ثقافة وفنون

د.محمود الضبع يكتب.. "ثقافة الجهل"

16-4-2018 | 21:43

محمود الضبع

إن الجهل سواء أكان مضادا للعلم أم مضادا للحلم له ثقافته التي يجهلها من لا يطلع عليها، أو يتعامل مع فئاتها، لذا يظل المفكر بعيدا عن واقعه ما لم ينطلق من قراءة أبعاد "ثقافة الجهل" سعيا للوصول إلى فكر التنوير والتغيير والتحسين.

والتاريخ يحمل ملايين الأمثلة، وحتى إن كان تداولنا للأمر منطلقا من أنه لابد أن يكون هناك جهل ليتم الوصول إلى العلم، وحتى لو كان التطور الإنساني يقتضي أن يتم تجاوز قديم العلم فيصفه بالجهل، إلى الحديث وما هو أحدث ليثبت له العلم بالمفهوم المعرفي، فإن الجهل يظل ثقافة لها مرتكزات وأبعاد وملامح يقتضي الأمر تحصيلها والاطلاع عليها لاستيعاب ما هو أحدث وأعلم (بمفهوم العلمية)، ولكن مع الوضع في الاعتبار أن الجهل كمفهوم هو في حقيقته فضفاض إلى درجة أنه يمكن إدراجه نسبيا على كل البشر، فما من إنسان إلا وهو جاهل بقضايا ومعارف على نحو ما، أي أنه لم يوجد على الأرض من هو عالم بكل شيء، حتى الرسول الكريم محمد عليه السلام، لم يكن عالما بكل أمور الدنيا، بدليل حديث تأبير النخل، ودليل سؤال بعضهم عن أفضل بقاع الأرض، وشر بقاع الأرض، فأرجأه إلى أن يسأل جبريل، وأرجأه جبريل إلى أن يسأل ربه.

ولكن ما نعنيه هنا هو الجهل الناتج عن الأمية (أمية القراءة والكتابة)، والجهل الناتج عن غياب الوعي، والجهل الناتج عن معرفة الحد الأدنى من الكفاف لامتلاك المهارات الحياتية اللازمة لتعايش الإنسان وتفهمه طبيعة ما يحدث حوله، هنا يمكن مقابلة الجهل بالثقافة، فإذا كان الجهل يقف على الدرجة الأولى من الخط المستقيم للحياة الإنسانية، فإن الثقافة تقف على نقطة الدرجة الأخيرة في الاتجاه المضاد، غير أن هذا الجهل لا يعني الدرجة الصفر، وإنما يعني الخط الفاصل بين المسارات التي يمكن أن تكون صحيحة، والمسارات التي لا يمكن أن تكون صحيحة.

الجهل إذن نمط له مرتكزاته الثقافية والفكرية، وله منطلقاته العقائدية التي تحتكم إلى قانون الجماعة وقانون البيئة وقانون الأعراف التي سادت وتأصلت عبر قرون، وهو على هذا النحو يمثل نمطا معرفيا، يدين في تشكله داخل العقل البشري إلى المعتقد، ذلك الذي يلعب دوره الفاعل في تشكيل ما نطلق عليه ثقافة الجهل، والمعتقد المعني هنا ليس مقتصرا على الديني فقط بمفهوم الفكر المرتبط بالديانات المقدسة، وإنما أيضا بكل ما اعتنقه الإنسان من مبادئ لا يقبل المساس بها ولا تغييرها.

ربما يبدو من غريب الأمر، أن توجد جماعات مختلفة في أقاليم ومناطق جغرافية مختلفة يتفقون على ثقافة واحدة، يميزها جميعا أنها ثقافة الجهل، ذلك أنها تحتكم في سياقها إلى مرتكزات تكاد تكون واحدة واتفاقات مفاهيمية واحدة حول قضايا بعينها، فالعرب الجاهلية مثلا فيما يروى عنهم بوأد البنات... كيف تشكل هذا الوعي ليصبح ثقافة عامة؟ وقضايا الثأر وإراقة الدماء في الشعوب التي لاتزال تتعامل بها... كيف تحول من النموذج الفردي ليصبح ثقافة عامة تسود في أقاليم بأكملها؟ وكذلك الأمر في عوالم الجريمة، وما يرتبط بها من ثقافة تحظى باحترام مرتكزاتها من قبل أعضائها والمنتمين إليها.....، فالمجرم لا يجور على زميل له في منطقته، وإن جار فمن قبيل التأديب أو الانتقام أو ما شابه من الممارسات الإنسانية التي تحدث بين البشر بدافع العاطفة الانفعالية كما أشار إليها أرسطو وألبير كامو.

وقد استطاع كثير من الكتاب الروائيين الكشف عن عوالم هذه الفئات ممن يصنفهم المجتمع على أنهم مجرمون، وكيف أن التقاليد والأسس والقيم المستقرة بينهم هي الحاكمة لحياتهم، وأنها لا يمكن تجاوزها، ومنهم مثلا نجيب محفوظ في رواياته اللص والكلاب، والطريق، والجريمة، ويوم قتل الزعيم، والحرافيش، وفتوة العطوف، وغيرها من الأعمال التي كشفت عن قاع المجتمع.

والسؤال الناتج عن ذلك أيضًا يتعلق بكيف تشكلت هذه القيم المتبادلة بين أفراد هذه المجتمعات، ومن الذي عمل على تمريرها بين فئاتها؟ والأمثلة لن تنقطع في هذا السياق.

أمر آخر يتعلق بالجهل – بمفهوم الأمية تحديدا – وهو تمكن إنسان ما من الإنتاج الثقافي على الرغم من عدم معرفته بالأصول المعرفية التي سجلها العلم، وهو ما يتحقق مثلا لدى كثير من الشعراء الشعبيين والنحاتين والرسامين والفنانين، الذين تمكنوا جميعا من إنتاج ثقافة ربما كان لها تأثيرها في المجتمع المحيط، ولكنهم لم تكن لهم مصادر معرفية علمية على نحو واضح بالمعايير التي نرتضيها الآن، وهي الدراسة والاطلاع والتدريب.. إلخ، أو حتى الانتماء إلى مدرسة فنية محددة.

والحقيقة أن هذه الفئة ربما تكون جاهلة بالقراءة والكتابة مثلا، ولكنها ليست جاهلة بمصادر المعرفة الأخرى، من تأمل (ثقافة تأمل)، ومن بيئة (ثقافة مكتسبة من البيئة)، ومن موروث اجتماعي (ثقافة الموروث)، ومن موهبة فطرية (وهذه لا يمكن تنميطها ضمن أنماط الثقافة، ولكنها يمكن فهمها في سياق الذكاءات المتعددة التي لا يخلو إنسان من امتلاك واحد أو أكثر على الأقل منها)، وبناء عليه، فإن المصادر المعرفية لهؤلاء متحققة بالفعل، وإن كانت تنتمي إلى الثقافة الشفاهية (المحكية)، وليست الثقافة المكتوبة، وهو ما يتجسد في مفاهيم الإنتاج لديهم، إذ إن هذا الإنتاج يتضمن هذه المصادر المعرفية، ويختزلها، ويعيد إنتاجها في نسق جديد له تأثيراته، وهذا أحد أرقى أشكال الثقافة.

هل يستقيم الأمر على هذا النحو؟ هل تجتمع الثقافة والجهل؟ وهل كانت الثقافة هي المعادل الموضوعي للتعليم دائما؟

ألم يأن الأوان بعد للانتباه لمثل هذه الشرائح من المجتمع ودراستها، وتفهم أبعاد ثقافتها لنتمكن من توجيهها نحو التنمية والبناء، وليس التعامل بمنطق صد خطرها فقط؟.

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة