Close ad
3-7-2018 | 16:08
"تعدية الشارع"! عبارة تبدو قصيرة وتقدم نفسها باعتبارها تحصيل حاصل، ليس هذا فقط، بل إن البعض يتعامل معها وكأنها سمة طبيعية من سمات الحياة اليومية، لكن كلا وألف كلا. "تعدية الشارع" أو "عبور الطريق" أبعد ما تكون عن كل ما سبق.

ويكفي إنها مسألة حياة أو موت، وفي أقوال أخرى أخف وطأة هي مسألة حياة دون إصابات أو إعاقات وأخرى مليئة بها.

حياتنا اليومية مليئة بكل ما لذ وطاب – ويقول المتشائمون إنها مليئة بما لا يلذ أو يطيب- من صنوف الإثارة والمغامرة.

وتختلف مكونات هذه الصنوف باختلافنا واختلاف توجهاتنا وأنواعنا وأماكن عملنا.. إلخ، لكن ما يوحد بين كل الطبقات والفئات والأهواء والانتماءات والتوجهات هو "تعدية الشارع"! فمن منا لا يضطر إلى "تعدية الشارع" على الأقل مرة في اليوم مهما علا شأنه أو بسط.

وببساطة شديدة فإن عبور الطريق في أي من شوارعنا أمر احتار فيه سكان المعمورة، وعلى مدار عقود طويلة وجدت نفسي أتابع وألاحظ وأحلل وأفند مشاهد المصريين، بينما يعبرون الشوارع، لعلي أفهم ما يجعلنا متفردين وعساي أكون من القادرين على المساعدة في شرح ما يجري للزائرين والأصدقاء في بلاد بعيدة.

ومن بلاد بعيدة وتحديدًا إحدى الدول الإسكندنافية أتى صديق في مهمة عمل في القاهرة، كانت الزيارة الثانية؛ حيث كانت الأولى في منتصف تسعينيات القرن الماضي، استمعت له وهو يتحدث عن تجربة (وقد أطلق عليها اسم مغامرة) عبور الشوارع.

قال وهو في حيرة من أمره: "أتذكر أن ما استرعى انتباهي في زيارتي الأولى تلك العلاقة الحميمة الغريبة غير المعتادة بين السيارات والمواطنين، فقدوم السيارات لا يعني أبدًا خوف المارة أو ترددهم، بل يقبل كلاهما على الآخر بكل حميمية وانسيابية، والعجيب أنهما في الأغلب لا يصيب بعضهما البعض بأذى بل يتجاوران في سلام".

ويمضي الصديق مقارنًا بين حميمية المواطن والسيارة في منتصف التسعينيات والآن؛ حيث "ما رأيته في الشوارع هذه المرة انتحاريون، وليس قادة سيارات ومارة، يبدو لي الأمر وكأن الجميع خرج من بيته بنية الانتحار، وعلى الرغم من استمرار تلك العلاقة العجيبة بين السيارات والبشر، فإن العنف والخشونة باتا يتسيدان الموقف، كلاهما يتحدى الآخر لسبب يبدو غير منطقي".

وبالطبع لم أحاول أن أرهق نفسي في البحث عن منطق يشفي به الصديق حيرته؛ فـ"تعدية الشارع" منذ عقود هي مغامرة محفوفة بالمخاطر، لكنها في السنوات القليلة الماضية تحولت إلى حرب شعواء يرفع فيها الجميع شعار "إما قاتل أو مقتول".

القاتل والمقتول في "تعدية الشارع" لا يتوقفان عند حدود قائد سيارة يدهس من يحاول عبور الشارع، لكنها منظومة يشترك فيها أطراف عدة؛ فبدءًا بشوارع طويلة جدًا تخلو من إشارة مرور واحدة، مرورًا بإشارات مرور بعضها حديث جدًا؛ لكنها في حالة اصفرار أو غيبوبة طيلة الوقت، وانتهاء بسلوك بشري ما أنزل الله به من سلطان.

وإذا كان الأولون قالوا إن النوم سلطان، فنحن نقول إن الموبايل سلطان السلاطين؛ خذ عندك مثلاً الأخ الذي يعبر شارع صلاح سالم المتخم بالسيارات الطائشة والمائجة والفاجرة، بينما هو غارق حتى الثمالة في حديث عبر هاتفه المحمول، تاركًا مهمة تفادي الاصطدام به لقادة هذه المركبات.

وخذ عندك طريق السويس؛ حيث يمكن لأطقم "ناشونال جيوجرافيك" أن تأتي في مهمة عمل لتصوير وثائقيات عن غرائب الطبيعة على مدار الساعة؛ سيدة ترتدي النقاب تمتطي حمارًا وتعبر به طريق السويس كل يوم - جيئة وذهابًا - بمنتهى الثقة وكل التؤدة، وعلى المتضررين القادمين بأقصى سرعة إما تفاديها عبر التخبيط في بعضهم البعض، أو ضرب رؤوسهم في أقرب حائط.

وبعيدًا عن ضرب الرؤوس في الجدران، وعبور الحمير بعرض الطرق السريعة، تبقى منظومة "تعدية الشارع" في مصر أمرًا يستحق الدراسة والتحليل؛ وحتى لا نكون كالمتشائمين الذين لا يركزون إلا على أنصاف الأكواب الفارغة، فإن في حركة المواطن المصري العابر للطريق ما يستدعي الإعجاب والتبجيل.

فهذه اللياقة البدنية العالية، والحنكة الجسدية العامرة بالليونة والنعومة يصعب تصور وجودها في أجسام المصريين. فعلى الرغم مما يقال عن إصاباتنا بأمراض الضغط والسكر والقلب وغيرها من أمراض الحياة الحديثة، فإن متابعة الحركات البهلوانية التي نقوم بها دون أن ندري، بينما نقفز على الطرقات في محاولة لتفادي السيارات الطائشة أمر بالغ الإثارة.

صحيح أن بعضها ينجم عنه قتلى على الطريق وإصابات، بعضها يسبب إعاقات والبعض الآخر يضرب اقصاد العائلات في مقتل، إلا أن نصف كوب اللياقة البدنية يجب أن يبقى صوب أعيننا.

أعيننا التي لم نصدقها حين استيقظنا ذات صباح لنجد إشارات مرور تزين بعض الطرقات هي نفسها أعيننا التي اعتادت هذه المشاهد الهزلية لـ"تعدية الشارع"، وليس كل الهزل مضحكًا أو مسليًا، فمنه ما يمتلك قوة قتل ثلاثية.
"تعدية الشارع" في المحروسة تقتل المارة، وتجعل منا "وجهة سياحية خطيرة" لا يأمن فيها السائح على نفسه إن أراد أن يعبر الطريق، وتحولنا إلى غابة مرورية؛ برغم أن حلها بسيط.

كلمة أخيرة: إن كنت عزيزي القارئ تجد "تعدية الشارع" أمرًا هينًا لا يستحق كل هذا، فما عليك إلا أن تكتب بالإنجليزية على "جوجل" ثلاث كلمات: مصر عبور الشارع، وستجد ما لا يسر.
كلمات البحث
الحداية والكتاكيت و"أونروا"

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

من ألماظة لميدان سفير

من ألماظة لميدان سفير

"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

"صلاح" وتوليفة القوى الطاردة

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

هويتنا المسلوبة

هويتنا المسلوبة بعد الربيع العربي في يناير 2011

البشر وطريق السويس

أقطع طريق القاهرة السويس من الشروق ومدينتي إلى مصر الجديدة ووسط القاهرة والعودة يوميًا؛ لذلك أعتبر نفسي مرجعية في هذا الطريق، لا سيما أنني لا أكتفي بمجرد

قليل من التدقيق لا يضر

في هذا المكان قبل سبعة أسابيع بالتمام والكمال، كتبت مقالاً عنوانه "إشاعات شائعة"، وبرغم أن الأجواء العنكبوتية والأحاديث الشارعية حينئذ لم تكن قد بلغت ما

سكان يسيرون على أربع

سكان يسيرون على أربع إنهم الكلاب والقطط والدواب

كثرة غثاء السيل

إنجاب الأبناء والبنات سمة من سمات البشرية، وتحديد العدد صفة من صفات العقلاء.

عن الكرة والشارع والرمز

الغضب والحزن والهري ستستمر أيامًا، ثم ما تلبث أن تذهب إلى حال سبيلها، ولن تعود إلا بحدوث موقف أو موقعة أو حادث مشابه لتعاود عملها بكامل عدتها.

الناس والدولة

​من ضمن ما خرجنا به من رمضان جرعة إعلانية ضخمة جديرة بالبحث والتقصي والدراسة والتحليل. وبعيدًا عن مستوى الإعلانات وقيمتها الإعلانية والإعلامية، ننظر إلى

الأكثر قراءة