آراء

"بنها" واللي عامل نفسه منها.. و"المنايفة" في الفورين أفيرز

14-10-2018 | 14:43

كثيرًا ما نردد ونسمع مقولة (عامل نفسه من بنها) في إشارة إلى بعض المسئولين المتقاعسين عن أداء واجبهم ودورهم في حل مشكلات المواطنين، سواء في المحليات أو مختلف إدارات الجهاز الإداري للدولة.. وأيضًا نسمعها من بعض الأشخاص من حولنا في سياق التهرب من المسئولية تجاه أي حادث أو قضية، في إشارة إلى أن الشخص الفلاني عامل نفسه من بنها، في إشارة إلى تظاهره بأن الأمر لا يعنيه من قريب أو من بعيد..

وبرغم أن كثيرين يرددون هذه العبارة أو المثل إلا أن أغلبهم لا يعرف أصلها أو الحكاية من وراء ترديدها، وبرغم أنها على ألسنة الشعب المصري كوصف لحالة معينة أكثر من كونها مثلاً شعبيًا..

وهدفي هنا إيضاح الأصل وراءها والقصة التي جاءت منها.. بدأت قصة المثل "عامل نفسه من بنها" من خلال قطار الوجه البحري الذي يجب أن يمر على بنها، وهي أول محطة يتوقف فيها القطار بعد القاهرة - مهما كانت وجهته أو محطته الأخيرة - وكان الأهالي يستقبلون القطار بالترحاب بصفارته المعروفة التي نراها في أفلام السينما الأبيض والأسود، وتعود ركاب قطار بحري المتوجهون إلى مدينة بنها و"عشان كده" كان من الممكن جدًا أن يحصلوا على مقعد في القطار بعد استئذان أصحابها من الجالسين في القطار؛ للسماح لهم بالجلوس هذه المسافة القصيرة التي يقطعها القطار لمحطة بنها، والتي لا تستغرق سوى دقائق قليلة، وبالتالي كان الركاب يوافقون على طلبهم بترحاب..

وبعدما كان يجلس الركاب المتوجهون إلى بنها وتأتي المحطة، يستأنف ركاب بحري جلوسهم مرة أخرى على مقاعدهم.. ولكن كثيرًا من ركاب بحري لم يستخدموا هذه الخدمة بمصداقية، فكان منهم من يستخدمها استخدامًا سيئًا للغاية، وظهرت الحيلة التي لجأ إليها العديد من المسافرين إلى محافظات بحري والإسكندرية، وذلك للحصول على مقاعد، فكانوا يتحايلون بحجة أنهم متجهون إلى بنها، ولأنها محطة تقابل خطوط قطارات أخرى ومعظمهم ليسوا من أهل بنها الذين اعتادوا الاستئذان للجلوس حتى محطة بنها، وبالتالي من أراد أن يجلس على كرسي في قطار مزدحم "يعمل نفسه من بنها"..

ونيجي بقى لمحافظة المنوفية العظيمة والمنايفة العظام؛ خاصة الأعلام منهم والسياسيين والقادة والرؤساء.. واستوقفني خلال البحث أن دورية "الفورين أفيرز" الأمريكية تحدثت عن محافظة المنوفية كصانعة لرؤساء مصر؛ حيث خرج منها 4 رؤساء من آخر 5 رؤساء، وقالت "الفورين أفيرز" إن قصة النفوذ السياسي الضخمة للمنوفية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر عندما بدأ عبدالعزيز باشا فهيم، وهو أحد أبرز السياسيين الليبراليين البارزين في هذا الوقت، وله باع طويل في جهود تحسين نوعية التعليم في محافظة المنوفية، حيث أقنع مجموعة من ملاك الأراضي وأعيان المنوفية بالتبرع ببعض الأراضي من أجل بناء مدارس ينفقون عليها من أموالهم.

وقالت المجلة الأمريكية في تقريرها إنه بحلول عام 1914 كانت هذه المجموعة التي تشكلت بالجهود الذاتية تنفق على تعليم 15% من الطلاب المحليين في مصر، وكانت محافظة المنوفية أحد أفضل المحافظات تعليمًا في المحروسة، وقد تلقى الرئيس الأسبق مبارك، وعدد من الوزراء والسياسيين تعليمهم في مدارسها، وفي الأعوام التي سبقت ثورة 1952، وبعد تأسيس الجمهورية على يد جمال عبدالناصر والضباط الأحرار، كانت النشأة في المنوفية تعتبر ميزة حقيقية في ظل نقص التمويل للمدارس الحكومية في باقي أنحاء الجمهورية.

وقالت الـ"فورين أفيرز" إن هناك قائمة طويلة من كبار الشخصيات والقيادات التي جاءت من محافظة المنوفية.. برغم أنها محافظة صغيرة من حيث المساحة وتحتل المرتبة رقم 11 من حيث عدد السكان.

وقالت الـ"فورين أفيرز" إن جميع المصريين يعلمون جيدًا أهمية هذه الخصوصية التي جعلت محافظة المنوفية من أكثر محافظات الجمهورية الحريصة على تعليم أبنائها والتحاقهم بالوظائف العامة والعمل بالسياسة.

وقالت الـ"فورين أفيرز" أيضًا إن نسبة الطلبة الذين يواصلون تعليمهم بعد سن الـ 15 في المنوفية أعلى مما هي عليه في معظم المحافظات الريفية الأخرى في مصر؛ وهي نسبة تجاوزت الـ 80%، وإن عشرات السنين من التعليم المتفوق مكنت أبناء محافظة المنوفية من أن يتبوأوا مكانة متقدمة وبارزة في المناصب القيادية، وأدت أيضًا لانخراط أبناء المحافظة المتعلمين في الجيش والشرطة، وارتقوا بسرعة في مناصبهم بداية من عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حتى الآن..

وهدفي من وراء التطرق لهذه الدراسة هو تأكيد ضرورة عودة هذه الروح التي شهدتها المنوفية عندما قرر عبدالعزيز باشا فهيم عام 1914 هو وأقرانه - من ملاك الأراضي والأعيان والأثرياء - المساهمة في بناء المدارس والإنفاق على تعليم أبناء غير القادرين؛ مما أسهم في تخريج مئات - بل آلاف- من أبناء المنوفية وتعليمهم تعليمًا متميزًا وضعهم في الصفوف الأولى في جميع المواقع..

وما أحوجنا الآن، مع حرص الدولة على تطوير منظومة التعليم، لتكرار هذه التجربة.. والله المستعان.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
عٌثمان فكري يكتٌب: ترامب وتويتر وإيلون ماسك وحبة السم

الخبر الأول والحدث الاقتصادي الأبرز أمريكيًا وعالميًا اليوم وطوال الأيام الماضية هو خبر استحواذ الملياردير إيلون ماسك على منصة تويتر بالكامل في صفقة

عُثمان فكري يكتٌب: المٌنتدي الثقافي المصري في شيكاجو (1)

نشاط القٌنصل المصري العام في ولاية شيكاجو وولايات وسط الغرب الأمريكي السفير الدكتور سامح أبوالعينين مُثير للإعجاب والاحترام والتقدير فهو لا يتوانى ولا

عٌثمان فكري يكتٌب: "ويل سميث" ممنوع من الأوسكار

أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة الأمريكية (الجهة المسئولة عن منح جائزة الأوسكار وتنظيم حفلاته) أصدرت قرارًا بمنع نجم هوليوود ويل سميث من حضور فعاليات

عٌثمان فكري يكتٌب: صفعة "ويل سميث" على وجه الأوسكار

حدث الساعة هٌنا في الولايات المتحدة - والذي طغى حتى على حرب روسيا على أوكرانيا - طوال الأسبوع الفائت كان ما فعله نجم هوليوود والأوسكار ويل سميث أفضل ممثل لهذا العام

عٌثمان فكري يكتٌب: أنا "وأنكل سام" والظروف صعبة..

لم ولن أدعي أنني خبير اقتصادي أو إستراتيجي ولا اكتواري، ولا حتى خبير تنمية بشرية.. ولكن ما نشهده هذه الأيام هٌنا في الولايات المتحدة الأمريكية أو في باقي

عٌثمان فكري يكتٌب: شٌكري "أسد الخارجية" والمئوية

عرفت السفير سامح شكري (أسد الدبلوماسية المصرية) مُنذ كان سفيرًا لمصر في واشنطن في الفترة ما بين 2008 وحتى 2012، وأجرينا معه عدة لقاءات عبر الأقمار الصناعية لبرنامج الحياة اليوم على قناة الحياة

عٌثمان فكري يكتٌب: "العٌمدة ميري" نجمة مصرية في سماء شيكاجو (1-2)

نعم مصر تستطيع بالتاء المربوطة.. وهو ما سبق وأشرت وأكدت عليه من سنوات، وكتبت أكثر من مرة وفي مٌناسبات مٌختلفة وفي منابر صحفية وإعلامية عديدة عن النجاحات العظيمة والمٌتلاحقة التي حققتها التاء المربوطة

عٌثمان فكري يكتٌب: شمسٌ مصر الذهبٌ في سماء شيكاجو

أٌتابع باهتمام بالغ نشاط البيت المصري في ولاية شيكاجو وجهود القٌنصلية العامة لمصر في شيكاجو وولايات وسط الغرب الأمريكي والقائم عليها الديبلوماسي البارع والمٌثقف الواعي الدكتور السفير سامح أبوالعينين

عٌثمان فكري يكتٌب: رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية ليسوا ملوكًا

لم يفوت الرئيس الأمريكي بايدن فرصة إعلان قاضي المحكمة العٌليا (أعلى منصب قضائي في أمريكا) ستيفن بريير عن تقاعده من منصبه في المحكمة، والذي يٌفترض أن يكون مدى الحياة.

عٌثمان فكري يكتٌب: العالم بين هيستيريا بايدن وهدوء بوتين

لا شك أن العلاقات الأمريكية الروسية قد وصلت إلى أدنى مستوياتها على الرغم من ارتفاع وتيرة الحوار الثنائي بينهما مؤخرًا بالتزامن مع إعتراضات أوروبا الغربية

مواقيت الصلاة
اسعار العملات
درجات الحرارة