ثقافة وفنون

في ذكراه الثالثة ..نتتبع رحلة الأبنودي من فندق الخواجة لامبو من مسقط رأسه بقنا لمنزل صديقه أمل دنقل | صور

21-4-2018 | 21:53

الراحل عبدالرحمن الأبنودي

قنا - محمود الدسوقي

"يا صاحب هذا المبنى الموروث

ضل جدودك فى الجدران مغروس"

هكذا صدح الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي في إحدي قصائده، فالشاعر الذي ولد في 11أبريل عام 1938م  بقرية أبنود التابعة لمحافظة قنا بصعيد مصر،  وارتحل عن دنيانا في 21 شهر أبريل 2015م، مازال ظله متواجدًا في قنا، التي شهدت مولده وعاش بها قبل أن يرتحل منها وعمره بالتقريب 20 سنه تاركًا عمله  الحكومي في محكمة قنا.


صمم الأبنودي أن يترك للجغرافيا في محافظة قنا أثر فالتقط لنفسه ومع أصدقائه الكثير من الصور بالأبيض والأسود وهو يلبس الجلباب الصعيدي واحتفظ بلهجته وثقافته وأن يصمم علي تدوين تراث السيرة الهلالية ويقيم في قريته متحفًا يضم الكنوز التي جمعها من أفواه الشعراء القدامي، وهو متحف السيرة الهلالية الذي تم افتتاحه بعد وفاته وضم مقتنيات له، بالإضافة لمقتنيات السيرة الهلالية التي بذل مجهودًا كبيرًا في جمعها وتوثيقها .

وتقول الشاعرة مها جمال نصار نجلة صديق الأبنودي جمال نصار لــ"بوابة الأهرام " إن مدرسة قنا الثانوية كانت تقيم حفلاً في نهاية كل عام دراسي وكان عبد الرحمن الأبنودي نجم هذه الحفلات يكتب المونولوجات ..وأزجالاً عن المواد الدراسية، اشترك هو وأبي في فريق التمثيل واشتركا في تمثيل العديد من المسرحيات على مسرح المدرسة كما اشتركا في فقرات لتقليد المدرسين. كان يجلس تحت عامود الإنارة في "شارع الحلوي" ليقرأ ويعزف الناي.

من خلال المدرسة الثانوية التي قاد فيها مظاهرة تندد بالعدوان الثلاثي عام 1956م كان بها صديق عمره أمل دنقل كان الأبنودي ، يكبر دنقل، الذي اختار أن يلتحق بالقسم العلمي بخلاف صديقه الأبنودي الذي التحق بالقسم الأدبي، بعامين لتبدأ جولاتهما في مركز قفط وسينما فريال، التي كان أول من تولي إدارتها والد الفنانة فاتن حمامة في العصر الملكي.

من خلال مسقط رأسه قرية أبنود ثم استقراره مع والده الأزهري ببندر قنا في منزل كائن بمنطقة حلوي ثم المدرسة الثانوية ثم ذهابه إلي فندق جوفان بوسط مدينة قنا ثم ذهابه لأصدقائه لممارسة لعبة كرة القدم أو زيارة رفيقه أمل دنقل بمسقط رأسه بقرية القلعة بمركز قفط التي كان يصمم علي زياراتها من أجل أن يقرأ الفاتحة علي قبر رفيقه أمير شعراء الرفض تظهر جغرافية عبدالرحمن الأبنودي بوضوح .

ويؤكد أنس دنقل شقيق الشاعر أمل دنقل أن عبد الرحمن الأبنودي هو الصديق الذي نفذ وصية الدفن في المقبرة في نفس الاتجاه الذي أخبره به أمل دنقل في الغرفة 8 بمستشفي الأورام:

"أولئك الغامضون: رفاق صباي
يقبلون من الصمت وجهًا فوجهًا
فيجتمع الشمل كل صباح
لكي نأتنس".

الأبنودي الذي لحق بصديقه أمل دنقل بعد مرور 32 سنة من وفاته لم يتخلف لحظة عن التواجد في مقبرة قرية القلعة بقفط التي شهدت مولد أمل ومدفنه، كما يؤكد أنس دنقل إلا حين أنهكه المرض فلم يستطع أن يمارس عاداته مع صديقه كي يجتمع الشمل فيأتنس الأصدقاء.

تضيف الشاعرة مها جمال نصار "التحق والدي جمال بالجامعة في القاهرة والتحق عبد الرحمن بالخدمة في الجيش وكان في إجازته ينزل عند والدي فى سكنه بالقاهرة يومى الخميس والجمعة، انتهت فترة دراسة الوالد في القاهرة وعاد إلى قنا ليتسلم عمله في الأزهر مدرسًا للتربية الفنية ويبحث عن الاستقرار والأسرة، ويبقى عبد الرحمن الأبنودي في القاهرة يبحث عن ذاته وعن الشعر، لافتة إلى أن الصداقة لم تنقطع تمامًا، كان الأبنودي يرسل لوالدي رسائل تحمل المحبة الصادقة وأحيانًا العتاب وأحيانًا مسودات قصائد وصور طلب أن يستردها منذ أعوام لا أدري لماذا ربما كان يريد أن يستعيد تلك الأيام.

ومن كلمات رسالة بقيت في درج والدي جمال نصار يقول له الشاعر عبدالرحمن له "لم تكن كذلك منذ عرفتك يا جمال ...أنت نعمتي التي أرجوها. أنت نعمتي وهو الواقع وكل مادفعني إلى الكتابة إليك هو لك الهاتف الذي صرخ في أعماقي بأن أكتب لك... وفي فقرة أخرى من الخطاب أنه كتب 6 أغنيات في ليلة واحدة غير الستَة اللي بعتهم لك مطالعهم قديمة ... أغنية يخيل إلي إنها لو اتلحنت تكون أغنية موسم.. وكان دائمًا يذكره في لقاءاته التلفزيونية كان يلقبه بـ "صديقي التاريخي". وفي رسالة أخرى مسودة قصيدة يقول له "أنا عارف إنك بتحب النوع ده من القصائد عشان كده بعتهالك".

انقطعت فترة الرسائل بينهما بعد إعارة أبي إلى اليمن ثم إلى السعودية ثم عاد الود والاتصال، كان يحرص على مقابلة والدي عند زياته لقنا وعندما سجل حلقات أيامي الحلوة، كان والدي ضيفه في إحدي الحلقات التي تم تسجيلها في مدرسة قنا الثانوية - كلية الهندسة حاليًا. وعندما علم بمرض والدي في الفترة الأخيرة أرسل له صديقين من الأصدقاء القدامى ليزوراه ويسألا عنه لأن والدي كان رافضًا للعلاج، وقال له "إحنا عايشين ع المية والأدوية يا جمال"، واستمر اتصاله بوالدي يوميًا أو كل يومين على الأكثر . رحم الله الأبنودي وأبي.


من أهم المناطق التي كان يصمم الأبنودي علي زيارتها وهو في مرحلة الطفولة والصبا، فندق جوفان بوسط مدينة قنا كي يستمع إلي جيتار الخواجة لامبو، وأوضح الباحث التاريخى ضياء العنقاوي لــ"بوابة الأهرام" ،أن الخواجة لامبو الذي مات في إسبانيا موطنه الأول كان من ضمن مئات النازحين من ويلات الحرب الأهلية الإسبانية ليستقر في وطن غير وطنه وبلدة غير بلدته، وهي البلدة التي شهدت مولد الشاعر الأبنودي ليخلده بقصيدة شهيرة باسمه "الخواجة لامبو" التي يكشف فيها أوجه الصراع بين الأغنياء والفقراء في طبقات المجتمع.

مثل مئات النازحين الهاربين من ويلات الحروب والذين نشاهدهم علي الشاشات في عالمنا المعاصر حاليًا، هرب لامبو الإسباني وشقيقه الأكبر جوفان لمحافظة قنا في ثلاثينيات القرن الماضي، هذا مايؤكده الباحث التاريخي ضياء العنقاوي لــ"بوابة الأهرام" مشيرًا إلي أن الشقيق الأكبر جوفان قام ببناء فندق يحمل اسمه، يحوي بارًا وصالة قمار ومطعمًا فخمًا في وسط مدينة قنا، وهي المنطقة التي كان يصدح بها شقيقه الأصغر لامبو بموسيقي جيتاره ويسمعها أهالي قنا فيستمتعون بها.

الفندق الذي يقبع في وسط مدينة قنا، والذي أسسه جوفان وشقيقه الأصغر لامبو شهد كثيرًا من التطورات الغريبة التي أدت إلي تحوله لسينما خاصة تدعي سميراميس تم تعرض لحريق هائل بعد رحيل الأخ الأكبر للخواجة لامبو إلي الإسكندرية، وتشرد الخواجة لامبو وإصراره علي الذهاب لموطنه في إسبانيا، ثم موته وقيام الأبنودي بتخليده في قصيدته الشهيرة.

يؤكد العنقاوي أن المكان تم بيعه حتي صار عمارة سكنية يطلق عليها عمارة المناعي، حيث قام أهالي من قرية أبومناع بحري بشرائها، وحملت هذا الاسم الذي تحمله حتى وقتنا الحالي دون أن يعرف أحد أن هذا المكان كان يصدح فيه الخواجة لامبو بموسيقاه الشهيرة التي كان يسمعها الأبنودي في صباه.

لامبو حاصرته الديون ولكن لم يمل من الجلوس مع البسطاء والفقراء من أهالي مدينة قنا، وحين أراد الرحيل رفض الذهاب مع شقيقه جوفان للارتحال إلي الإسكندرية وقرر الذهاب إلي موطنه إسبانيا اتي نازحًا مشردًا، وذهب إليها أيضًا محاصرًا بالديون. ليكتب عنه فيما بعد الأبنودي قصيدته التي خلدها ومازلنا نرددها.


.


.


.


.


.


.


.

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة