ثقافة وفنون

محمد سليم شوشة.. يكتب:"مذكرات الغرفة 8... نقد ثقافي وسرد سيري ثري"

9-3-2019 | 18:00

محمد سليم شوشة

صدر عن دار المحروسة بالقاهر 2018 كتاب مذكرات الغرفة 8 للدكتور فهمي عبد السلام القاص والناقدوالأستاذ بكلية طب الأسنان والصديق الأقرب من الشاعر الكبير الراحل أمل دنقل. 

وأهمية الكتاب في ظننا تنبع من أكثر من جهة، فالكتاب بينيّ النوع بمعنى أنه يستمد ملامحه الفنية والجمالية من أنواع أدبية عدّة، فهو على التخوم من السرد الروائي الذي يتخذ من سيرة أحد الأعلام مجالا له، وهو كذلك يقترب كثيرا من النقد الأدبي عبر ممارسة نقدية خاصة لها إجراءاتها النابعة من علاقة الدكتور فهمي النفسية والروحية بصديقه الشاعر الكبير الذي استغرق في عالمه وعاش أشعاره عبر سنوات طويلة كان في بعضها يستمع لأمل دنقل نفسه وفي أوقات أخرى يحاول استرجاع ملامح صديقه الذي غيبه الموت بقراءة شعره، والنابعة كذلك من علاقة المؤلف بالشعر العربي القديم والحديث ومحبته للكلمة وللشعر والاستمتاع به لأعوام طويلة.

الدكتور فهمي عبد السلام في الأساس قاص وناقد كتب عديد القصص وله أكثر من مجموعة وكتاب ومقال نقدي ومنغمس في الحياة الثقافية في مصر منذ شبابه؛ وربما لهذا لم يكن الشكل الذي اتخذه الكتاب في صورته النهائية غريبا عن ممارساته في الكتابة. فيمارس عبر فضائه كتابة السرد الذي يستعيد به ذكرياته مع الشاعر الكبير وآراءه حول عديد القضايا والمسائل والمشاكل المعاصرة، فيكون هذا السرد شاهدا على عصر كامل وعلى ذهنية الشاعر الكبير أمل دنقل ومواقفه من الثقافة ومن السياسة أو من العروبة بشكل عام وما تتعرض له من أزمات عاشها أمل دنقل وصديقه وأحسا بها معا على نحو خاص بحكم موقعهما من قلب الثقافة المصرية وعقلها في القاهرة ومن عالم الكتّاب والمثقفين. متعة السرد القائم على السيرة الغيرية حاضرة في الكتاب بقوة لأنه يتوقف مع عدد كبير من المشاهد والأحداث والمواقف التي مر بها الشاعر الكبير ذائع الصيت، منها ما يرتبط بمرضه أو حياته في القاهرة وكيف كان يتكسب ويتحصل على أقل القليل من المال، ومواقفه مع الناشرين والصحفيين والفنانين وغيرهم من هذه الفئة من المتعاملين مع الشعراء والأدباء وما يرتبط بسهرات الشاعر وأصدقائه ومعاركه وصراعاته الأدبية أو صراعات غيره معه وفيها تتضح بجلاء جوانب كثيرة من شخصية أمل دنقل وبخاصة الجانب النفسي، والحقيقة أن سرد الكتاب يكون في مواضع كثيرة نفسيا في المقام الأول، يركز على مقاربة الأحوال النفسية لشاعر يعاند الحياة ويعاند مجتمعا لا يرى في الشعر شيئا ذا أهمية كبيرة ويحط كثيرا من مكانة الشعراء وقيمتهم.

الكتاب ليس مقصورا على سيرة أمل دنقل بعين صديقه، بل يشمل العصر كله، كما أنه ليس مقصورا على حركة الشعر وحسب، بل يتماس مع الحركة الأدبية على اتساعها؛ الرواية والقصة والصحافة وغيرها من الفنون الأخرى، فإلى جانب شعراء المرحلة، أدونيس وحجازي وأبو سنة وعفيفي مطر وفاروق شوشة نجد كذلك نجيب محفوظ ويوسف إدريس وفتحي غانم وعبد الحليم حافظ وغيرهم كثير جدا. الكتاب يرصد التحولات التي تعرضتلها الشعرية العربية وأسئلتها الملحة حول التطوير والتحديث والعلاقة بالغرب والآخر بشكل عام. هذه التحولات واختلاف الرؤية كانت مرتبطة ببعض المواقف بين الشعراء وبعضهم، وبينهم وبين النقاد، وكثير منها لا يخلو من مواقف طريفة وصراعات حامية لا تخلو من ضغائن ومحاولات للنيل من الآخر وربما قتله أدبيا تماما، وهو ما يجعل الكتاب في هذه المواضع في غاية التشويق لأنه يمثل نميمة أدبية دافئة وهمسا بأشياء قلما يتناولها الأدب الرسمي أو الوجه المعتاد من الأدب المكتوب.

بقدر كبير من التوفيق يراوح كتاب مذكرات الغرفة 8 بين مستويين من الإيقاع السردي، فبعد قدر من سرد هذه النوعية من الصراعات والمعارك الأدبية يتوقف أو يبطئ من الإيقاع ويهدأ قليلا ليقرأ قصيدة من قصائد أمل دنقل ويقدم رؤيته النقدية لها. والحقيقة أن هذه الوقفات النقدية لها أهميتها داخل الكتاب وهذه الأهمية تأتي من جهتين؛ الأولى أنها توضح الوجه الإبداعي لأمل دنقل وتمثل خروجا من الصراع إلى واحة الشعر والراحة في رحابه ولغته وموسيقاه، والثانية أنها تقارب النص الشعري وفق طريقة مختلفة تبتعد عن المقاربات الأكاديمية المدججة بالمصطلحات المغلقة المستغلقة واللغة التي تبتعد كثيرا عن المستخدم والتداولي والقريب من فهم غالبية جماعة المثقفين، وهي برغم هذا، أقصد هذه المقاربات للنصوص الشعرية لا تبتعد برغم هذا عن الجدية والتأمل العميق لهذه النصوص والبحث في روافدها الثقافية وسياقها السياسي أو الاجتماعي أو الأدبي الذي أفرزها أو دفع إلى قولها، والكشف عنها ربما لا يناسبه إلا السرد الروائي القائم على حياة الأدباء والمثقفين وهو قليل لدينا في الثقافة العربية.

أن نجد النصوص الأدبية المعروفة أو الذائعة محاطة بملابساتها والظروف الاجتماعية والثقافية التي أنتجتها أو كانت محيطة بها وقت إنتاج هذه النصوص وإبداعها هو من الظواهر القليلة وهو متحقق في هذا الكتاب. ومن هذه النقطة نفسها يستمد كتاب مذكرات الغرفة 8 بعض أهميته لأنه يتناص كثيرا مع شعر أمل دنقل ليكون لحضور أمل دنقل في الكتاب شكلان؛ الأول بوصفه إنسانا والثاني بوصفه شاعرا. أي أمل دنقل وشعره فيما يشبه - في الجانب الأول - ترجمة للشاعر الكبير وهو الشكل غير المعهود في العصر الحديث، فالتراجم كانت متونا مهمة في الثقافة العربية القديمة مثل كتاب الأغاني والشعر والشعراء وطبقات فحول الشعراء والكامل للمبردووفيات الأعيان وفوات الوفيات والوافي بالوفيات أو تاريخ بغداد وغيرها الكثير.

في هذا الكتاب نلمس كيف كان أمل دنقل يتجاوب مع الأحداث السياسية المختلفة في عصره من بعد نكسة يونيو 67 وكيف كان مزاجه سوداويا كئيبا، وكيف كان يستقبل آراء الساسة أو يحاول أن يضمن رده أو حواره مع السياسة في شعره.

هنا نلمس الجانب الواقعي للنصوص الشعرية ونستوعب صورة الشاعر المهموم بوطنه وأمته فيأتي شعره لا يخلو من قسوة أو حدة بتعبير الكتاب نفسه، مثل ( في انتظار السيف) و(فقرات من كتاب الموت)، والجميل أن الدكتور فهمي عبد السلام يخرج أحيانا من الشعر ومن شخصية أمل دنقل ليحاول كشف أثر الحال نفسها وانعكاسها على الفنون الأخرى والأدباء الآخرين، فيربط بين حال أمل دنقل السوداوية في تلك المرحلة وبين أنات نجيب محفوظ في المرايا، وهي نفسها الحال العامة للشعب المصري التي عبرت عنها مظاهرات الطلبة ابتداء من عام 1968 وصورتها رويات محفوظ وبعض الأفلام السينمائية.

في هذه المرحلة تحديدا يخرج الكتاب من البحث في حياة أمل دنقل وشعره إلى رحابة المجتمع المصري وغليانه وحركات الاحتجاج الكبير وبخاصة من الطلبة ومطالبتهم للسلطة بالحرب والثأر فيما يمثل صرخة للضمير المصري الرافض للهزيمة والمنكر تماما لاستمرارها، ليضفّر الكتاب السرد الثقافي بالسياسي بالتاريخي مدعوما بالأسماء الحقيقية والشخصيات والأحداث التاريخية لنكون أمام غياب شبه تام للمتخيل وهيمنة للتاريخي أو ما يمكن تسميته بالشهادة التاريخية التي تأتي في إطار أدبي ولغة أدبية عفوية وثرية وسرد سلس وعفوي ونابض، ففي هذه المواضع نشعر بنبض المؤلف ووجيب قلبه وتفاعله مع الأحداث كما لو أنه مازال يحياها حتى اللحظة وقد كان من بين هؤلاء المتظاهرين الرافضين لحال اللاحرب واللاسلم، ويسرد تفصيليا في مشهدية جميلة مكثفة كيف انتقلت مظاهرات الطلبة من الجامعة إلى ميدان التحرير والاعتصام به وانتقال خبر الاعتصام للمثقفين بمقهى ريش وكيف تفاعل معه صديقه الشاعر الكبير أمل دنقل.

الكتاب مهم لقطاعات كثيرة من القراء والمتلقين، فهو مفيد للناقد الأكاديمي المحب لأمل دنقل أو المشغول به وبشعره كما أنه مفيد كذلك لغيره من المثقفين والصحفيين الذين يريدون معرفة مراحل مهمة من تاريخ الحياة المصرية والثقافة فيها وكيف كان الأدب الوجه النابض للإنسان المصري وكيف كان الشعر في تلك المرحلة التي لم يكن قد فقد كامل هيمنته أو انحسر سلطانه كما هي الحال الآن، الكتاب يمثل في تقديرنا نقدا ثقافيا متعدد الأوجه والروافد ويرتكز في إنتاج جماله ودفئه على مصادر عدة لأنه ينغمس في عمق المجتمع المصري بفنه وثقافته ويتحدث بانطلاق ومصارحة ولا يخجل من التصريح برأيه والإعلان عن ذائقته الخاصة دون حرج وهي ذائقة تقدر كثيرين من أصحاب الجهد من الأدباء والمثقفين لكنها تصرّ على الترتيب والتصنيف للمواهب وهي مسألة قديمة حاضرة في الأدب العربي من بداية تدوينه، ففكرة الطبقات نفسها التي كان يتم ترتيب الشعراء وفقها عبر معايير ومقاييس جمالية خاصة لا تبتعد كثيرا عما يمارسه الكتاب الذي يرى أمل دنقل في موضع الصدارة وفقا لمبررات خاصة تتناثر في في فضاء الكتاب من أوله لآخره.

الكتاب يمثل ذاكرة متصلة لمؤلفه عن الحياة الثقافية والشعر بشكل خاص وموقع أمل دنقل منهما، يؤرخ لعديد الشعراء ويترجم لهم ويضعهم في مواقعهم من هذه الصورة البانورامية التي يقدمها الكتاب للمرحلة، يقترب من محمود حسن إسماعيل وكيف كانت علاقة أمل دنقل به، كما يقترب من فاروق عبد القادر وعفيفي مطر وغيرهما، ويقتحم مقهى ريش بأسمائه وأعلامه الذين حاولوا اختزال الثقافة والأدب فيهم وكيف كانت علاقتهم بغيرهم من الشعراء الصعاليك المتحققين خارج ريش، ويبين كيف يُنصف الشعر أصحابه والمخلصين له ولو بعد حين وكيف ينطفئ من يتلبس بهم وهج مكذوب أو تجاوز لمكانتهم الحقيقية. حجم قراءات أمل دنقل وثقافته وعلاقته بالتراث كلها أبعاد واضحة في كتاب مذكرات الغرفة 8 الذي يبدو نبشا أو بحثا في تاريخ أمل دنقل ومعارفه وتوجهاته، فهو الذي قرأ العهدين القديم والجديد كما قرأ عديد الشعراء القدماء، وكما نجد استدعاءات أمل دنقل لغيره من الشعراء والرموز وبخاصة من الأدب نجد كذلك استدعاءات فهمي عبد السلام لنصوص آخرين، فيمزج الموقف السياسي بما قاله نجيب محفوظ على لسان إحدى الشخصيات في رواياته، على نحو ما نرى في سرده للأحداث التي تم اغتيال السادات فيها في السادس من أكتوبر 1981، وكيف كان أمل في مثل هذه الظروف لا يبدو متحاملا وهو المعارض الشرس، فيرفض شماتة أحد رواد مقهى ريش في السادات ويهاجمه أمل دنقل بقوة وينتصر للسادات صاحب قرار الحرب ويرى أن هذه وحدها تكفيه، ثم نرى كيف يربط مؤلف الكتاب هذا الموقف برأي إحدى شخصيات نجيب محفوظ في السادات في رواية يوم مقتل الزعيل، ليتجاور في فضاء كتاب مذكرات الغرفة 8 الفني مع الحقيقي والتاريخي مع الأدب. ليكون الكتاب على هذا النحو بوتقة أو وعاءً متنوع المحتويات ليس أحادي الرؤية أو محدود الشواغل والأسئلة. يكشف الكتاب عن رأي أمل دنقل في الانتماء السياسي وأثر هذا الانتماء على الإبداع والشعر، وكيف كان يرى الفنان وما يتوجب عليه في هذه المسألة، والفارق بين الانشغال بالسياسة أو الهموم الوطنية والقومية عموما وبين الانتماء أو الارتباط بحزب أو فصيل سياسي معين.

من الأبعاد المهمة لهذا الكتاب ومما يمنحه أهميته أنه يمثل سياحة في المكان، فهو يطرح حضورا دافئا وحيويا لأماكن القاهرة الخديوية وأماكنها التي اقترن بها حضور المثقفين والشعراء، من المقاهي والفنادق والشوارع والبارات والملاهي. لكن يبقى مقهى ريش هو المكان الأبرز بينها جميعا إلى جانب مستقر أمل دنقل قبل الأخير في الغرفة 8 بمعهد الأورام. ليكون مكان النبض والنشاط والحيوية وقمة التوهج هو المقابل لتلك لمكان المرض ولتلك اللحظة التي لا يملك الإنسان فيها غير قوة الكلمة ونفوذ خطابه الشعري الذي يجعله منتصرا على الموت ومرشحا للخلود أو البقاء طويلا. الكتاب حافل بالسخرية الضمنية والمفارقات التي هي نابعة من طبيعة الحياة ذاتها بمنطقها الساخر، فبينما يبقى أمل دنقل حيا يموت شعراء آخرون وهم أحياء لا يرزقون، بتعبير مؤلف الكتاب نفسه الذي يمزج النقد الأدبي بالنقد الثقافي بسرد السيرة الذاتية والغيرية في كتابة سلسلة ودافئة ممتعة ومهمة بما حوت من معارف وشهادات شاملة على العصر في جوانبه كافة.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة