Close ad

عن الكرة والشارع والرمز

26-6-2018 | 13:58
الغضب والحزن والهري ستستمر أيامًا، ثم ما تلبث أن تذهب إلى حال سبيلها، ولن تعود إلا بحدوث موقف أو موقعة أو حادث مشابه لتعاود عملها بكامل عدتها.

صفر كأس العالم - وهو ما يذكرنا بصفر المونديال - ليس إلا تذكرة بما سبق وتهيئة لما هو آت.

وقد أتت مشاركة مصر في المونديال لترفع من سقف توقعات كان قد التصق بأرض الواقع، تارة بحكم الواقعية وأخرى تحت وطأة الإنهاك والإغراق في كل ما يضر ولا ينفع.

تعلقت ملايين المصريين - من يعشقون الكرة، ومن لا يفقهون الغاية من ركض 22 شابًا ورجلاً حول هذه الساحرة المستديرة- بقشاية المونديال.

وبغض النظر عن عوامل صعود المنتخب المصري، ونسبة الحظ إلى الاجتهاد، ومقدار الاعتماد على عنصر واحد لا ثاني له في منظومة كاملة متكاملة ضربها ما ضربها من فساد، وأصابها ما أصابها من هرجلة وعشوائية وفوضى ومحسوبية؛ "المحسوبية" ذلك السم الذي يقتل قتلًا بطيئًا ليس خفيًا على أحد في مصر.

والمحسوبية التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية والمتصلة اتصالًا وثيقًا بالفساد والظلم والرشوة ما خفي منها وما بطن لم تعد تسترعي انتباه أحد، أو تزعج أحدًا، أو حتى تدفع الصارخين على المنابر إلى التنبيه إلى عقوبتها الدينية، بديلًا عن التحذير من دخول الحمام بالقدم اليمنى، وترديد دعاء الركوب لدى ركوب المصعد.

صعود المنتخب المصري أضرنا ولم يفدنا؛ والضرر المقصود ليس كرويًا بقدر ما هو حياتيًا ومجتمعيًا ونفسيًا وعصبيًا، فقد تصورنا أن زمن المعجزات عاد، وأن الدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى يكفيان لتحقيق الحلم، وبديلان عن العمل الحقيقي والتخطيط العلمي والترتيب المنطقي.

منطقيًا مثلاً، كيف نتصور أنه في الإمكان عودة السياح إلى القاهرة؛ بينما شوارعنا تضرب تقلب؟

وما الذي يدعو الباحثة الأجنبية عن مقصد سياحي أن تختار القاهرة فتستعين بـ"جوجل" ليخبرها أنها من ضمن المدن التي تعاني من التحرش؟ وبأمارة ماذا نتصور أن تحويل مقاصد سياحية شاطئية مثل شرم الشيخ والغردقة وغيرهما من أماكن يقبل عليها السياح من كل الجنسيات لممارسة السباحة والغوص والاستمتاع بالشمس إلى أماكن ينصب فيها الزائر المصري نفسه رقيبًا على السياح، ومدققًا في السائحات، ومطلقًا التعليقات الجهرية المتأرجحة بين التدين المظهري العميق والتحرش اللفظي المقيت؟

وأمثلة مظاهر انتزاع المنطق من حياتنا لا تعد ولا تحصى، بدءًا بمدارس تحللت وتهلهلت على مدى ما يزيد على ثلاثة عقود إبان حكم الرئيس الأسبق مبارك، ونضيف إليها سنوات فوضى ما بعد ثورة يناير 2011، مرورًا بمجتمع تمزق بين مظاهر تدين شكلية حينًا، وسمات تحلل سلوكية وأخلاقية أحيانًا، وانتهاء برفض تام زؤام للاعتراف بحاجتنا إلى تنفيض وكنس ومسح البيت من الداخل قبل أن نزينه من الخارج.

وفي الخارج يقولون عنا الكثير... دعك من "هبل" "الحَكم قابض"، و"الفنانين وشهم فقر"، و"سوء الحظ غالب"، وركز في عناوين على شاكلة "محمد صلاح يكشف للمصريين ما الذي سيفتقدونه إن هجرهم بعد كأس العالم 2018" (صحيفة إندبندنت البريطانية) "كان يفترض أن تجذب مباريات كأس العالم بعيدًا عن البؤس لكنها فاقمته" (صحيفة واشنطن بوست الأمريكية) "محمد صلاح يعتذر للمشجعين المصريين على الخروج من المونديال بفعل لاعبين لا خبرة لهم" (صحيفة إندبندنت) "محمد صلاح سعيد بمصر في خضم أزمة الشيشان السياسية" (صحيفة جارديان البريطانية) والقائمة طويلة.

حتى الغرب يرى أننا متعلقون بحبال الأمل المهلهلة، وصحافتهم مدركة أننا وصلنا إلى درجة من اللا منطق جعلتنا نتخيل أن ينجح شخص واحد في جذب شعب يعاني بعضه موتًا سريريًا لقيمة العمل إلى بر الأمان، أو يتمكن شخص واحد من قيادة وزارة تفشى فيها الفساد على مدى نصف قرن، أو يبدع شخص واحد في مباراة ليحقق الفوز لفريق عانى انعدام تخطيط وتشرذم جهود وقلة تركيز ومسافات هي الأطول يقطعها من بلاد الشيشان والباقي معروف.

المعروف الوحيد الذي يمكن أن يقدمه أحد لنا الآن هو أن صب علينا "جردل" مياه ساقعة علها تفيقنا.

مواقع التواصل الاجتماعي عامرة بهبد ورزع حول الفساد الذي دمر حياتنا والمحسوبية التي قتلت طموح أولادنا والعشوائية التي ضربتنا في مقتل.

والمقاهي والأماكن العامة مليئة بحوارات غاضبة بائسة حول ضرورة إيقاظ الضمائر الميتة والعودة إلى صفوف العمل والإنتاج، وليس التوك توك والسياس.

لكن شيئًا لا يتغير على أرض الواقع، وهو ما يعني أن الهابدين والرازعين عنكبوتيًا يفعلون ما ينبذون، وأن الغاضبين والبائسين في المقاهي والشوارع لم يبدأوا بإيقاظ ضمائرهم وإعادة أنفسهم إلى مجالات الإنتاج، ولو فعل الجميع ما يطالب به، لكنا في مكان بعيد تمامًا عما نحن فيه الآن.

وما حال الكرة اليوم إلا رمز لحالنا كل يوم.
كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الحداية والكتاكيت و"أونروا"

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

من ألماظة لميدان سفير

من ألماظة لميدان سفير

"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

"صلاح" وتوليفة القوى الطاردة

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

هويتنا المسلوبة

هويتنا المسلوبة بعد الربيع العربي في يناير 2011

البشر وطريق السويس

أقطع طريق القاهرة السويس من الشروق ومدينتي إلى مصر الجديدة ووسط القاهرة والعودة يوميًا؛ لذلك أعتبر نفسي مرجعية في هذا الطريق، لا سيما أنني لا أكتفي بمجرد

قليل من التدقيق لا يضر

في هذا المكان قبل سبعة أسابيع بالتمام والكمال، كتبت مقالاً عنوانه "إشاعات شائعة"، وبرغم أن الأجواء العنكبوتية والأحاديث الشارعية حينئذ لم تكن قد بلغت ما

سكان يسيرون على أربع

سكان يسيرون على أربع إنهم الكلاب والقطط والدواب

كثرة غثاء السيل

إنجاب الأبناء والبنات سمة من سمات البشرية، وتحديد العدد صفة من صفات العقلاء.

تعدية الشارع

"تعدية الشارع"! عبارة تبدو قصيرة وتقدم نفسها باعتبارها تحصيل حاصل، ليس هذا فقط، بل إن البعض يتعامل معها وكأنها سمة طبيعية من سمات الحياة اليومية، لكن كلا

الناس والدولة

​من ضمن ما خرجنا به من رمضان جرعة إعلانية ضخمة جديرة بالبحث والتقصي والدراسة والتحليل. وبعيدًا عن مستوى الإعلانات وقيمتها الإعلانية والإعلامية، ننظر إلى

الأكثر قراءة