Close ad

"تدمير للتراث" أم "حماية للآثار".. أثريون يجيبون عن الأسباب الحقيقية وراء نقل المنابر

1-5-2018 | 14:06
تدمير للتراث أم حماية للآثار أثريون يجيبون عن الأسباب الحقيقية وراء نقل المنابر المنابر
أحمد سعيد

بين اتهامات بالتقصير والإهمال وتبديد مقتنيات تاريخية من ناحية، والتلويح بوجود شبهات فساد من ناحية أخرى، تشهد مساجد مصر التاريخية واقعا مُزريا ومأساويا، وهو ما بدا جليا بعدما أثارته جريدة الأهرام عن اعتزام وزارة الآثار تفكيك ونقل 55 منبرا من مساجد أثرية، تعود إلى العصر المملوكي، بزعم الحفاظ عليها من التعديات والسرقة، وهو ما تسبب فى عاصفة غضب واسعة داخل المجتمع الأثري، ورفع جموع الأثريين راية العصيان فى وجه الوزارة معلنين رفضهم تلك الإجراءات.

موضوعات مقترحة

موجة الاستهجان جراء ذلك الإجراء، التي امتدت لتصل لحد تدشين نشطاء صفحات وحملات مناهضة للقرار على مواقع التواصل الاجتماعي للعدول عنه حفاظا على المقتنيات الإسلامية التاريخية، لاقت آذانا صاغية لدى مسئولي الوزارة الذين تراجعوا عن القرار فى ظل تلك الضغوط، مُبررين ذلك بقيامهم بنقل مشكاوات مسجد الرفاعي، بعد تعرض سبع منها للسرقة فى يناير 2017 قبل استعادتها، بالإضافة إلى منبر أبو بكر مٌزهر، تنفيذا لقرار اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية في بداية عام ٢٠١٧، بتسجيل وتوثيق الآثار المنقولة بالآثار الإسلامية المهددة بالسرقة.

وتستحوذ مصر على ثلثي الآثار الإسلامية فى العالم، وتضم أكثر من 180 منبرا إسلاميا تاريخيا، وهو ما وضع تلك القضية فى بؤرة الاهتمام العالمي وموضع حديث من كافة وسائل الإعلام والوكالات الدولية والأجنبية.


"بوابة الأهرام" تابعت القضية، وتواصلت مع أغلب الأطراف المعنية بها، للتعرف على ملابساتها، والدوافع وراء ذلك القرار الذي اكتنفه الغموض، وحقيقة تنازع الاختصاصات والمسئوليات بين الأوقاف والآثار فى ملف ادارة الآثار الإسلامية فى مصر.

البداية كانت مع صدور القرار - الذي اكتنفه الغموض - رقم 110 لسنة 2018، والذي وافق عليه مجلس الوزراء، ويستهدف نقل وتفكيك 55 منبرا أثريا، إلى جانب قطع أثرية إسلامية أخرى، وتم بالفعل نقل منبر أبو بكر مزهر، الذي يقع بحارة برجوان، ويرجع تاريخه إلى عام 1480ميلادية، وتنسب المدرسة إلى زين الدين أبو بكر ابن مزهر، وكان ناظر ديوان الإنشاء فى عهد دولة المماليك الجراكسة.

لم تمض ساعات على نشر القرار وصور عملية الفك والتركيب فى وسائل الاعلام، إلا وانتشرت حملات مناهضة على وسائل التواصل الاجتماعي تطالب الوزارة بالتراجع، وتعالت الصيحات الرافضة للقرار باعتباره يهدد بخروج مصر من قائمة التراث ويدمر مقتنيات أثرية إسلامية ويعرضها للتلف أو التدمير نتيجة عملية النقل.

لم تجد وزارة الآثار أمامها سوى اصدار بيانات رسمية، تؤكد أنه لن يتم نقل أية منابر أثرية من المساجد إلا في حالة الضرورة القصوي، بعد دراسة كل حالة بشكل منفصل، وأن عملية الفك والنقل والتركيب تمت تحت إشراف قطاع المشروعات والإدارة المركزية للصيانة والترميم، وأن كافة أجزاء المنبر تمت علي أكمل وجه، وفقا للمعايير العلمية المعتمدة عالميا، وأنه تمت تقوية أجزاء المنبر باستخدام أحدث المواد العلمية المستخدمة في ترميم وصيانة الأجزاء الخشبية، بالإضافة إلي تثبيت الحشوات المطعمة بالعاج و العظام.

قضية نقل وتركيب المنابر الآثرية، فجر قضايا أكثر خطورة تتمثل فى سرقة آثار مصر الإسلامية وسط تبادل للاتهامات بين وزارتي "الأوقاف" و"الآثار"، لتظل آثار مصر حائرة تبحث عن من ينتشلها من براثن مافيا التعديات والسرقات للآثار الإسلامية التاريخية.

سجل طويل من السرقات والتعديات
وتشهد آثار مصر الإسلامية سجلا طويلا من السرقات والتعديات، حيث شهدت منطقة السلطان حسن الأثرية العديد من سرقات قطع أثرية من غرفة دفن الملك فؤاد بمسجد الرفاعي، آخرها الاستيلاء على مشكاة من عهد الخديو عباس حلمي، موجودة بحجرة دفن الملك فؤاد بالقاعة الملكية، وتم اتهام صاحب عهدة المسجد، وجار استجوابه من قبل الأجهزة المختصة، كما تعرض مسجدا الرفاعى والسلطان حسن للسرقة، حيث تعرض الأول لسرقات متتالية، ولم يكتشف أمرها إلا بعد ظهور القطع المسروقة فى المزادات العالمية، حيث ظهرت 3 مشكاوات فى مزاد صالة «كريستى» بلندن، هذا بخلاف سرقة الحليات النحاسية من قبر الملك فاروق والعائلة العلوية الملحق بنفس المسجد.

وفى سبتمبر 2012، تمت إزالة أجزاء من التفاصيل النحاسية لمسجد «السلطان الغورى»، كما تم انتزاع حشوات خشبية من المنبر فى يونيو، أما مسجد «أحمد بن طولون»،الذى يُعتبر المسجد الوحيد الباقى فى مصر الذى لم تتغير معالمه، فتمت سرقة مفصلات نحاسية أصلية عليها كتابة بـ«منبر الجامع» فى يونيو 2014، وهى تُعد من الأثاث المهم للمسجد.

وفى شهر مارس 2014 تكررت تلك الظاهرة باكتشاف سرقة مسجد «تغرى بردى»، حيث أزيلت أبواب المنبر الخشبية المزخرفة ولم يُستدل عليها أو تُسترد حتى الآن، وتم إغلاق المسجد، فلم يتمكن أحد من الدخول للتحقق من المنبر وتوثيق السرقة، وفى يونيو 2014 سُرق «شباكان نحاسيان» من مسجد «القاضى عبدالباسط»، كما سُرق «مصرعا أحد أبوابه الداخلية» المُطعّم بالعاج والأبنوس.

نقل المنابر يعرضها للتلف والتدمير
الدكتور رأفت النبراوي، أستاذ الآثار الإسلامية المتفرغ وعميد كلية الآثار سابقا بجامعة القاهرة، أكد أن نقل وتفكيك المنابر الأثرية التاريخية قرار خاطئ، متسائلا: المنابر موجودة منذ مئات السنوات، لماذا تم اتخاذ تلك الخطوة حاليا؟، موضحًا أنه كان من الأجدى تشديد الحراسة الأمنية على الأماكن الأثرية الإسلامية بدلا من تفكيكها ونقلها من مكان لآخر مما يعرضها للتلف والتدمير أو عوامل التعرية ويفقدها الخاصية التى تم من أجلها وضعها فى قائمة التراث العالمي، إلى جانب ضرورة تحديد المسئوليات والاختصاصات بين وزارتي الأوقاف والآثار فى تلك الأماكن الأثرية، مردفًا "للأسف، المسئولية فى بعض الأوقات تضيع بين الطرفين".


تضارب مسئوليات
وحاولت "بوابة الأهرام" التوصل إلى إجابة للتساؤل بشأن تنازع الاختصاصات بين وزارتي الأوقاف والآثار بشأن المنابر الأثرية، وقال جابر طايع وكيل وزارة الأوقاف رئيس القطاع الديني، إن المنابر الأثرية فى المساجد التاريخية تتبع لوزارة الآثار، ولكن كل ما يتعلق بالشعائر الدينية يتبع لوزارة الأوقاف، قائلا"ما يتم داخل المساجد دعويا يتبع الأوقاف، ولكن المنابر تتبع الآثار، والاختصاصات محددة فى هذا الاطار".

فى الوقت الذي قال فيه الدكتور بسام الشماع المؤرخ ومدشن حملة "مكانهم الجوامع"، إنه لايمكن تحت أي ظرف من الظروف جمع 55 منبرا إسلاميا فى متحف واحد، متسائلا "لماذا أفرض على السائح الوافد من الخارج زيارة متحف بعينه وقد لايكون ضمن ما يشمله برنامجه؟"، موضحا أن القضية برمتها سواء على المستوى الأكاديمي أو السياحي خاطئة.

وتساءل الشماع: ما الذي يمنع وزارة الآثار من توفير الأمن على تلك المساجد الأثرية التاريخية؟، مشيرا إلى أن القضية بأكملها تتعلق بالأمن وتوفير الامكانيات اللازمة لحماية الآثار المصرية.
 

كارثة على التراث بكل المقاييس
"كارثة على التراث المصري بكل المقاييس"، هكذا عقب الدكتور محمد الكحلاوي، أمين عام اتحاد الأثريين العرب، على تفكيك ونقل المنابر الأثرية، مشيرًا إلى أن نقل المنابر حرام من الناحية الشرعية والتاريخية، قائلا "من قام بإنشاء منبر كان يهدف من ورائه لإقامة الشعائر الدينية، وليس وضعه فى مخزن".

وتساءل الكحلاوي، "وزارتا الآثار والأوقاف لم يستطيعا حماية المنبر فى النور، فهل يمكنهما حمايته فى الظلام؟"، منوها بأننا أمام عقلية "متجمدة" - بحسب قوله.

180 منبرا أثريا تاريخيا
وفى المقابل يقول الدكتور عادل غنيم مدير عام قطاع الآثار الاسلامية والقبطية بالقاهرة والجيزة، إن قرار نقل وتركيب المنابر الأثرية تم تجميده، وإعادة عرضه على اللجنة الدائمة بوزارة الآثار لوقف القرار، موضحًا أن ما تم نقله هو منبر مسجد أبو بكر مزهر، والذي تم إرساله لمتحف الحضارة بعد نقله على سيارة نصف نقل، ولن يتم نقل أي منبر آخر، مضيفا أن هناك تحقيقات يتم اجراؤها داخل الوزارة لمعرفة من وراء القرار، مستطردا "كلمة مش عارف أحمي الآثار أصبحت حجة واهية ليس لها أي لازمة".

وفنًد غنيم فى حديثه لـ"بوابة الأهرام" احصائيات وأرقام الآثار الإسلامية التاريخية، هناك أكثر من 180 منبرا أثريا تاريخيا، وتحتضن مصر أكثر من ثلثي الآثار الإسلامية فى العالم، كما أن هناك نحو 1161 أثرا على مستوى الجمهورية، بينها 621 أثرا إسلاميا في محافظة القاهرة فقط، قائلا "عار على مصر أنها لاتستطيع حماية آثارها التاريخية". 

وأردف غنيم، هناك وسائل وخطوات يمكن من خلالها حماية الآثار من السرقات والتعديات، منها تركيب كاميرات مراقبة، وإقامة نقطة شرطة لكل منطقة أثرية، وتضم أمين شرطة أمن عام وآخر سياحة وآثار،مع أمن وحراسة الوزارة ومرور الضباط عليها، وكذلك تكليف المناطق الأثرية بتقسيم العاملين على فترتين، الأولى من الثامنة حتى الثالثة، والفترة الثانية من الثالثة حتى العاشرة ليلا، وذلك بالتشاور مع العاملين كل حسب ظروفه، وهذه الخطوات من شأنها أن يكون التواجد مستمرا على مدار اليوم وبإشراف أثرى وأمني، وبذلك سيتم منع التعديات على الاثر وكذلك السرقات، وانتظام العمل بشكل كبير.

وعن تضارب المسئوليات بين وزارتي الأقاف والآثار، يقول غنيم، إن مسئولية الآثار الإسلامية التاريخية مشتركة بين 3 وزارات، فالمسجد يتبع لملكية وزارة الأوقاف، والآثار لديها مقتنياتها وموظفيها والمشرفون الذين يسجلون كل الأخطاء والمخالفات ويتم إحالتها لجهات التحقيق، منوها بأنه لابد من إعداد بروتوكول مشترك يجمع الوزارات الثلاث، الأوقاف، والآثار، والداخلية، للتنسيق فيما بينها بشأن هذا الآمر.

أين الريع؟
وتساءل غنيم: هناك وقف خيري على الآثار فى مصر، يشرف عليه وزارة الأوقاف، فأين الريع؟، موضحا أنه طبقا لنص المادة "30" من القانون فالترميم مسئولية وزارة الأوقاف، لذلك ينبغي أن يكون هناك تفاهم بين الوزارتين فى تلك القضايا.

وأضاف مدير عام قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بالقاهرة والجيزة، أن الحديث عن استنساخ منابر أثرية كلام غير منطقي لأن تكلفته باهظة.  

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة