي سوس؟! إنه الناخر في كل قيمة وعقيدة؛ فميكيافيلية هؤلاء فاقت كل تصور، فخناجرهم رابضة تتحين الفرصة لطعن الظهور بمنتهى القسوة طالما اعترض أحدهم سبيل تحقيق غاية أو مأرب، فهم كما أكَّد "الديهي" ثائرًا حانقًا على مدار حلقات البرنامج كلها على شخوص بعينهم من خوارج العصر وكل عصر بسرد وقائع تُسقطنا في بحور الدهشة والنفور والاشمئزاز، مما يجعلنا نتساءل: كيف يتبعهم هذا الكم من الشباب؟! كيف يرونهم قدوة دينية وسياسية؟! لم يطيعوهم طاعة عمياء؟! أي برمجة عقلية يخضعون لها لتطمس قدرتهم على استنهاض أي ذرة تفكير؟!

إن تعرية "الديهي" لتاريخ هؤلاء المتنطعين - على حد وصفه لهم - لكفيل أن يرد الكثيرين من المغيَّبين إلى سابق رشدهم، ليعرفوا أن الله حق، وأنهم الباطل في أوضح صوره..

وقد نجح "نشأت الديهي" أيَّما نجاح - في تقديري - في كشف أهل الشر والظلامية الفكرية المتمكنة منهم؛ بما ينطوي عليه من دراسة واسعة تغوص في أغوارهم وتكشف غوامضهم بأسلوبه الكاوي الناري الساخط دومًا على من يحتقرون الوطن بما فيه ومن فيه، وهو الوطني المدافع عن مصرنا المحروسة بكل خلجة من خلجاته ممتطيًا الورقة حينًا والقلم حينًا آخر؛ ليطلق صهيله ليخيف الثعابين ويرغمها على الاختباء في شقوقها.

وقد استعان "الديهي" في مبارزته لأهل الشر بريشة فنان الكاريكاتير المتألق عماد عبد المقصود لتتكامل الخطوط مع المسرود برسم قسمات قبحهم الشكلي العاكس لتفحُّم القلوب؛ ليعلم عليهم بختم الإدانة للشر وأهله وخُـدَّامه، وليؤكد مقولة جورج أورويل: "السياسيون في العالم كالقرود في الغابة؛ إذا تشاجروا أفسدوا الزرع ، وإذا تصالحوا أكلوا المحصول!"

وقد جاء برنامج أهل الشر(٢) ليشفي غليل أهالي الشهداء الذين سقط أبناؤهم بيد الغدر بفعل أعداء الوطن، ففضْح "الديهي" لقياداتهم نوعٌ من القصاص الذي يستحقونه وكشف للمستور والمسكوت عنه في تاريخهم المشبوه، وهذا أضعف الإيمان، فلكل جندي في ميدانه سلاح، وقد برع "الديهي" في تطويع أسلحته وأدواته كإعلامي مستعينًا بثقافته السياسية في رد الصاع صاعين؛ ليثلج صدور الأمهات الثكلى، وليذكِّرنا أن الحرب مازالت دائرة، أننا لن نتوانى عن مطاردتهم، ولن يمنعنا الشهر الفضيل عن المضي قدمًا في مضمار القضاء على خُدَّام الشر وشياطين الأرض بكل السبل وملاحقتهم لوقف من يدورون في رحى سمهم الناقع.

استطاعت كتيبة عمل البرنامج بحق أن تسدد هدفًا في مرمى التنوير والاستنارة العقلية التي تسعى القناة في دأب إلى تحقيقها، وهو خير مثال أضربه هنا للقياس على مستوى جودة ما قدمته من محتوى يخاطب المشاهد بكامل الاحترام لكينونته فهو ينسحب على البقية الباقية من المعروض لديها..

ولا ننكر أن التربة المصرية أصابها الكثير مما يشبه التيبُس أو التصُّحر الفكري؛ نتاجًا لما تم خلطها به من الدعاوى المُغرضة الموجَّهة؛ عن طريق أبواق من يرتدون عباءة الفتوى والتشريع تحت ظلال المنابر والكتب الصفراء؛ لتكون تلك الدعاوى بما يشبه الكيماويات الضارة لتربة الأرض المجتمعية؛ والتي لابد معها من "فلاَّح شاطر" يعرف كيف يحرثها ويرويها بماء نهر الحق والخير.. لا من مستنقعات الضلال والغواية والإرهاب التي يكثُر فيها "نقيق الضفادع" و"نعيب الغربان" و"فحيح الأفاعي" و"نعيق البوم"، وتهرب منها ومن على أفنانها زقزقات العصافير.

إن تنقية حقول القطن من "لُطع الدود" و"خنافس الأرض" تستلزم كتائب من الأيادي الناصعة الشريفة والعقول المستنيرة المدركة أنها بإهمالها "شرنقة" واحدة؛ قد تنذر بميلاد جيوش جديدة من الديدان والفراشات السوداء التي تطيح بنتاج الزرع.. والضرع أيضًا!

الأمل معقود دومًا على جنود الإعلام من المخلصين الذين تنبتهم تربة أرضنا الطاهرة لمصرنا المحروسة التي ماخذلتنا يومًا لتروي الجماهير العطشى إلى الإعلام المحترم الذي يليق بمكانة مصر!

ويظل للحديث بقية!

تابعونا على
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
د. إلهام سيف الدولة تكتب: شيخ المحققين د. حسين نصار في ذكراه

أعتقد أنه من حق جيلي أن يفخر بالتواجد في عصر عمالقة الأدب العربي، وأن يزهو بمعاصرتهم والجلوس بين أيديهم في مقاعد الدرس والتحصيل؛ لنتلقى العلوم ممن نعدهم

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: أهلا بكم في العاصمة الجديدة!

بادىء ذي بدء حري بنا أن نتوجه بالشكر والعرفان؛ لمن أنقذوا تراب الوطن وأرواح البشر من عصابات الإرهاب الأسود؛ التي لم تخف أطماعها وأهدافها العدوانية؛ تجاه

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الإعلام ودعم الدولة المصرية

لاشك أن المناخ الثقافي المفرخ للأفكار كلما كان فقيرا انعكس هذا بدوره على الأداء الإعلامي، وبخاصة في ظل وجود إعلاميين هواة غير مهنيين. وما نلمسه من انخفاض

د. إلهــام سيــف الدولــة تكتب: ذاكرة التاريخ .. بين السينما والأدب!

إذا كانت الفلسفة ديوان الإغريق واليونان؛ و الشعر ديوان العرب ؛ في العصور القديمة .. فإن السينما والأدب هما ذاكرة التاريخ والمجتمعات الإنسانية في العصور الحديثة.

د. إلهام سيف الدولة تكتب: العام الدراسي الجديد .. بين السيكولوجية الأكاديمية والسلوك الأكاديمي!

من أقوال العلماء في سالف العصر والأوان: يُعالج فساد اللحم بالملح عادة؛ فكيف نداوي الملح إن فسد الملح ؟ ويقول الشاعر مخاطبًا أهل العقل؛ وهم _ الآن _ بمثابة

د. إلهام سيف الدولة تكتب: د. فوزي فهمي .. سيرة ومسيرة!

شاءت الأقدار أن تفرض على الساحة الثقافية المصرية؛ أن تودع ذات صباح شهيدًا من شهداء القلم الحر؛ ورائدًا جليلاً ممَّن يؤمنون بالدور العظيم الذي تلعبه الفنون

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الرئيس .. والدروس الأخلاقية الملهمة لنصر أكتوبر!

في ذكرى انتصار أكتوبرالمجيد ؛ يجب ألا تغيب عن أذهاننا قيمة هذه الذكرى العظيمة ــ كما قال الرئيس السيسي ــ أثناء انعقاد الندوة التثقيفية ولقائه الدوري

د. إلهام سيف الدولة تكتب: الكبار في عيدهم بين عقد الصحة .. والمهارات الرقمية

خير مفتتح لمقالي اليوم هذه التهنئة الرقيقة التي وجهتها السيدة انتصار السيسي بمناسبة الاحتفال والاحتفاء العالمي بيوم المسنين، حيث قالت: نعتز باليوم العالمي

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الحياة الكريمة لقوة مصر الناعمة

مع التناقض والتضارب في مسألة المعاشات وأصحابها؛ يزيد التوتر والقلق والخوف من غوائل الزمن في المستقبل؛ لمن هم على وشك تسليم الراية للأجيال القادمة؛ وتصدير

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: بين عيد الفلاح .. وعيد النيروز

في عيد النيروز؛ أتخيل .. كما لوكان التاريخ رجلاً؛ لأمسك بالعصا ليرقص في أول الأعياد التي ظل المصريون يحتفلون بها على مدار عقود ماضية، هذا العيد الذي يوافق

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: مسيرة التطور التنويري .. ويقظة الفكر

يبدو أنه قد حان الوقت لتغيير العبارة الشائعة التي تقول: إن فلانًا إذا حدثته عن الثقافة.. وضع يده على مسدسه لتصبح: إذا تحدثت إلى ـ بعض ـ رجال الدين عن

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب: الأبناء..والمقصورة الأخيرة في قطار الحياة

الأب والأم دوما مصدر الأمان لدى الأبناء ..فماذا لو غابا ؟ هل يستطيع الأبناء الصمود في الحياة دونهما؟ دعونا نبحث عن إجابة من خلال ماقصه علينا دوستويفسكي

مادة إعلانية

Advertisements
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة