راديو الاهرام

حلمي شعراوي (1-2)

12-5-2019 | 03:06

لا يستطيع أحد إغفال الرابط بين التاريخ الشخصي للكاتب حلمي شعراوي، وبدء الاهتمام المصري الواسع بالقارة الإفريقية.

حيث أدركت مصر، في الوقت الذي انتبه الكاتب إلى أن النضال في إفريقيا هو جزء من أهداف الحركة الوطنية المصرية نحو التحرر والاستقلال.. لهذا كان عنوان مذكرات حلمي شعراوي الصادرة عن دار العين بالقاهرة أخيرًا، وهو "سيرة مصرية إفريقية" معبرًا بجلاء عن مسيرة مشتركة متزامنة لعلاقة لن تنفصم بين مصر وإفريقيا، وإن واجهت في أوقات مختلفة تحديات وعثرات في الطريق، ويتغلب دائمًا أصحاب الرؤى بأهمية هذه العلاقة ضد أولئك الذين يحلمون بانسلاخ مصر عن القارة تحت دعاوى متنوعة وسخيفة في معظم الأحيان.

ما الذي يمكن للقارئ إذن أن يخرج به بعد الانتهاء من هذه المذكرات البديعة.. في البداية: الحب.. هذا الرجل يحب أسرته الصغيرة ويحب وطنه مصر ويحب إفريقيا في صورة كل المدن التي زارها أو كما كتب "من حواري القاهرة ومواقع العمل الشاق فيها إلى مضارب السودان إلى... جوبا، إلى جهات تونس، حتى العودة للقاهرة"، ثم التواضع الذي يسرد به الكاتب علاقاته مع زعماء القارة في حقبة نضالهم، فقد كان يرافق غالبيتهم في شوارع القاهرة، يتبادلون الرأي وحتى الأحلام، وهو يكتب الآن من دون أي رنة تفاخر بمن التقاهم أو بما قام به.

بدأ حلمي شعراوي من الفولكلور مفضلاً في سرده الاعتماد على أحداث عاشها بنفسه واطلع عليها وبعض شخوصها مازالوا أحياءً، كانت البداية على ما يحكي من ذلك المساء من أحد أيام ربيع 1956، حيث اصطحبه صديق من حارتهم في حي السيدة زينب إلى مقر الرابطة الإفريقية في 5 شارع أحمد حشمت في الزمالك، والذي بات العروة الوثقي التي لم تفصم ارتباط الكاتب بإفريقيا مدى حياته، ومن تلك الليلة الخصبة وهو بعد طالب في قسم الاجتماع بآداب القاهرة امتد ارتباطه الإفريقي إلى اللحظة الراهنة، مرورا بتجربة شديدة الثراء.

حكي الكاتب عن نشاطه السياسي الذي كان يؤرق جيله بأكمله وتبدو فيه الحيرة والتوثب، من الذهاب للاستماع إلى زعيم مصر الفتاة أحمد حسين كل خميس في البيت الأخضر، والانجذاب إلى زيارات لشعبة الإخوان بحي السيدة، والانحياز لثورة يوليو 1952، وخلع الملك فاروق، وبداية مرحلة الجامعة، وتأثير سفر جمال عبدالناصر إلى باندونج في إبريل 1955.. هكذا كانت الساحة المصرية في الخمسينات تموج بالكثير الذي انغمس فيه كاتب السيرة.

وبسبب من انخراطه في دراسة اللغة الإنجليزية في مدرسة الألسن تعرف على أستاذين في القسم الروسي الدكتور كالينين وزوجته وصاحبهما، والأستاذ الروسي كان يحدثه طوال الوقت عن مصر وعلاقاتها في القرن الإفريقي ودور الأباطرة والكنيسة في ذلك، وأرشده إلى كتاب الفلكلور الروسي ليوري سوكولوف الذي سيترجمه فيما بعد.

وأجمل ما في المذكرات، أن شعراوي وهو يقدم مسيرته الإفريقية فإنه يرسم خرائط اجتماعية وإنسانية وسياسية للقاهرة، مسترشدا بالموالد والمقاهي الثقافية، والتي كان أحد روادها الدائمين، ومستدلاً بالخطوات السياسية والإعلامية التي تحدد توجهات الدولة في الداخل ومع المحيط العربي والدولي، وعلاقة الحكم بالمثقفين، وما أدهش شعراوي وأدهشني معه ما ذكره من أن أحد أشهر كتب طه حسين "مستقبل الثقافة في مصر" كان مجرد تقرير للعرض على رئيس الوزراء مصطفى النحاس، لمناقشة السياسات الجديدة في ظروف توقيع معاهدة 1936.

يتذكر شعراوي رحلاته إلى القرى بتكليف من رشدي صالح وبجهاز بدائي لتسجيل المواويل والحكايات الشعبية في طهرمس وناهيا والفيوم، ثم مرسى مطروح وسيوة ودمياط، ورغم الجهد الواضح في الدراسات الشعبية فإن الطريق لم يكن سالكًا، وقفت دونه عقبات، بينما الطريق إلى إفريقيا بدا جاذبًا وأكثر فعالية، فازداد ارتباط كاتب السيرة به وبالأسماء التي سبقته إليه.

وسرعان ما استجاب لإشارات من مكتب السيد محمد فايق مستشار الرئيس عبدالناصر للشئون الإفريقية، وكانت تلك الإشارات التي جاءت بالمصادفة، عن طريق رئيس تحرير مجلة "نهضة إفريقيا" عبدالعزيز إسحق، حيث يطلع الكاتب على بعض الصحف الإفريقية التي يتلقاها من مكتب فايق، ثم في إحدي زيارات السيد فايق إلى الرابطة ليرى الصحف في يد شعراوي، والذي طلب منه ملخصات مفيدة عما بها من معلومات، بدأت الصحف تأتي لشعراوي بانتظام ويسلم ملخصات ويتقاضى مكافأة الجنيهات الخمس شهريا.

وأضيفت كتب مهمة إلى الوارد وكذلك المعارف من شخصيات عربية وإفريقية، الزعيم المغربي عبدالكريم الخطابي، الزعيم الصومالي الحاج محمد حسين، وفود الشمال النيجيري من كانو وسوكوتو، وفد مسلمي الأشانتي، زعيم الكاميرون الدكتور فيلكس مومي الذي قتل مسموما في سويسرا، ثم ضمه السيد فايق إلى قسم الترجمة في مبنى مجلس الوزراء.

وكان انعقاد مؤتمر تضامن الشعوب الآسيوية الإفريقية في جامعة القاهرة في ديسمبر 1957 فرصة سانحة للقاء زعماء أفارقة كبار، في هذه الأجواء قُتل السفير الشهيد كمال الدين صلاح بالصومال، من قبل أحد عملاء المخابرات الإيطالية، لموقفه الداعم لمصالح الشعب الصومالي.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
خدمــــات
مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة