ثقافة وفنون

"كرافت" لمصافحة الرئيس ومثقفون يسرقون الكتب.. أدباء يروون ذكرياتها مع 50 عاما من معرض الكتاب

16-1-2019 | 14:03

معرض الكتاب

أميرة دكروري

أيام قليلة تفصلنا عن انطلاق دورة اليوبيل الذهبي لمعرض الكتاب، الذي سيفتتح أبوابه للجمهور في الخامس والعشرين من يناير الحالى، وهي الدورة التي تواكب انعقاده في مقره الجديد بأرض المعارض بالتجمع الخامس، تلك الخطوة التي أثارت جدلًا بين صفوف المثقفين، نظرًا لابتعاد الحدث الثقافي الأكثر شعبية في مصر، عن محيط منطقة وسط المدينة، غير أنها ليست المرة الأولى التي ينتقل فيها معرض الكتاب، الذي انعقد لأول مرة في عام 1969، بأرض المعارض بالجزيرة (المكان الحالي لدار الأوبرا المصرية)، واستمر هناك لنحو 16 دوره، قبل انتقاله الثاني، إلى أرض المعارض بمدينة نصر في عام 1983.

هكذا لايبدو جدل بعد المسافة جديدًا على معرض الكتاب، لكننا في هذا التقرير، الذي التقت خلاله بوابة الأهرام بعدد من الأدباء، الذين عاصروا انعقاد معرض الكتاب في مواقعه المختلفة،  لنعقد مقارنة بين موقف هؤلاء الكتاب لدى نقل المعرض للمرة الأولى إلى مدينة ونصر، وموقفهم الحالي من نقله إلى التجمع الخامس، فقط، وإنما نستعيد كذلك، بمناسبة بلوغ المعرض عامه الخمسين، ذكرياتهم معه على مدى تلك السنوات كلها.

يقول الروائي إبراهيم عبد المجيد،إن أجمل الأيام الثقافية هي أيام المعرض، سواء في مكانه بمدينة نصر أو حين كان بالجزيرة، ويضيف: "حين بدأ المعرض عام 1969 كان تعداد سكان مصر كلها حوالي 26 أو 27 مليون نسمة، وتعداد سكان القاهرة أقل من 2 مليون مواطن، بالتالي كانت الحياة رائقة جدا ومنعشة وجميلة، ودور النشر كذلك لم تكن كثيرة لذا كان مقر المعرض بالجزيرة مناسب ويتسع للجميع".

ويقول سعيد الكفراوي، عن الدورة ذاتها:"في ذلك التاريخ كنا موجودين في قرانا ولم نكن قد انتقلنا بعد للقاهرة كما حدث بالستينيات، كان مقره في أرض الجزيرة ولم تكن الأوبرا موجودة في مكانها بعد، كان صغيرا ومعبرا عن حركة الثقافة في ذلك الوقت، كما كان بداية لارتباط حقيقي لجمهور يحب القراءة كما لم تكن دور النشر بتلك الكثرة وكانت أقسامه قليلة وأيضاً ندواته، لكنه كان ظاهرة أولية لمثل هذا النشاط الثقافي علي مستوي العالم العربي، فهو المعرض الأول الذي خرجت منه تلك الصيغة الحضارية التي تهتم بالكتاب والقراءة".

سنة أولى مدينة نصر

تقرر نقل أرض المعارض إلي مدينة نصر عام 1980، و تم نقله بشكل فعلي عام 1983، الأمر الذي قابلته العديد من الاعتراضات والتأييد في الوقت نفسه، حيث يقول الكفراوي "مع المتغيرات و تغير أحوال الدنيا وازدياد السكان، كان علي وزارة الثقافة أن تبحث عن مكان يسع تلك الجموع ويكون مواكبا لمتغيرات الثقافة المصرية كالتليفزيون و الهيئة العامة للكتاب وانتشار المكتبات ودور النشر، فكان علي المعرض أن يكون في حجمه مساويا لتلك النشاطات الجديدة، ومنذ انتقال المعرض حتي تاريخه، ظل معبراً عن حركة الثقافة المصرية، فكثرت الكتب وزادت أعداد الدول المشاركة، وتعددت الأنشطة الثقافية خلال الدورات المقررة، لكن كان معرض مدينة نصر دائماً يصاحبه مشكلتي الزحمة وعدم التنظيم".

وبحسب ما قاله الروائي إبراهيم عبد المجيد، لـ"بوابة الأهرام"، فإن النقل جاء لأسباب منطقية، فتم بناء الأوبرا بالجزيرة بعد حريق الأوبرا الأولي "ولم تكن العباسية بعيدة عن الجزيرة حتى قبل إنشاء محطة المترو، كان هناك الميكروباصات أو الأوتوبيسات التي تذهب إلى هناك، وكان المعرض جيدا في بداياته، لكنه ساء كثيرا في السنوات الأخيرة نتيجة لهدم جميع الأبنية، فأًصبح عبارة عن خيم، وبات عشوائياً جدا، بالإضافة إلي انتشار ظاهرة البائعين، فأصبح هناك بائعون للأدوات المنزلية والملابس، وبات شكل المعرض غريبًا، كان لازم يتنقل لأنه أصبح عشوائيا جدًا".

وبالرغم من الرأيين المؤيدين لنقله، كان الشاعر عبد المنعم رمضان من المعارضين لنقله، إلى مدينة نصر، الذي يقول:" حضرت المعرض في الجزيرة لسنوات كثيرة، وأتذكر جيداً عندما تقرر نقله لمدينة نصر وأتذكر أيضاً الاعتراض، لا أنكر أن الاعتراض آنذاك لا يختلف كثيرا عن الاعتراض حاليًا بدعوى بعد المكان، وكنت أنا وقتها في السن التي تجبرني علي الذهاب للمعرض في أي مكان، فكنت أحدد ميزانية سنوية له وقائمة محددة من الكتب، وقتها كان سكني أقرب لمدينة نصر من الجزيرة،وكان هذا دافع حتى لا أشعر بأي تأثيرات سلبية للنقل، ومع نشوء محطة مترو تسمي محطة المعرض تصورنا أنه أبدي في مكانه".

ويتفق الروائي عزت القمحاوي، مع رمضان، فيما يخص تخوفات الانتقال، قائلا"عندما انتقل المعرض إلى مدينة نصر كان هناك شعور أنه ذهب إلى الغربة، مع أن مدينة نصر توسعت بعد ذلك، وأصبحت مدينة ضخمة، وأصبحنا سعداء بالمعرض في ذلك المكان".

ذكريات الأيام الأولى

يرى عبد المنعم رمضان، أن الفضاء والمساحات الكبيرة، التي ميزت معرض الكتاب بمدينة نصر، جعلته "يتحول إلي رحلة وأظن أنه في السنوات الأخيرة حافظ علي كونه رحلة، فالأولاد والبنات يتحابون ويغنون ويرقصون تحت مظلة المعرض، فتتحول إلى طقس"، وحالة ومثل تلك تترك في أي زائر للمعرض ذكريات مميزة مثل غيرها من الرحلات السعيدة، خاصة وأنها مناسبة لمرة واحدة في العام، وبالمثل أصبح المعرض جزءًا من ذكريات كثير من المثقفين والكُتاب، ويتذكر إبراهيم عبد المجيد واقعة مواجهة يوسف إدريس للرئيس الأسبق حسني مبارك، في لقائه مع المثقفين، ويقول:"كنا نعتاد أن نجلس أنا وإبراهيم أصلان ومحمد البساطي بالخلف، وحضرت في ذلك اليوم مبكرا قليلا، ووجدت الدكتور سيد حامد النساج جالسا بالصف الثالث ونادى علي ليحدثني بموضوع ما، فجلست إلى جواره، ودخل بعدها يوسف إدريس القاعة ونظر للصفوف الأولي، وكانت مليئة بالوزراء وأعضاء مجلس الشعب فتجهم جدا، فوقفت وناديته ليجلس مكاني وأعود للصفوف الخلفية، قائلا له "أنا معتاد على الجلوس بالخلف لأنام"، فضحكنا وجلس مكاني بعدها، دخل حسني مبارك وحين بدأ في الكلام بادره إدريس رافعا يده وطلب أن يتحدث أولا، فقال له مبارك "تفضل يا دكتور يوسف"، فقال: نحن نراك في العام مرة واحدة أما الوزراء الجالسين بالصف الأول فيرونك كل أسبوع، فلا يجب أن يأتوا في هذه المناسبة، وإن أتوا فليجلسون في الصفوف الخلفية، فدوت القاعة بالتصفيق و رد عليه "حاضر يا دكتور يوسف"، وبعدها بأسبوع واحد توفي يوسف إدريس في منزله".

ويتذكر عبد المجيد موقف آخر طريف بالمعرض عام 1997، حين تم اختيار روايته "لاأحد ينام بالإسكندرية" أفضل رواية للعام، وجرت العادة أن يسلم الرئيس علي المكرمين ثم يأخذون الجوائز التقديرية فيما بعد، ويقول" كنت جالسا بين سمير غريب المسئول الثقافي بالوزارة، والدكتور أحمد مستجير وكان من المكرمين أيضا، فقال لي سمير غريب "ازاي تسلم على الرئيس من غير كرافاته" فأجبته أني لا أحب ربطة العنق لكنه رأى أنه من الأفضل أن أرتديها فعرضت علي مستجير أن أرتدي ربطته، قائلا إنها سهلة الارتداء ويمكنني أن أسلم علي الرئيس، ثم أعيدها إليه، ليسلم عليه بها، وبالفعل أخذتها وكنت أتوقع تبعاً للحروف الأبجدية أن يكون هناك وقت بين تكريمي وتكريمه، لكني فوجئت بأنهم نادوا علي اسمه بعدي مباشرة، فما كان مني إلا أن وقفت بنصف القاعة وخلعت رابطة العنق وأعدتها له فدوت القاعة بالتصفيق والضحك".

ويقول الكاتب عزت القمحاوي:"ذهبت مرة أو اثنتين للمعرض بالجزيرة، كنت في سنوات الجامعة وكان لدي شعور بالراحة لوجود معلم ثقافي يقطع طريقي بين البيت والجامعة، ومن أبرز الأحداث التي أذكرها تلك المناظرات التي كانت تتم بين العديد من المفكرين، لكن ظل المعرض بتكوينه مكانا للكتب وفي الوقت نفسه مكانا للتعارف وأصبح المقهى جزءا مهما منه".

بينما يتذكر الكفراوي الاحتجاجات التي حدثت، حين تقرر مشاركة إسرائيل بالمعرض عقب معاهدة السلام، فيقول "أذكر في سنوات التطبيع مع العدو كان المعرض أحد الهيئات الثقافية الذي رفضت التطبيع، وحدثت صراعات عبر سنوات كثيرة بين من يرغب في استضافة إسرائيل وجماهير الثقافة التي ترفض هذا الحضور، وكان يصل الأمر في بعض الأحيان المعرض إلي مظاهرات سياسية في الدفاع عن روح الثقافة العربية وفي الدفاع عن أي مقاربة وتقارب مع العدو الصهيوني".

ويسرد الشاعر عبد المنعم رمضان، عددًا من الذكريات الطريفة حول سرقة الكتب، قائلا:"سرقة الكتب واحدة من متلازمات معرض الكتاب، فما أذكره حين أقيم المقهي الثقافي، كنا نجلس علي المقهي مع بعض المثقفين الذين يسألوننا عن الكتب غالية الثمن التي أعجبتنا فمثلا يكون سعر الكتاب 100 جنيه، فيعرضه هو علينا بـ25 جنيها فقط، ويذهب لسرقته وإحضاره لنا، وكنا نعرفهم مع التكرار، فقد كانوا متخصصين، وأصبحوا أصدقائنا وهم كتاب رواية وقصة وسينمائيين معروفين"، ويتذكر رمضان ضاحكاً اللص الأظرف الذي قابله، فيقول "كان قصير القامة، وكان يكتب شعر العامية وكان ناشطاً سياسياُ وقتها، وكان له بالطو صممه خصيصا للمعرض طويل يصل حد القدمين و داخله "جراب" بنفس طول البالطو، وكان يدخل أي دار يأخذ الكتاب الذي يريده و يخبئه في هذا الجيب ورأيته مره وهو يأخذ الكتب لكن وجدته يأخذ كتاب "فن الطهي" لأبلة نظيره، فسألته باستغراب لماذا يأخذه فكان رده عليه "معايا بنت في التنظيم متجوزة جديد ومبتعرفش تطبخ فواخدلها الكتاب".

ويضيف رمضان "كتبت عنه باستياء شديد الصحفية والشاعرة عزة بدر في مجلة صباح الخير وفضحته ولم أره بعدها، أيضا قابلني أحد الأدباء، الذي أصبح من أحد الكتاب الكبار حاليا، كنت بصحبة ابني وهو طفل، ودخلنا إحدى الدور معا،  كان معه شنطة كبيرة وكان ضخماً ويهابه الناس، ووجدته يأخذ كتابا مكونا من 20 جزءا، ويضعهم جميعا بحقيبته تلك، ثم خرج، لأكتشف أنه أخذني وابني كتمويه لحمايته".

لكن ذكريات الكتاب ليست كلها سعيدة، حيث يستعيد إبراهيم عبد المجيد، المناظرة التي أقيمت عام 1992 بين السياسي فرج فودة، الذي كان وقتها رئيس حزب المستقبل، والشيخ الغزالي وآخرون والتي تسببت في اغتيال فودة، ويقول "فودة قبلها كان جالسا معي في المقهي الثقافي نفسه، نتناول الشاي، وأتذكر أن الشارع كان مليئًا بالجماعات الإسلامية وتوقعت أن الأمر لن يمر علي خير وهو ما حدث بالفعل".

أرض التجمع

ومثل التباين في الآراء الذي شهده انتقال المعرض من أرض الجزيرة إلى مدينة نصر، يشهد انتقاله هذا العام إلى التجمع الخامس تباينًا مماثلا، فيما يؤكد القمحاوي نيته بالذهاب للمشاركة في المعرض هذا العام، لكنه لا يخفي  تخوفاته من نقله لعدة أسباب، قائلا:" الحقيقة لدي تخوفات أولا: من النقل الجديد، ولو أنه يقال إن هناك اتفاقا بين هيئة الكتاب وهيئة النقل على توفير أتوبيسات للمقر الجديد، لكنها تظل تغريبة جديدة للكتاب، سنعرف أثارها بعد هذه الدورة، وثانيا: لدي رؤية للمدينة أنها لا تكون مدينة إلا بوجود المعالم ثقافية بداخلها وبقلبها؛ لأن قلب المدينة علي مسافات متساوية من جميع الأطراف أقول هذا عن معرض الكتاب وعن المتحف، وأرجو ألا يستمر إخلاء قلب القاهرة من المظاهر الثقافية  كلما أحسسنا بالضيق، وألا يكون نقل الركائز الثقافية أول خيارتنا عند التفكير بالزحام".

 ويري عبد المجيد أن المقياس في تأثير بعد المكان هم الشباب، فيقول: "أنا بطبعي أصبحت لا أذهب للمعرض سوي مرة أو مرتين خلال فترة إقامته، كنت أذهب إليه يومياً في التسعينيات حين كنت مسئولاً عن المقهى الثقافي، ومن سنة 2000 ابتعدت عن كل عمل ثقافي منظم، لكني أري أنه في البداية سيكون الأمر صعبا إلى حد ما، ثم سيعتاده الناس تدريجيا،  كما أني سمعت أن المعرض سيكون أكثر تنظيما، فالمعرض في سنواته الأخيرة أصبح عشوائيا جدا ونقله كان ضرورة".

ويتفق الكفرواي مع عبد المجيد، قائلا:"أنا لم أشاهده إلى الآن لكن الذين رأوه قالوا إنه أكثر تنظيما وإحكاما ونظافة، وأنه تغير جديد في صيغ المعارض في مصر، وأراه خروجا من الماضي واستبشارا بالمستقبل لخدمة الكتاب والقراءة والثقافة، والحقيقة تداهمني عدة أسئلة عما إذا كانت مساحة المعرض الجديد تتسع للثلاثة ملايين زائر، الذين يحضرون المعرض بمدينة نصر، وهل في هذه المدة القصيرة استطاعوا بالفعل أن يقيموا مكاناً متحضراً ومنظما، وأتمني أن يكون هذا المعرض الجديد إسهاما حقيقيا في خدمة الثقافة العريبة والإبداع، وأن تكون مساحة المعرض بؤرة للتنوير ومراجعة الماضي وفرزه واستشراف المستقبل عبر ما يقدمه من فعاليات وحضور فاعل للمثقفين العرب والمصريين".

بينما أبدى رمضان عدم قدرته على المشاركة  بالمعرض في دورته الخمسين، لعدة أسباب قائلاً:"أنا لن أشارك لبعد المكان عني فمسكني بالهرم وهو بالنسبة لي مشقة كبيرة وأيضا تضامناً إلي حد ما مع باعة كتب الأزبكية وهم أقرب لي من وزارة الثقافة نفسياً وروحياً و لهم معرض موازي لمعرض الكتاب لأسباب ضيق المساحات المخصصة وارتفاع الأسعار الرهيب للمتر بالمعرض، وحظر دخول غير الناشرين والعديد من الأسباب التنظيمية".

ويضيف: "أنا الآن وأنا على مشارف السبعين أستطيع أن أقول، إنه يناسب الشخص في سنواته الثقافية الأولي وحماسته ودهشته الأولي فبغض النظر عن قربه أو بعده عني وعن غلاء الأسعار من عدمه بالنسبة لي لم يعد حافزا كبيرا فلم تعد لدي الدوافع للذهاب لكن كان مدهشا جدا لي في بداية عمري فكان في الماضي و نحن صغار كانت كتب بيروت والكتب العربية لا تأتي تقربيا إلا عبر المعرض وعبر مكتبة مدبولي كان محتكرا مطلقا في ذلك الوقت وكانت أسعاره غالية جدا فكنا ننتظر الكتب التي لا تأتي طول السنة، أما الآن مع الأسواق المفتوحة والعالم المفتوح أصبحت الكتب متوفرة طوال العام وهذا واحد من أسباب زوال الدهشة، وفي السنوات القديمة أيضا كنا نري الكتاب والشعراء والمؤلفين لأول مرة وكنا نريد معرفتهم و قربهم لكن الآن معظمهم أصدقائي فأصبح بالتالي التعرف علي الكتاب من خلال المعرض لم يعد سببا وجيها للذهاب وأنا في هذا العمر."

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة