Close ad

وزارة شئون العزلة

1-4-2019 | 14:43

حادثتان مأساويتان داميتان كلتاهما تدين الجميع، كلتاهما تــُـنبهنا إلى خطورة الغفلة والقسوة والعزلة التي باتت تسطو على حياتنا ومشاعرنا وقلوبنا.

الحادث الأول: عثرتْ السلطات المصرية على جثة رجل مسن بالساحل، نُهشتْ أجزاءٌ من جسده بطريقة وحشية، تبين لاحقا أنّ (الفاعل) مجموعة من القطط.. وهذا الشخص كان يعيش بمفرده، وحيدًا، مات هذا الرجل.. ومرّتْ الأيام والقطط بلا طعام، ولما اشتدّ بها الجوع نهشتْ جثة الرجل، لا أستطيع سرد تفاصيل المشهد لبشاعته.

الحادث الآخر، أكثر بشاعة؛ وهو نهاية مأساوية لسيدة مُـسنة عاجزة عن المشي، بالإسكندرية ماتت داخل شقتها.. والسبب معلوم؛ وهو جحود الأبناء بآبائهم، ولم يتم اكتشاف الأمر إلا بعد أنْ تحلــّـل جسد السيدة دون أنْ يشعر بها أحد، وأقرّ الطب الشرعي أنّ الوفاة حدثتْ منذ شهر ونصف الشهر.

الحادثتان وقعتا في حيين شعبيين مكتظين بالسكان، وبالرغم من ذلك لم يشعر بهما أحد على الإطلاق، وقد يقول البعض لا قياس على هاتيْن الحادثتيْن، ولكن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أنه على الرغم من الزحام والتكدس الذي نحياه فإننا أصبحنا أقرب للجزر المنعزلة: فالعلاقات الأسرية تتباعد، والأبناء مشغولون، والأصدقاء أيضًا، قد يكون السبب الأول هو قسوة الحياة وسرعتها، والتحديات التي تواجه كل إنسان؛ سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، فقيرًا، عاطلًا، أو من أصحاب الملايين.

يتأكد ذلك عندما نتأمل ظاهرة طبيعة العلاقات الأسرية - بصفة خاصة - والعلاقات الاجتماعية عمومـًـا، حيث أصبحتْ تلك العلاقات تتم عبـْـر الرسائل النصية (عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي)، وصارتْ هي الوسيلة المُـتبعة في السؤال عن الآخر؛ سواء كان هذا الآخر، الأم أو الأب أو الأشقاء، وحتى المشاركة في الأحزان والأفراح؛ بل الخطورة وصلتْ لدرجة أنّ الأبناء يكتفون بالرسائل الإلكترونية للاطمئنان على الأم والأب!!
ووصل الأمر لدرجة أنّ بعض الأزواج يقومون بتطليق زوجاتهنّ عبـْـر (الواتساب)، ودار الإفتاء مُـتردّدة وحائرة بين إجازة هذا الطلاق ورفضه!!

وفى أيام الأعياد انتشرتْ ظاهرة (التهنئة التقليدية) بواسطة الرسائل المُعدة سابقــًـا.. ومكتوبة بصغية واحدة للتهنئة بالعيد (كأنها مجرد أداء واجب)، وبديل عن الاتصال التليفوني، المُـفعم بحميمية الصوت الإنساني ودفء المشاعر، الصوت الذي يـُـعبــّـر عن صدق العلاقة، أما الزيارات المباشرة فقد باتتْ (موضة قديمة)؛ وترتب على ذلك أنّ تلك الظاهرة أصبحتْ سمة عامة في الحياة الحديثة؛ ونتج عنها: الوحدة والاغتراب وبرودة المشاعر والقسوة ونضوب المودة الصادقة.

والسؤال هل علينا أنْ نــُـفكــّـر في استحداث وزارة جديدة اسمها «وزارة العزلة»؛ كما فعلتْ بريطانيا العام الماضي، فقد أعلنتْ رئيسة الحكومة البريطانية، تريزا ماي، أنها عيــّـنتْ وزيرة للعزلة، وقد فــُـزعتْ الحكومة البريطانية من نتائج دراسات استقصائية تشير إلى أنّ أكثر من تسعة ملايين شخص «دائمًا أو غالبًا ما يشعرون بالوحدة»، في حين أفاد نحو 200 ألف من المُـسنين بعدم إجراء محادثة مع صديق أو قريب لأكثر من شهر.

وقالت تريزا ماي: «بالنسبة للكثير من الناس، فإنّ الوحدة هي الشيء المُـحزن للحياة الحديثة، وأنا أريد أنْ أواجه هذا التحدي في مجتمعنا.. وأنْ نفعل كل ما في وسعنا للتصدي لهذا المرض». هذه الوزارة لم يسبق لها مثيل في جميع أنحاء العالم، وهي لمعالجة مشكلات الصحة العامة الحديثة المُـرتبطة بالعزلة الاجتماعية التي تؤثر على الملايين من الشعب في بريطانيا.

فهل نحن بحاجة لوزارة تحمل هذا المسمى «شئون العزلة» لتساعد على حل هذه الكارثة، أم يعتبر الأمر بسيطــًـا، لا يستحق الحل أو التوقف أمامه؟ وأخشى أنْ يقول البعض: هذا «ترف» لا تتحمّـله ظروف مصر الاقتصادية، بينما الاهتمام بالصحة العامة، سوف يـُـحقق «ثروات ضخمة» تـُـضاف إلى موارد الدولة لو راعينا الحقيقة التي أكــّـدها علماء الاقتصاد وعلماء علم الاجتماع في دراساتهم عن (الشخصية المصرية)، وهي أن المجتمع المصري يتمتع بميزة اقتصادية نادرة اسمها «الثروة البشرية».

كاتبة المقال:
رئيس تحرير مجلة "ديوان الأهرام"

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة