آراء

مرارة علاج الحقائق "العارية"!!

17-4-2018 | 09:24

موقع "بي بي سي" بالعربية عامر بشتى الأخبار عن القصف في سوريا، والحرب في اليمن، والأزمة في الروهينجا، وتغريدات ترامب في أمريكا، وتصريحات بوتين في موسكو، وموقف إيران في المنطقة، و"مذيعتان تتجردان من الملابس لاختبار "الحقيقة العارية".


وحيث إن شعوبنا العربية متدينة بالفطرة من جهة، وغارقة في "مؤامرة كونية لإضعاف شوكة المسلمين والانقضاض على قوة العرب التي لا تقهر"، فقد جاء خبر تجرد المذيعتين من ملابسهما على رأس قائمة الموضوعات الأكثر قراءة بالطبع، وتلاه مباشرة خبر الدفاع الجوي السوري "يتصدى لهجوم صاروخي" على قاعدتين جويتين.

هذا الترتيب يقول الكثير عنا؛ فنحن الشعوب الأكثر تداولاً لـ"جمعة مباركة" منذ صباح الخميس، والأكثر انتظارًا لحلول شهر رمضان المبارك منذ أول شوال حتى إننا نتضرع إلى الله أن تكون السنة كلها رمضان، والأكثر لصقًا للسيوف وشهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله على خلفيات المركبات، والأكثر تعلية للصوت في الميكروفونات والتليفزيونات وهواتف المحمول؛ ليصل صوت الأذان إلى الراقدين تحت التراب، والأكثر تأديبًا لكل من تسول له نفسه أن يلقي علينا تحية الكفر والإلحاد مثل "صباح الخير" و"مساء الخير" و"شكرًا" ونلقن مرددها درسًا بأن الصحيح هو "السلام عليكم" و"جزاك الله خيرًا"، والأعلى تعبيرًا حسيًا عن تديننا الشديد.

ولكن الشيء العجيب والمريب والفريد إننا كذلك (وربما بلدنا الحبيب يتربع على رأس القائمة) الأكثر تحرشًا بالنساء والفتيات، وضمن الدول الأعلى فسادًا بصوره المباشرة الفجة؛ حيث فرض جباية أو فتح الدرج شرطًا لإنجاز المعاملة أو عبر سخافات ورذالات "كل سنة وأنت طيب" و"ربنا يخليلك ولادك" شرطًا ضمنيًا للسماح لك في إيقاف سيارتك في أملاك الدولة أو تركك لتسحب مبلغًا ماليًا من ماكينات الصرف الآلي دون تهديد السيارة بالخبط أو ترويعك بنظرات الحقد والحسد.

كما أننا بعون الله ضمن شعوب الأرض الأقل إنتاجًا للمصنوعات، والحوارات، والافتكاسات، والتريقات، والنكات، ونحن الأعلى تمتيع أنفسنا بأيام الإجازات بين أعياد وطنية (لا يعلم سبب مناسباتها وخلفياتها التاريخية غالبية الأجيال الصغيرة والمتوسطة) ودينية (بعضها يمتد لشهر كما يحدث في رمضان؛ حيث تأنتخ الملايين أمام الشاشات طيلة ساعات الليل والنهار)، هذا بالإضافة إلى عطلتي منتصف العام ونهاية العام الدراسيتين واللتين تشكلان معًا نحو نصف العام الميلادي.

مولد الصحافة الإلكترونية ونموها وازدهارها أتاح لنا الاطلاع على جانب معتبر من مكنون النفوس والعقول، وما قائمة الأخبار الأكثر قراءة المذكورة أعلاه من موقع "بي بي سي" إلا نموذج ضمن آلاف النماذج.

وفي الآونة الأخيرة، لوحظ اتجاه عدد لا بأس به من مواقع الصحف المصرية التي كانت رصينة إلى الأخبار المصنفة "لايت" (خفيفة) لكنها في حقيقة الأمر جنسية بحتة، على الأقل فيما يتعلق بعناوينها بغرض "جر رجل الزبون"؛ ومن ثم رفع عدد المشاهدات.

خذ عندك مثلاً نوعية أخبار الحوادث، وهي نوعية لو تعلمون لا يوجد مثلها في شرق العالم وغربه؛ صحيح قد تسيطر جريمة ما على التغطيات الصحفية وتجذب الرأي العام لبعض الوقت نظرًا لفداحتها أو غرابتها، لكن أن تعتمد الحوادث على جوانب جنسية فقط، فهذه خصوصية وتفرد لا يملكها سوانا، ومعنا بعض من غير الأسوياء في ثقافات أخرى؛ "سهرة حمراء وخيانة وساقطة" (لاحظ أن الساقطة حتى تسقط لا بد أن يصاحبها ساقط؛ ولكنه لا يعرف أبدًا طريقه إلى صفحاتنا وأثيرنا)، "رآها في وضع مخل فهددها بفضحها إن لم تمارس الجنس معه".. وغيرها "كثييييير".

ولا يفوتنا ذكر ترسانة الفتاوى الجنسية التي تلقى قبولاً واسعًا بين السائل والمسئول، وذلك بدءًا من حكم الشرع في إقامة العلاقة الزوجية الحميمة مع الزوجتين في الوقت نفسه، مرورًا بحق الرجل في إمعان النظر إلى المرأة التي لا تغطي شعرها؛ باعتباره عقابًا لها على عدم ارتداء طرحة (لاحظ أن القضية لم تقل شيئًا عمن تغطي شعرها لكن ترتدي ملابس كاشفة لبقية أعضاء جسدها)، وانتهاء بما عايشناه جميعًا من مضاجعة الزوجة الميتة!! ونكاح البهائم!! وإرضاع الكبير!! وغيرها أيضًا كثير جدًا.

وقد يكون من المفيد جدًا أن تخضع هذه الظاهرة المزدوجة المتناقضة لبحث مترو!! فكيف تكون أكثر شعوب الأرض تدينًا والتزامًا أكثرها إقبالاً على التحرش ومطالعة الأخبار ذات الطابع الجنسي والتمسك بتلابيب الشتائم والسباب المتمحورة حول معان جنسية؟!

وكيف يكون معيارنا شبه الوحيد في الحكم على الأشخاص وتصنيفهم هو مظهرهم الديني ونوعية أنشطتهم، فإن كانت ذات طابع يتعلق بطقس ديني فهو شخص موثوق فيه؟ خذ عندك مثلاً، أتعامل مع منجد ونجار كليهما يرن هاتفه المحمول بأدعية دينية خيليجة، ويرد كلاهما على المكالمة بـ"السلام عليكم"، وكل منهما يعتبر شهر رمضان شهرًا لا نشاط فيه إلا الصلاة ومسلسلات ما بعد الإفطار، ووقت الحساب يقسمان بأغلظ الأيمانات أنهما يراعيان رب العباد؛ برغم أن كليهما يبالغ في المصنعية مبالغة لا ريب فيها، وبرغم ذلك فإن مواعيدهما غير منضبطة تمامًا ومنتجهما النهائي دائمًا يكون في حاجة إلى إصلاح وتعديل بسبب "الكلفتة" و"اللكلكة".

غاية القول، علينا الاعتراف أولاً بأن هناك عوارًا ضخمًا بين صورتنا التي نحب أن نتمسك بها - ألا وهي التدين الفطري، والعادات والتقاليد الملتزمة - وواقعنا الذي هو أبعد ما يكون عن ذلك.

بداية حل الفصام الفكري والسلوكي والحياتي تبدأ بالاعتراف، وتمر بدراسة الحالة المرضية، وتنتهي بعلاج مهما كان صعبًا أو مُرًا!!

إنها مرارة علاج الحقائق "العارية"!

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

الحداية والكتاكيت و"أونروا"

من ألماظة لميدان سفير

من ألماظة لميدان سفير

"صلاح".. وتوليفة القوى الطاردة

"صلاح" وتوليفة القوى الطاردة

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

خروف ببدلة ومعايدات مليونية

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

مراكز الشباب والإنقاذ السريع

هويتنا المسلوبة

هويتنا المسلوبة بعد الربيع العربي في يناير 2011

البشر وطريق السويس

أقطع طريق القاهرة السويس من الشروق ومدينتي إلى مصر الجديدة ووسط القاهرة والعودة يوميًا؛ لذلك أعتبر نفسي مرجعية في هذا الطريق، لا سيما أنني لا أكتفي بمجرد

قليل من التدقيق لا يضر

في هذا المكان قبل سبعة أسابيع بالتمام والكمال، كتبت مقالاً عنوانه "إشاعات شائعة"، وبرغم أن الأجواء العنكبوتية والأحاديث الشارعية حينئذ لم تكن قد بلغت ما

سكان يسيرون على أربع

سكان يسيرون على أربع إنهم الكلاب والقطط والدواب

كثرة غثاء السيل

إنجاب الأبناء والبنات سمة من سمات البشرية، وتحديد العدد صفة من صفات العقلاء.

تعدية الشارع

"تعدية الشارع"! عبارة تبدو قصيرة وتقدم نفسها باعتبارها تحصيل حاصل، ليس هذا فقط، بل إن البعض يتعامل معها وكأنها سمة طبيعية من سمات الحياة اليومية، لكن كلا

عن الكرة والشارع والرمز

الغضب والحزن والهري ستستمر أيامًا، ثم ما تلبث أن تذهب إلى حال سبيلها، ولن تعود إلا بحدوث موقف أو موقعة أو حادث مشابه لتعاود عملها بكامل عدتها.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة