دنيا ودين

قصة نبي الله سليمان مع "الهدهد وبلقيس ملكة سبأ" (2-3)

13-4-2018 | 16:35

قصة النبي سليمان

علي شفيق الشيمي

جاء في الجزء الأول، أن نبي الله سليمان كأن أحد ملوك الدنيا المؤمنين الذين حكموا في الأرض بالعدل، فأحبه العباد لما كان له من وقار وجلال وعطف وحنان علي الفقراء والمساكين، آتاه الله من كل شيء، إن هذا لهو الفضل المبين، علمه منطق الطير، وسخر له الشياطين كل بناء وغواص، و"الريح عاصفة تجري بأمره إلي الأرض التي باركنا فيها".

يبدأ المشهد الأول في مشهد العرض العسكري العام لنبي الله لسليمان وجنوده، بعدما أتوا علي وادي النمل، وبعد مقولة النملة، توجه نبي الله سليمان إلي المولي عز وجل بالشكر والدعاء والإنابة، ثم تفقد الطير، كما قال تعالى: "وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ " (النمل21و20), فكان نبي الله سليمان في موكبه الضخم المهيب إذ يتفقد الطير فلا يجد الهدهد، وهنا ندرك أن افتقاد سليمان لهذا الهدهد سمة شخصية: سمة اليقظة والدقة والحزم، فهو لم يغفل عن غيبة الجندي من هذا الحشد الضخم من الجن والإنس والطير، وهو يسأل عنه "مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ" ويتضح أنه غائب، ويعلم الجميع من سؤال الملك عنه أنه غائب بغير إذن، وحينئذِِ يتعين أن يؤخذ الأمر بالحزم، كي لا تكون فوضي، ومن ثم نجد نبي الله سليمان يتوعد الجندي المخالف"لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ"، ولكن نبي الله سليمان ليس جباراً في الأرض،إنما هو نبي فلا ينبغي أن يقضي في شأنه قضاء نهائياً، قبل أن يسمع منه ويتبين عذره، ومن ثم تبرز سمة النبي العادل"أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ" أي حجة قوية توضح عذره وغيابه.ويحضر الهدهد ومعه نبأ عظيم، بل مفاجأة ضخمة لسليمان "فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ"، وهاهو الهدهد يتقدم من القائد، إنه يعرف حزم الملك وشدته، فهو يبدأ حديثه بمفاجأة تطغي علي موضوع تخلفه عن الاصطفاف مع الجند، وأنصت له الملك "فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ"، فأي ملك لا يستمع وأحد رعاياه يقول "أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ" بعد هذه المفاجأة أخذا في تفصيل النبأ اليقين الذي جاء به من "سبأ".


قصة بلقيس ملكة "سبأ"مع نبي الله سليمان:
وهنا تبدأ القصة، مملكة سبأ تقع جنوب الجزيرة العربية باليمن، فذكر الهدهد أنه وجد قوماً تحكمهم "امرأة" (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) وهي كناية عن عظمة ملكها وثرائها وتوافر أسباب الحضارة والقوة "وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ" أي سرير ملك فخم وضخم، وهذا يدل علي الغني والترف وارتقاء الصناعة، وذكر أنه وجد الملكة وقومها "يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ" (النمل24) وهنا: يعلل ضلال القوم بأن الشيطان زين لهم أعمالهم فأضلهم، فهم لا يهتدون إلي عبادة الله العليم الخبير"الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"(النمل24) والخبء: الشيء المخبوء إجمالاً، سواء كان هو مطر السماء أو نبات الأرض، وهي كناية عن كل مخبوء وراء ستار الغيب في الكون العريض"وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ" وها نحن نجد أنفسنا أمام هُدهُد عجيب صاحب إدراك وذكاء وإيمان وبراعة في عرض النبأ، ويقظة إلي طبيعة موقفه، فهو يعرف أن هذه "الملكة" وأن هؤلاء رعية، ويدرك أنهم يسجدون للشمس من دون الله ويدرك أن السجود لا ينبغي إلا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض، وأنه هو رب العرش العظيم، وهنا لا يتسرع نبي الله سليمان في الحكم عليه إذا كان صادقاً أم كاذباً، ولا يستخف بالنبأ العظيم الذي جاء به، إنما يأخذ في تجربته للتأكد من صحته، شأن النبي العادل والملك الحازم إنما "قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ"(النمل).

وهنا لا يفصح عن محتوي الكتاب، فيظل ما فيه مغلق كا لكتاب نفسه، حتى يفتح ويعلن هناك، نستعرض في الجزء الثالث إن شاء الله قصة إسلام الملكة بلقيس، وقصة الخيل مع نبي الله سليمان، ووفاته عليه السلام.

المصدر: قصص القرآن الكريم وتفسير ابن كثير

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة